(مكتوبلي أغنيلك).. رائعة هاني شحاته وفاروق الشرنوبي التى خلدها الزمن


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
لم يكتب الشاعر الكبير (هاني شحاتة) أغنية (مكتوبلي أغنيلك) ليزيد في ديوان الحماسة بيتاً، بل كتب على صحائف الروح رسالة عشقٍ وقّعها بصدق الحب، وختمها بنبض القلب.
كتب حالةً لا تُروى إلا همساً: شاعراً تاهت ملامحه في ملامح وطنه، فصار دمه مجرىً آخر للنيل، وشهيقه نشيداً لمصر، وزفيره دعاءً باسمها.. فغدا هو القصيدة التي تتمايل على شفاه الفجر، وغدت مصر اللحن الذي لا يهدأ في صدره.
(مكتوبلي أغنيلك) أغنية مبهجة من أولها إلى آخرها، لأنها لم تخرج من قلبٍ موجوع، بل من قلبٍ ذاب في محبوبته فوجد سعادته في القرب.. وسر هذه البهجة أن العاشق إذا فني في وطنه لم يذق إلا حلاوة الوصال، فالوجع لا يسكن إلا قلوب المبعدين، وأما من ذاب في تراب محبوبته فقد بلغ مقام الرضا، ومن ذاق الرضا غنّى كما تغني البلابل، لا كما تبكي الثكالى.
يفتتح الشاعر نص (مكتوبلي أغنيلك) بآيةٍ من آيات التوقير، فيرفع مصر إلى مقام القداسة ويهمس: (يا مصر، يا حافظة قرآنك وأناجيلك)، وهنا يقف القلم ويخشع اللسان، لأن الشاعر لا ينطق كلمةً، بل يفتح باباً من أبواب العشق. فلا يكتفي بأن يجعل من مصر وطناً مرسوماً على الخرائط، بل يرفعها إلى مقام الحاضنة الأمينة للأديان السماوية جميعاً، أمانةً محفوظةً ببركة الكتب، وحافظةً لقداستها.
(أناجيلك) لفظٌ واحد تشعبت محاوره، فصارت في صدر العاشق أربع مقامات: هى (قرآنك وأناجيلك) أمانةُ السماء التي استأمنتك سرّها فحفظتها، المحور الديني.. وهى (أدعيلك وأناجيلك).. مناجاةُ المحب في جوف الليل حين لا يسمعه إلا الله وأنتِ، المحور الروحي.

بين الوجد والشوق والفداء
وهي (أنا أجيلك) إذا نادى منادي الجهاد، نهض من سجود الدعاء إلى مقام الفداء، المحور الوطني.. وهى (أنا جيلك) الدم الذي لا ينقطع في عروقنا جيلاً بعد جيل، فتموت الأجساد ويبقى العهد، ويبقى من ذاق قربك حياً لا يموت، المحور الزمني.
جناسٌ تامٌ واحد يحمل كل العهد.. مبنىً لم يتغير، ومعانٍ أربع ترقص على أنفاس المحب بين الوجد والشوق والفداء والبقاء.
هكذا وقّع الشاعر وثيقة الوصال قبل أن يغنيها اللحن.. لم يكتب شعراً، بل كتب صلاةً في محراب الوطن، وختمها بقلبه ومداده الروحي.
وبعد أن يبرم العهد، يقف العاشق أمام معشوقته مذهولاً بهذا الاصطفاء الذي لا يُمنح إلا للقلوب الكبيرة، فيهتف: (مكتوبلي أغنيلك).. يا له من شرف!.. فما كل صوتٍ يليق به أن يكون منبراً لمديح مصر. إنها نفحةٌ من السماء، ووسامٌ يُعلّق على صدر من اختاره القدر ليكون لسان حال وطنه، وتاجٌ لا يضعه القدر إلا على قلبٍ أحب بصدق.
