
بقلم الفنان التشكيلي الكبير: حسين نوح
حين يكون الفنان لا يمارس الفن من أجل الشهرة، أو المال، أو مجرد أكل عيش مثل (محمد فاضل).. أتابع في العالم نجومًا دخلوا التاريخ، ليس بالفن والإبداع وحده، لكن بالمواقف.
فمن لا يعرف مواقف (شارلي شابلن)، وكيف ناصر الفقراء والعمال، وحذرنا من التنازل عن إنسانيتنا من أجل تحويل العامل إلى ماكينة، وكيف تم طرده من أمريكا، وهو الأيقونة للإبداع والمتعدد: كاتبًا ومخرجًا وموسيقيًا؟
وهل نتجاهل دور (فانيسا ريدجريف) التي وقفت مع الشعب الفلسطيني، لتؤكد أن الفنان هو الإنسان الأكثر حساسية تجاه تفعيل قيم الإنسانية وحقوق الإنسان؟ هل نتجاهل دور (ريتشارد جير) وهو يتحدث عن رئيس الدولة العظمى الذي جعله حزينًا عليها وصورتها أمام العالم؟.. وبالمثل (ميل جيبسون) حين يصف بن غفير بـ (المعتوه والكلب المسعور).
هنا نجد أمثال شيخ وملك الإخراج، كبير الاستنارة (محمد فاضل)، يؤكد من خلال مسيرته الفنية التي كتبها عنه الكاتب الشاب (يوسف الشريف)، ومنه تأكد لي يقينًا أن الفنان يدخل التاريخ حين يلتحف إبداعه بمواقفه في الحياة، يتأثر بها ويؤثر فيها بوعيه ومواقفه ووجهة نظره.
لحسن حظي أن أرسل لي المخرج الكبير كتابًا بعنوان (أن ترى الحياة وكأنها دراما من إخراج محمد فاضل)، للكاتب الشاب يوسف الشريف.
انتظرت ولم أستعجل القراءة إلا وأنا بجوار البحر في الساحل الشمالي، لأستمتع في هدوء مع مبدع أعرف عنه الكثير، وشاهدت كل أعماله في السينما والدراما التليفزيونية. وقررت أن أغوص باحثًا عن كينونة أحد عمالقة الإبداع، المخرج المتميز، المُسيَّس، العاشق لوطنه ومصريته.

أحد عباقرة الإخراج الواعي
أتابعه، فقد تعاملت معه في تصوير بعض أعماله، منها مسلسل (النوة)، وكيف كتب لنا جواب شكر وضعه مهندس الوحدة في برواز، مقدرًا لقيمة المديح من عملاق الإخراج الواعي، فقد كتب: (شكرًا، إنها وحدة النهار كتيبة الصاعقة).
أدرك الكاتب (يوسف الشريف) هذا المشوار الماتع لأحد عباقرة الإخراج الواعي والمدرك لأهمية الدراما وقيمة الكلمة.. نعم، نحن أمام تاريخ لمبدع مهموم بمن حوله، وكانت الأسرة التي حضر معها تعاريج الحروب وظروف المعيشة التي قدمت لنا مبدعًا امتد اهتمامه بالأسرة فاتسع وشمل الاهتمام بالوطن.
فلم يقدم عملًا منذ بدايته إلا وكان يحمل قيمة مضافة أو دعوة للولاء، والانتماء، أو تأكيدًا لمعتقد له، أو وجهة نظره، من خلال مخرج هو بذاته جزء من تاريخ مرحلة شهدت أحداثًا تصنع دراما يدركها ملك الدراما الواعية.
فحياته قدمها الكاتب وكأنها عمل درامي ثري، شهد جزءًا من تاريخ المحروسة، فتنوع شغفه من الإذاعة للمسرح والتليفزيون والسينما، فأصبح أحد أهم مخرجي الدراما المصرية، بل والعربية.
