

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
المخرج المسرحي المحترف هو المهندس الحقيقي للعرض المسرحي، وصانع إيقاعه، وحارس رسالته الفكرية والجمالية، إنه الفنان الذي يعمل بعيدًا عن الأضواء، لكنه يترك بصمته في كل مشهد، وكل حركة، وكل لحظة صمت، ليؤكد أن المسرح ليس مجرد خشبة وممثلين، بل فن جماعي يحتاج إلى قائد يمتلك الرؤية، والقدرة على تحويل النص إلى حياة، وذلك بحسب رؤية المخرج المسرحي (أحمد عبد الجليل).
ولهذا يؤمن (أحمد عبد الجليل) إن المخرج المسرحي المحترف ليس مجرد منفذ للنص، بل هو مبدع ثانٍ يكتب عرضه بلغة الصورة والحركة والإيقاع، ويمنح كل عمل هويته الخاصة، ليظل المسرح، كما كان دائمًا، فن اللقاء الحي بين الإنسان والإنسان.
حين يصفق الجمهور في نهاية العرض المسرحي، تتجه الأنظار عادة إلى الممثلين الذين خطفوا الأضواء على خشبة المسرح، بينما يبقى الشخص الذي صنع هذه اللحظة مختبئًا خلف الستار، إنه المخرج المسرحي المحترف، العقل الذي يحول الكلمات المكتوبة إلى عالم نابض بالحياة، والقائد الذي يجمع عشرات العناصر الفنية في رؤية واحدة، وأعني هنا بالضرورة ما يفعلة المخرج المسرحي الكبير (أحمد عبد الجليل) في معالجاته الدرامية المسرحية.
ولا يقف دور المخرج المسرحي (أحمد عبد الجليل) عند الممثلين، بل يمتد إلى كل عنصر بصري وسمعي في العرض، فهو يناقش مصمم الديكور في شكل الفضاء المسرحي، ويتعاون مع مصمم الإضاءة لصناعة الحالة النفسية للمشاهد، ويتابع تصميم الأزياء، ويشارك في اختيار الموسيقى والمؤثرات الصوتية، ويشرف على حركة الممثلين فوق الخشبة، ليصبح كل عنصر جزءًا من لوحة واحدة.
ولهذا يصف كثير من النقاد المخرج المسرحي بأنه (قائد أوركسترا)، لأن كل عنصر في العرض يشبه آلة موسيقية، وإذا خرج عنصر واحد عن الإيقاع، اختل البناء كله، لكن الإخراج عند (أحمد عبد الجليل) ليس مجرد تنظيم للعناصر، بل هو أيضًا فن قيادة البشر.
فالمخرج المحترف مطالب بإدارة فريق يضم ممثلين وفنيين ومصممين، لكل منهم شخصيته وطريقته في التفكير، لذلك يحتاج إلى مهارات قيادية عالية، وقدرة على الحوار والإقناع، وحل الخلافات، وصناعة بيئة عمل تشجع على الإبداع.
ولا يكتفي المخرج المحترف (أحمد عبد الجليل) بالجانب الفني، بل يضع الجمهور في قلب تفكيره. فهو يسأل باستمرار: كيف سيتلقى المشاهد هذه الصورة؟ وهل ستصل الرسالة؟ وهل الإيقاع مناسب؟ وهل سيظل الجمهور مشدودًا حتى إسدال الستار؟ فالمسرح في النهاية فن تواصل حي، لا يكتمل إلا بحضور المتلقي.

واحدة من أهم لحظات مشواره
وهذا أستعرض سيرة مخرج قضى أكثر من خمسة عقود بين خشبة المسرح وكواليسه، متنقلًا بين الإخراج والعمل الثقافي والإدارة المسرحية، حيث جاء عام 2026 ليحمل للمخرج المسرحي (أحمد عبد الجليل) واحدة من أهم لحظات مشواره الفني، بعدما أعلنت جوائز الدولة تتويجه بجائزة الدولة للتفوق في الفنون، التي يمنحها المجلس الأعلى للثقافة، تقديرًا لمسيرة طويلة ترك خلالها بصمة واضحة في مسيرة المسرح المصري.
