70 حلقة من زمن (فاروق جويدة) إلى ماسبيرو.. الشعر والتاريخ وذاكرة الوطن تعود إلى الشاشة

كتب: مروان محمد
في زمن تتراجع فيه المساحات المخصصة للثقافة والفكر أمام زحام المحتوى السريع، تأتي خطوة تحمل رسالة مختلفة؛ إذ أهدت إدارة قناة TEN TV الهيئة الوطنية للإعلام 70 حلقة من البرنامج الفكري والثقافي البارز (مع فاروق جويدة)، ليبدأ عرضها اعتبارًا من أول سبتمبر المقبل عبر شاشتي القناة الأولى وقناة النيل الثقافية.
الخطوة لا تبدو مجرد اتفاق لتبادل المحتوى بين مؤسستين إعلاميتين، وإنما تحمل دلالة أوسع تتعلق بإعادة تقديم المحتوى الثقافي الجاد إلى جمهور التليفزيون المصري، خصوصًا عندما يكون هذا المحتوى مرتبطًا باسم شاعر ومفكر بحجم (فاروق جويدة).
جاءت هذه الخطوة في إطار التعاون الثقافي ودعم المحتوى التنويري الهادف بين المؤسسات الإعلامية، لتمنح حلقات البرنامج فرصة جديدة للوصول إلى جمهور أوسع عبر شاشات ماسبيرو.
وتوجهت الإعلامية أميرة سالم، رئيس القنوات المتخصصة بالهيئة الوطنية للإعلام، بالشكر إلى الإعلامي نشأت الديهي، الرئيس التنفيذي لقناة TEN الفضائية، والإعلامي محمد بسيوني، المدير التنفيذي للقناة، على هذا التعاون، مؤكدة أن إتاحة هذا الإنتاج الثقافي لشاشات ماسبيرو يمثل إضافة مهمة إلى المكتبة البرامجية الوطنية.
وأشادت سالم بما يحمله البرنامج من محتوى فكري رصين، مشيرة إلى أن وجود تجربة إعلامية تحمل بصمة قامة أدبية وفكرية مثل (فاروق جويدة) يساهم في دعم الرسالة التنويرية للتليفزيون المصري.

حين يصبح البرنامج ذاكرة وطن
البرنامج يقدم عبر حلقاته السبعين وجبة فكرية وتاريخية وإنسانية تمتد في أكثر من اتجاه، ويخوض فاروق جويدة خلالها في قضايا الهوية والذاكرة الوطنية والتاريخ والشعر والموسيقى والمجتمع.
ومن أبرز المحاور التي يتناولها البرنامج (تاريخ مصر بين الحقيقة والحكايات)، إضافة إلى قضية (تاريخ بلا وثائق وأحداث بلا ذاكرة)، في محاولة للبحث عن العلاقة بين التاريخ كما حدث، والتاريخ كما وصل إلى الأجيال عبر الروايات والحكايات، كما يقدم البرنامج إضاءات على عيون الشعر العربي القديم والحديث، ويتوقف عند رموز وتجارب شعرية امتدت من المتنبي إلى العصر الحديث.
ولا يتوقف البرنامج عند الأدب والشعر، وإنما يفتح أيضًا صفحات من ذاكرة الطرب العربي، من خلال استعادة محطات مهمة في مسيرة عدد من عمالقة الفن، وفي مقدمتهم أم كلثوم والموسيقار رياض السنباطي.
كما تتضمن الحلقات شهادات صحفية حول دور النخب في بناء الوعي، إلى جانب مناقشة عدد من القضايا الاجتماعية، في صيغة تحاول الجمع بين التوثيق والتحليل والرؤية الإنسانية.
ويمنح حضور (فاروق جويدة) هذه الموضوعات خصوصية إضافية، إذ يقدمها بأسلوب سردي يمزج بين رصانة الفكر وعذوبة اللغة وعمق الرؤية الصحفية، بعيدًا عن أسلوب البرامج الثقافية التقليدي الجاف.
ويأتي انتقال البرنامج إلى شاشات ماسبيرو في توقيت يحظى فيه (فاروق جويدة) باهتمام مؤسسي وثقافي لافت، تقديرًا لمكانته باعتباره أحد أبرز أصوات الشعر العربي المعاصر، وصاحب تجربة امتدت لعقود بين الشعر والمسرح الشعري والصحافة والكتابة الفكرية، وقد أسهم جويدة عبر دواوينه ومسرحياته الشعرية ومقالاته وكتاباته الصحفية في تشكيل جانب مهم من الوجدان الوطني والثقافي المصري والعربي.
وتتوج هذا التقدير مؤخرًا بالاحتفاء بمسيرته داخل مبنى الإذاعة والتليفزيون، خلال صالون ماسبيرو الثقافي، حيث حصل على وسام ماسبيرو تقديرًا لعطائه الإبداعي والفكري الممتد، وقدمه له الكاتب أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، في رسالة تؤكد اعتزاز ماسبيرو برموز الثقافة المصرية وحرصه على تقديم تجاربهم للأجيال الجديدة.

تعاون المؤسسات من أجل الوعي
ربما تكون القيمة الحقيقية لهذه الخطوة في أنها تضع (المحتوى) في قلب التعاون الإعلامي؛ فإهداء 70 حلقة من برنامج ثقافي إلى شاشات ماسبيرو يعني أن المادة الفكرية الجادة يمكن أن تعبر من شاشة إلى أخرى، وأن التعاون بين المؤسسات الإعلامية يمكن أن يتحول إلى وسيلة لإعادة تقديم الذاكرة الوطنية والثقافية للجمهور.
ومع بدء عرض (مع فاروق جويدة) في الأول من سبتمبر، سيكون المشاهد أمام 70 حلقة لا تكتفي باستعراض التاريخ والشعر والفن، وإنما تحاول أن تطرح سؤالًا أكثر أهمية: كيف نحافظ على الذاكرة في زمن سريع النسيان؟
وهو سؤال يبدو أن فاروق جويدة يعرف جيدًا كيف يطرحه.. وكيف يجعل الإجابة عليه حكاية تستحق أن تُروى.