فكتب الشاب (يوسف الشريف) صورة حلقات ومشاهد بدلًا من سيرة ذاتية، فقدم لنا طفولته وشبابه، وكيف كان للمخرج الكبير (نور الدمرداش) دورًا مهمًا في بداياته.. إننا أمام مخرج مدرك لماهية الدراما وقدسيتها، وليست فقط للترفيه والسباق مع أحداث الترند، وتقديم العنف والبلطجة لمغازلة كتائب شباب التوكتوك والعشوائيات، وابتعد عن شقاوة الكادرات دون أي دلالات للصورة.
لقد ارتبطت أعماله بوعي بالناس ومشاكل الأسرة والمجتمع، وظهر ذلك منذ (القاهرة والناس)، وصولًا إلى آخر أعماله (الضاحك الباكي) لمحمد الغيطي، بل والقادم بإذن الله.
قدم الكاتب مشوار المخرج، معاركه، مواقفه، وكيف كان مشاركًا في اعتصام الفنانين سنة 1987 لتعديل قانون النقابات الفنية، علاقته بالممثلين، وكيف قدم نجومًا للوسط الفني، وكيف أدرك أن الحياة هي المادة الدرامية، ندرك منها مكنون الشخوص وخبايا الإنسان، وهو الضلع الأهم لمثلث المجتمع، فلا مثلث بدونه.
فكانت رؤى المبدع وتأثير ثقافته، ووضوح أفكاره ووجهة نظره في قيمة الحرية والعدالة الاجتماعية.. إنه موقف الفنان مما يدور حوله، وتلك من أهم صفات المخرج المهموم بوطنه، ونلاحظ ذلك في أعمال (أنطونيوني، آلن باركر، ديفيد لين، وفرانسيس فورد كوبولا، كريستوفر نولان، كلود ليلوش) في فرنسا.


عادل إمام في (أحلام الفتى الطائر)
أن يكون المخرج مستنيرًا، نجد سينما تساعد على إعمال العقل، أما سينما حلول الصدف، فهي تقدم فقط نوعًا من الترفيه الأجوف، إنما المخرج الواعي يسعى ألا يقدم عملًا منفصلًا عن الواقع، فدائمًا يقدم الصراع بين المال والقيم، والخير والشر.
قدم (محمد فاضل) عادل إمام في (أحلام الفتى الطائر)، ونور الشريف في (القاهرة والناس)، وسناء جميل في (الراية البيضا)، ونجوم (أبنائي الأعزاء، شكرًا)، ومحمود مرسي في (أبو العلا البشري) مع أسامة أنور عكاشة.
أعمالًا هي علامات في تاريخ الدراما المصرية مع كبار كتاب مصر: (وحيد حامد، وفتحي غانم، ويوسف إدريس، وصالح مرسي، وسكينة فؤاد، وعبد الحميد جودة السحار)، و(ناصر 56) مع محفوظ عبد الرحمن.. تلك أمثلة وليست حصرًا.
يقول (محمد فاضل): (لا يمكن كفنان أن أتجاهل كل المشاكل الموجودة في المجتمع، وأذهب لإخراج يحكي عن قصة حب تنتهي بزواج سعيد، لا يمكن تجاهل المشاكل الجذرية التي يغلي بها المجتمع، وأغلب المشاكل مترتبة على الأزمة الاقتصادية أو الصراع بين سيطرة المادة ومن يملكون المال على غير أساس أخلاقي، صراعهم مع القيم الأصيلة الحضارية التي كان يتميز بها المجتمع المصري في سنوات سابقة).
تلك وجهة نظر المبدع الكبير والمخرج المستنير، لعلها تصل لكل مبدع أو مخرج شاب أو فنان، ليدرك أننا نرحل جميعًا، ولا يبقى منا للأجيال القادمة غير أعمالنا واختياراتنا وما نتركه من فنون تعيش وتبقى، إن كانت تحمل قيمًا ومواقف، وتحمل وجهة نظر، حين تدرك قيمتها الأجيال، فتعيش وتخلد نجومًا يرحلون جسدًا، ولكنهم باقون بأعمالهم ومواقفهم.
ولنا عبرة في (سيد درويش، وأم كلثوم)، وعظماء تجليات الإبداع في كل مناحي الحياة.