ظني أن الجائزة بالنسبة إلى (أحمد عبد الجليل) ليست مجرد شهادة جديدة تُضاف إلى سجل التكريمات، وإنما تبدو أقرب إلى محطة تتويج لرحلة عمر، بدأت منذ سنوات بعيدة مع المسرح، واستمرت عبر أكثر من 120 عرضًا مسرحيًا، قدمها في مساحات وتجارب متنوعة، ليصبح المسرح بالنسبة إليه ليس مجرد مهنة أو وظيفة، وإنما مشروع حياة.
المفارقة التي بدت في لحظة إعلان فوزه، أنه لم يخفِ (أحمد عبد الجليل) مشاعره، مؤكدًا أن الجائزة تمثل بالنسبة إليه (شرفًا كبيرًا وتقديرًا غاليًا من الدولة)، واصفًا إياها بأنها أرفع وسام حصل عليه طوال مسيرته الفنية.
وربما تكمن خصوصية هذه الجائزة بالنسبة إلى صاحبها في طبيعة الجهة التي تمنحها وآلية الاختيار، إذ تأتي بعد منافسة بين أسماء وقامات إبداعية لها حضورها في المشهد الثقافي المصري، ويتم اختيار الفائزين من خلال لجان تضم نخبة من كبار المثقفين والأكاديميين وأعضاء المجلس الأعلى للثقافة وممثلي النقابات الفنية.
ولهذا قال (أحمد عبد الجليل): (أشعر بفخر كبير لأن هذا التكريم جاء وسط أسماء وقامات كبيرة، سواء بين المرشحين أو بين الفائزين في مختلف مجالات جوائز الدولة هذا العام. وأعتبر هذا التقدير من الدولة أرفع وسام حصلت عليه في حياتي، وأتمنى أن أكون دائمًا على قدر هذه الثقة).

120 عرضًا.. والمسرح هو الحكاية
عندما نتحدث عن (أحمد عبد الجليل)، فإننا لا نتحدث عن مخرج قدم تجربة أو تجربتين، وإنما عن فنان ارتبط اسمه برحلة طويلة مع المسرح المصري، امتدت لأكثر من خمسين عامًا، وشارك خلالها في تقديم أكثر من 120 عرضًا مسرحيًا.
تنوعت محطات هذه الرحلة بين مسارح الهيئة العامة لقصور الثقافة، والمسرح الجامعي، والقطاع الخاص، ومركز الهناجر للفنون، وغيرها من المساحات التي احتضنت تجاربه المسرحية.
ومن خلال هذا التنوع، تشكلت تجربته الفنية التي لم تكن محصورة في اتجاه واحد، وإنما تحركت بين أكثر من فضاء مسرحي، وهو ما منحه خبرة واسعة في التعامل مع أشكال مختلفة من الإنتاج والجمهور وظروف العمل.. لكن يبقى المسرح الإقليمي واحدًا من أبرز العناوين في مسيرة (أحمد عبد الجليل)
فبعيدًا عن مركزية القاهرة، اختار أن يكون جزءًا من حركة مسرحية تصل إلى المحافظات، مؤمنًا بأن المسرح لا ينبغي أن يبقى حبيس العاصمة، وأن الجمهور في الأقاليم يستحق أن تصل إليه العروض الفنية الجادة، وأن يصبح المسرح وسيلة حقيقية لنشر الثقافة والمعرفة والجمال.
ومن هنا جاءت علاقته الطويلة بالمسرح الإقليمي، الذي منحه جزءًا كبيرًا من تجربته، ومنحه هو في المقابل سنوات من العمل والجهد والتواصل مع جمهور مختلف، في تجربة تعكس إيمانًا بأن الثقافة لا تعرف حدودًا جغرافية.
لم يتوقف دور (أحمد عبد الجليل) عند حدود المخرج الذي يقف خلف العرض المسرحي، وإنما امتدت تجربته إلى العمل الثقافي والإداري، والمشاركة في العديد من الفعاليات واللجان المرتبطة بالحركة المسرحية والثقافية.
وهذه المساحة ربما تكشف جانبًا آخر من شخصيته الفنية؛ فالمسرح بالنسبة إليه لم يكن فقط لحظة العرض ورفع الستار، وإنما منظومة كاملة تحتاج إلى من يعمل على تطويرها وإدارتها ودعم المواهب والحفاظ على استمراريتها.
