
بقلم الناقدة الدكتورة: سامية حبيب
مناسبات الخطوبة وعقد القران والزفاف يطلق عليها في مجتمعات كثيرة عدة مسميات، عرس، حفل، خطبة مثلا، أما نحن كمصريين فلها اسم واحد (الفرح).. نقول للبنات الصغار امتى نفرح بك، ونقول للشباب (عقبال فرحك) ونتمنى للأباء والأمهات اجمل الأماني عندما نقول لهم (يارب تفرح بأولادك) وتلك أجمل أمنية يحب الأباء سماعها .
لهذه المناسبة عرف الغناء المصري الكثير من الأغنيات لكبار المطربين والمطربات واذيعت عبر الإذاعة أو جاءت في احداث أفلام أم تمثيليات عن (الفرح)، هذا غير الأغنيات المحلية التي تتردد في القرى والمدن في كل أرض مصر من الناس العادية ونطلق عليها اغنيات او مووايل شعبية وهذا موضوع مقال اخر .
من صغرنا سمعنا أغنيات ترددت في أفراح كل الناس بلا أي تفرقة وصارت من علامات (الفرح) عبر عشرات السنين، مثل (دوقوا المزاهر) لفريد، نورك ياست الكل نور حيينا لأم كلثوم، ياولاد بلدنا يوم الخميس لمحمد فوزي، مبروك عليك يا معجباني ياغالي لشريفة فاضل ويادبلة الخطوبة لشادية ويانجف بنور ياسيدي العرسان لعبد العزيز محمود وغيرها كثير.
وربما كانت الاغنيتين الأخيرتين عن (الفرح) الأفضل حظا في الاستمرار حتى الآن لقيام بعض المغنيين بأدائها ، بتوزيع مختلف وأداء مختلف جدا عن شادية وعبد العزيز محمود ويؤدونها في الافراح والمؤكد ان من يرددها اليوم لايعرف صاحبا الاغنيتين الأصليين.

لم تعد الأفراح مثل زمان
السؤال الان ماذا حدث للأفراح في مصر؟، ماذا يغنى الان وهل هناك أغنيات خاصة بالأفراح مثل زمان؟
أخشى أن الإجابة لا طويلة شوية، فمثلما لم تعد الأفراح مثل زمان يوم الخميس لأن يعقبه الجمعة (اجازة فنسهر ونفرح براحتنا) أصبحت أي يوم في الأسبوع حسب مواعيد القاعة، لأن البيت أو سطح البيت لم يعد مكان (الفرح).
هذا التغير في الزمان والمكان صاحبه تغير في شكل الاحتفال واغنياته.. ففي فرحي كانت بعض تلك الأغنيات ودخل عليها الأحدث والمتردد حينها وأشهرها اغنية إيمان البحر درويش (ضميني وانسي الدنيا)، و(ميال ميال) لعمرو دياب.
وكما هو واضح فتلك لم تكن أغنيات خاصة بمناسبات الزواج إطلاقا، إنما أغنيات عاطفية عن الحب والهيام بالحبيب.. ثم احتلت تلك الاغنيات ومثيلاتها الأفراح وانحسرت تماما الأغنية الخاصة بالأفراح، فلم تعد تتردد لغياب من يعرفها ربما كان جيلي آخرها بعض جيلي فليس الجميع يعرفها.
ولكنا نجدها في الأفلام القديمة مثل أغنية الزفة التي ترقص عليها الراقصة في فيلم (آه من حواء ) بصوت شريفة فاضل أو في فيلم (أم العروسة) في فرح أحلام.
لماذا لايقدم من يغنون حاليا أغنيات خاصة للأفراح؟!
ربما كانت الإجابة في تغيرشكل (الفرح) فلم نعد هناك كوشة يجلس بها العروسين يحيط بهما الورد والاضواء ولم يعد ضيوف الفرح (المعازيم) من الأهل والمعارف يجلسون إلى موائد ويشربون الشربات ويأكلون الملبس والشوكولاته.
بل أصبحت الأفراح (على الواقف) بالمعنى الحرفي للكلمة من أول العروسين لأصدقائهما لكل الأهل، من يجلسون فقط هم العواجيز وكبار السن.. وبالتالي فكل الواقفين يرقصون بمافيهم العروسين طوال الفرح مهما كانت مدة الفرح ومهما بلغ حد الأرهاق والتعب ومايتبعهم من مخاطر، ومؤخرا قرأءنا عن حالات وفاة بسبب ذلك.
وبذا انتهت ضرورة الأغنية التي تصف جمال العروس وحظ العريس وجمال الأهل وامنيات السعادة والهنا وغيرها، كما انتهى وجود الراقصة في الأفراح، وهذا كان من جماليات وضرورت الفرح زمان، وتألقت أسماء مثل نجوى فؤاد وسهير ذكى وزيزي مصطفى وناهد صبري ثم بعدهم بسنوات هالة الصافي وسهير مجدي وغيرهن.
وتحول جميع من في (الفرح) لراقصين بما فيهم العروسين.. وربما كانت هناك نظرة دونية لمن يغني في الأفراح، ولست أدري من أين جاءت هذه النظرة فمن أراد أن يهاجم (شيرين) المطربة الفذة كان يصفها أنها مطربة أفراح!
حين أحضر فرح يقول خاطري وأنا اتابع الحفل (طيب ارقصوا على مزيكا حلوة أو غنيات لها معنى الفرح)، فالملاحظ أن أي أغنية بها طبلة وشوية آلات موسيقية تصدر نغمات تتيح الرقص تقدم في الافراح.


أغنيات عدوية وكتكوت الأمير
منذ ظهرت أغنيات عدوية وكتكوت الأمير ثم وصلنا للمهرجانات كتطور طبيعي، أصبحنا في واقع صاخب مثل الموسيقى – إن صح اطلاق الوصف – على الخبط والرزع الذي يصاحب كلمات فاقدة للمعنى وأصوات لاتصلح للغناء أصلا، ولاتعرف قواعده وأذان غائبة عن التمييز وسط كل هذا الصخب والعشوائية التي تشوب الأفراح الآن!
وفي حقيقة الأمر فإن أغلب هذه الملاحظات التي يمكننا إدرجها تحت أسباب اقتصادية أوثقافية أواجتماعية تقف عاجزة في ذهني، عندما احضر فرح يضم شباب وشابات على أعلى مستوى من التعليم واللغات ويعملون فى مهن ومجالات علمية، ولكنهم يمارسون كل هذا وبمتعة بالغة لاتتناسب مع علمهم وثقافتهم، مما يحيل إلى البحث عن أسباب ذلك هل سيطرة الجهل والاستسهال!
هل سيطرة فكرالاستهلاك في كل شيء (خلص وهات غيره)، أم هل غياب الموسيقى والكلمة الحلوة أم سيطرة العشوائية على الفن والثقافة أم ضعف المواهب أو ماذا؟.. فهل هذا انفصال ثقافي أم انعدام الذوق الفني أم طغيان للعشوائية الفنية، أم انتهاء فهمنا لمعنى (الفرح)؟!