ثم يرقى من نشوة الغناء إلى دقة الصنعة، فيقول: (وأغزل مواويلك)، والغزل هنا ليس كلماتٍ تُلقى، بل خيوطٌ تُنسج على مهل، إبرةً إبرة، وحرفاً حرفاً.
كما تنسج الأم لولدها دفء الشتاء من حنانها.. فكأن العاشق يقول: لن أرميك بكلامٍ عابر أو قصيدةٍ مرتجلة، بل سأفصّل لك عشقي خيطاً خيطاً على مقاس روحك.
ويبلغ قمة الصدق حين يعترف العارفون بضعفهم أمامها: (وإن جفّ نبع الحب يرويه عسل نيلك).. اعتراف من لا يدّعي أن حبه ذاتيٌّ لا ينضب، بل يُقرّ بأن منبع العشق خارج عنه.. إنها مصر ونيلها الذي يجري عسلاً، فكلما فترت جذوة القلب وذبلت زهرة الشوق في صدره، جاء نيلك فأشعلها، وسكب عليها من عسله، فعادت تخضر، وعاد القلب يغني من جديد.
ويعود الشاعر إلى بدء التكوين ببراءة الطفل الذي لا يعرف للعشق بداية، فيهمس: (عشقك في مهدي ابتدى).. فهي ليست قضيةً طارئةً على وجدانه، ولا حباً جاء بعد وعي واختيار.. إنه عشقٌ سابقٌ على الفهم، مزروعٌ في الجينات، يورثه الدم جيلاً بعد جيل، وينبض مع أول نبضة قلب.
ويكشف بعفويةٍ حالمةٍ عن أول درس تلقته روحه قبل أن يتعلم الحروف، حين يهمس: (علمني أول ندا يا غالية أدعيلك).. فأول عهد قطعه على نفسه كان في باحة المدرسة، حين صعد العلم ببطء ومهابة، وصدحت الحناجر ببراءة صادقة: (تحيا مصر).. هناك سبق المبنى المعنى، فخرجت (تحيا) من قلب طفل قبل أن يستبين حروفها، فكان الدعاء لمصر بالبقاء أول ما تشرّبه من طابور الصباح.

عروسٌ تسرق الألباب
أو لعل أول نداء كان سماوياً عذباً: تارةً أذاناً يوقظ الروح من مرقد الغفلة، وتارةً جرس كنيسة يقرع الأسماع بأن المحبة قامت قبل بزوغ الفجر.. كلاهما ناجاه باسمك، وكلاهما لقّنه أنكِ مهبط الطمأنينة التي بشّرت بها السماء: (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين).. فصار الدعاء لكِ وِرداً لا ينقطع، وذكراً لا يهدأ، وحنيناً لا يشيخ.
ويرسم الشاعر لوحته الفاتنة للمعشوقة، فيهمس بحنينٍ لا يشيخ: (يا اللي الدهب شعرك مفرود على ضهرك).. فمصر عنده عروسٌ تسرق الألباب، وشعرها المسدول من أسوان حتى الإسكندرية قصيدةٌ من حرير الشمس.
خصلاتٌ تتهادى كجدائل النيل إذا نام على ضفافه القمر، ولمعةٌ تشبه سنابل القمح حين تهمس لها الريح بسر الحصاد، وبريقٌ ذهبيٌّ كذرات الرمل التي قبّلتها أقدام الشهداء قبل أن ترويها دماؤهم حباً.
ثم يعلن قانون العاشقين الذي لا يُكتب بالحبر بل بالدم: (لو امتلك مهرك هيقيّدلي قنديلك).. فمهر الأوطان ليس ذهباً يُصاغ، ولا فضةً تُكنز. مهرها نبضٌ يُوهب، وعمرٌ يُفدى. ومن استطاع أن يدفع هذا المهر، استحق أن يُكتب اسمه في سجل الخلود بحروفٍ من نور.