تجدر الإشارة إلى أن على مدار السنوات، كان حاضرًا في المشهد المسرحي المصري من أكثر من موقع، ليجمع بين خبرة المخرج ورؤية المثقف وتجربة المسؤول الذي يعرف تفاصيل العمل من داخل الخشبة وخارجها.
ولعل هذا التنوع هو ما جعل تجربته ممتدة وقادرة على الاستمرار لأكثر من خمسة عقود، في وقت تتغير فيه الأجيال والتيارات والاتجاهات الفنية.

شهادة أخرى في الطريق
قبل وصوله إلى محطة جائزة الدولة للتفوق، كان اسم (أحمد عبد الجليل) حاضرًا في سجل التكريمات المسرحية، إذ كرمه المهرجان القومي للمسرح المصري خلال دورته الثامنة عشرة، تقديرًا لإسهاماته الممتدة في الحركة المسرحية المصرية.
ولم يتوقف الاحتفاء بتجربته عند التكريم، وإنما امتد إلى التوثيق، حيث صدر كتاب عن مسيرته الفنية أعده الباحث الدكتور محمد أمين عبد الصمد، تناول أبرز محطات تجربته وأعماله وإسهاماته في المسرح المصري المعاصر.
وهنا تكتسب جائزة الدولة للتفوق قيمة إضافية؛ لأنها تأتي بعد مسيرة طويلة لم تكن مجهولة أو عابرة، وإنما أصبحت جزءًا من ذاكرة المسرح المصري، بما قدمه (أحمد عبد الجليل) من أعمال وتجارب، وما بذله من جهد في دعم الحركة المسرحية، خصوصًا خارج العاصمة.
وجاء فوز (أحمد عبد الجليل) بجائزة الدولة للتفوق في الفنون ضمن قائمة من الأسماء البارزة التي حصدت جوائز الدولة لعام 2026.
فقد فاز الفنان التشكيلي ووزير الثقافة الأسبق فاروق حسني بجائزة النيل، بينما حصل الفنان محمد صبحي والفنان خضير البورسعيدي على جائزة الدولة التقديرية، فيما ذهبت جائزة الدولة للتفوق إلى المخرج المسرحي (أحمد عبد الجليل) والدكتورة (مايسة عبد الغني).
وبين هذه الأسماء، جاء تكريم (أحمد عبد الجليل) ليعيد تسليط الضوء على قيمة المسرح، وعلى أهمية الاحتفاء بالمبدعين الذين قضوا سنوات طويلة في العمل بعيدًا عن الأضواء الصاخبة، لكنهم ظلوا حاضرين في قلب الحركة الثقافية.
ربما تكون أجمل دلالة في فوز (أحمد عبد الجليل) أن جائزة الدولة للتفوق جاءت في مرحلة متقدمة من رحلته، لتقول إن الإبداع الحقيقي لا يفقد قيمته بمرور الزمن، بل بالمثابرة والإصرار على الإبداع.
فالمبدع الذي أمضى أكثر من خمسين عامًا في خدمة المسرح، وقدم أكثر من 120 عرضًا، وعمل في مسارح العاصمة والأقاليم، وشارك في العمل الثقافي والإداري، يجد نفسه اليوم أمام تكريم رسمي من أعلى مستويات التقدير الثقافي في مصر.
إنها لحظة تقول إن الخشبة التي أحبها (أحمد عبد الجليل) طوال هذه السنوات لم تكن مجرد مكان يقف عليه الممثلون، بل كانت بالنسبة إليه مساحة لصناعة الوعي، وفتح أبواب الخيال، والوصول إلى الجمهور أينما كان، ومن هنا، فإن جائزة الدولة للتفوق ليست نهاية الحكاية، بقدر ما هي فصل جديد في سيرة فنان اختار المسرح طريقًا، وظل متمسكًا به لعقود.

أول فرقة مسرحية حرة بالمنصورة
المخرج المسرحي (أحمد عبد الجليل): من مواليد 1952 حصل على معهد التعاون الزراعي سنة 1978 ثم حصل على المعهد العالى للفنون المسرحية (دراسات حره) 1980 عمل مديرا اداريا بمسرح المنصورة القومي من 1971 حتى ١٩٧٤ ثم مديرا له.
بعدها انتقل الى مسرح الثقافة الجماهيرية 1976 حتى 1999 ثم مديرا لمهرجان مسرحة القصة القصيرة لإقليم شرق الدلتا، ومشرفا لفرق إقليم غرب ووسط الدلتا 2001، 2002، ثم مديرا لفرق التجارب بالادارة العامة للمسرح 2003، مديرا لفرق المدن 2004 ووكيل إدارة ومشرف عام على الفرق القوميه 2005 ثم مديرا لادارة فرق الاقاليم ووكيل الإدارة العامة للمسرح.
عمل عضوا بلجان تحكيم للعديد من المهرجانات المسرحية فى الأقاليم الثقافية المختلفة حتى الآن، وعضوا بلجنة تحكيم في مهرجانات نوادي المسرح حتى الآن وعضو لجان قراءة النصوص حتى الآن بالادارة العامة للمسرح، وعضو لجنة التحكيم بمسرح الطفل بالاقاليم 2017، كما أنه صاحب فكرة أول فرقة مسرحية حره تحت اسم (دراما) عام 1988 بالمنصورة.
حصل (أحمد عبد الجليل على عدة جوائز عن عروض مسرحية منها (الزير سالم) جائزة أحسن عرض مسرحي، ومخرج أول، وممثل أول، وممثله أولى، وديكور أول لبيت ثقافة سماد طلخا، كما حصل على جائزة أوسكار بهيئة قصور الثقافة لفرقة بيت سماد طلخا 1991.
وحصل بعرض (فارس الملك) على جائزة أول عرض إخراج أول ديكور، أول موسيقه، أول ممثل مناصفه وثاني ممثلة مناصفة لفرق غزل المحلة في المسابقة النهائية لفرق الأقاليم 1993.
كذلك حصل على جائزة أفضل مخرج ثاني عن عرض (الملك هو الملك) بقومية الإسماعيلية 1996، ومسرحيه (أمير الحشاشين) لغزل المحلة 1998 ومخرج أول مناصفة، وجائزة مخرج ثاني لمسرحية (عطيل) لفرقة القومية بالمنصورة.
كما حصل على جائزة مخرج ثاني عن مسرحية (ليلة النيروز) لفرقة قومية الإسكندرية، ومخرج أول عن أوبريت (شهرذاد) لأفضل عمل جماعي استعراضي لفرقة القومية بالشرقيه، وعرض (ياليل يا قمر) لفرقة قومية البحيرة 2011 وغيرها الكثير، كما حصل على جوائز بمهرجان الشركات والجامعات والمعاهد العليا، وتم تكريمه في العديد من الجامعات.

إبداعاته في الثقافة الجماهيرية
أما بالنسبة للثقافة الجماهيرية فقد تم تكريم (أحمد عبد الجليل) في محافظة السويس 2007 وفي مهرجان نوادي المسرح، كما تم تكريمه في العديد من المحافظات ولديه العديد من الأعمال في المسرح الخاص وثقافة الطفل بالمنصورة ودمياط والاسكندريه والاسماعيلية وغيرها.
والجدير بالذكر أنه تم تكريمه مؤخرا من قبل الادارة العامة للمسرح التابعة للإدارة المركزية للشئون الفنية بالهيئة العامة لقصور الثقافة تكريم فناني كبار من مخرجي الأقاليم الثقافية.
ويعد (أحمد عبد الجليل) ممن أثروا حركة المسرح عامه ومسرح الثقافة الجماهيرية بأعمالهم وإبداعاتهم، من خلال المهرجان الختامى لفرق الأقاليم الـ 46 نظير ما قدمه للمسرح من أعمال مهمة.
وأخيرا يمكنني القول، بأنه بين أكثر من 120 عرضًا، وعشرات الجوائز والتكريمات، وتجربة طويلة مع المسرح الإقليمي، يقف (أحمد عبد الجليل) اليوم أمام واحدة من أهم محطات حياته الفنية.
فارس المسرح الذي عاش سنواته بين الخشبة والكواليس، جاءه التكريم أخيرًا من الدولة، ليقول له بعد أكثر من نصف قرن من العطاء: (ما قدمته لم يذهب سدى.. وما زرعته على خشبة المسرح، حان وقت أن يُكتب في سجل التاريخ) والدخول إلى الباب الملكي لعظماء المسرح المصري الذين أثروا مسرح الأقاليم أمثال رواد هذا المسرح وعلى رأسهم (زكريا الحجاوي) وغيرهم.