ومصر.. أم الدنيا، وأم النور، لا تنسى من أحبها بصدق. تنتقي أسماء أبناءها البررة فتعلّقها في محاريب التاريخ سُرُجاً مضاءة، تتراقص لهبها شوقاً كما تتراقص قناديل المساجد والكنائس عند السَّحر، نوراً لا تعرفه العتمة، ووهجاً لا يطفئه غياب.
ويختم المنشد ابتهاله بهتافٍ يهز الجدران: (يا صابحة متعطرة)!.. أي يا منتصرةً يا متحررة، لأن الصباح في وجدان المصري ليس فجراً.. هو صيحة النصر الأولى، والعطر أريج الحرية حين تشتعل في الميادين.. (من حلفا للقنطرة) كل شبرٍ فيكِ ساحة معركةٍ انتصر فيها الحق، وكل ذرة ترابٍ شهدت على قسم التحرر.
ثم يرمي بآخر قسطٍ من مهره في وجه التاريخ: (أنا اللي دمعي اشترى أغلى مناديلك)!.. والدمع هنا ليس دمع الضعف.. إنه دمع الكفاح الذي يذيب القيود، وعرق الجبهة الذي يروي المجد، وتضحية الفارس الذي لا يعرف الانحناء.
تلك هى عملتنا الوطنية، لا تُقاس بالذهب بل بالنار.. وأما (أغلى مناديلك) فهي أعلامك المرفوعة تخفق كالبرق فوق الهامات، كأنه يصرخ: دفعت روحي ثمناً، فنلت الشرف الأعظم.. أن أمسح بيدي دمعة وطني بسيفٍ من نور، وأن أرفع رايتكِ عاليةً تتحدى الريح والزمن!

نقلةً في تاريخ الأغنية الوطنية
لقد صنعت (مكتوبلي أغنيلك) نقلةً فارقةً في تاريخ الأغنية الوطنية.. نقلتها من ساحة الشعارات وحماسة اللحظة، إلى ساحة العهد الوجداني الخالد.. فالشاعر (هاني شحاتة) لم يمدح وطناً، بل عشق كياناً يسكن الروح.. لم يصف حدوداً على الخريطة، بل وصف معشوقةً تمتد من القلب إلى القلب.. ولم يهتف لعلمٍ يرفرف، بل دفع عمره مهراً ليستحق شرف الرفع.
حوّل العلاقة بين المواطن وأرضه من انتماءٍ باردٍ يُقال، إلى عشقٍ مشتعلٍ يُعاش، قائم على الوعد والتضحية والخلود.. إن موهبته هنا ليست موهبة ناظم كلمات، بل موهبة كاتب ميثاق بين جيلٍ وترابه، بين نبضٍ ونيله، بين مصريٍ ومصريته. ولذلك جاءت الأغنية بهجةً خالصة، لأنها خرجت من قلبٍ ذائبٍ في محبوبه، ومن ذاب في محبوبه نال السعادة الأبدية.
ويزيد هذا الميثاق جلالاً لحن (فاروق الشرنوبي) المعجز.. لحنٌ بسيطٌ في ظاهره، عظيمٌ في أثره، لأنه عزف على وتر العاطفة الصافية.. أبى أن تنجذب أذنه لصخب الأغاني الوطنية التقليدية، فصاغ لحناً يهمس قبل أن يصدح، يحمل المعنى على أجنحة الحب لا على طبول الهتاف.. بساطته سر عظمته.
وتكتمل الصورة باختيار إيمان البحر درويش الواعي لهذا العمل.. بصوته الدافئ لم يغنِ فقط، بل تلا صلاة العشق، فحمل الكلمات من الورق إلى القلوب.
ولهذا أقولها بيقين: (هاني شحاتة) ليس شاعراً فحسب.. إنه قديس.. لم يكتب أغنية تُردّد، بل كتب ترنيمة تُصلّى.. ترنيمة عشقٍ للأرض المقدسة التي تجلّى عليها الله، وتجلّى ببهائها في قلب (هاني شحاتة)، فخطّ من نوره نشيداً لا يموت.