(عمر خيرت) يكشف سر مكالمة فاتن حمامة التي غيّرت حياته الفنية

كتبت: صبا أحمد
في حياة كل فنان لحظة فاصلة تغيّر مسار رحلته بالكامل.. لحظة قد تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها تتحول مع الزمن إلى نقطة الانطلاق الحقيقية.. بالنسبة للموسيقار الكبير (عمر خيرت)، لم تكن تلك اللحظة حفلاً جماهيريًا أو جائزة كبرى، بل كانت مكالمة هاتفية من سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، فتحت أمامه بابًا جديدًا لم يكن يتخيل أنه سيقوده إلى أن يصبح أحد أهم مؤلفي الموسيقى التصويرية في العالم العربي.
وخلال لقائه مع الإعلامية منى الشاذلي في برنامج (معكم)المذاع عبر شاشة ON، عاد عمر خيرت بذاكرته إلى تلك الأيام الأولى، مسترجعًا تفاصيل البداية التي جاءت بمحض الصدفة.
ففي أحد اللقاءات، كانت فاتن حمامة تستمع إلى عزفه وارتجالاته الموسيقية، إذ جمعتهما معرفة عائلية بحكم صداقته لزوج ابنتها. وبينما كانت تنصت إلى ما يقدمه، أبدت إعجابها الشديد بموسيقاه، وتساءلت باستغراب عن سبب عدم انتشار هذه الأعمال ووصولها إلى الجمهور بالشكل الذي تستحقه.
لم تمض سوى ثلاثة أيام حتى تلقى عمر خيرت اتصالًا لم يكن يتوقعه. على الطرف الآخر كانت فاتن حمامة، تحمل له عرضًا سيغيّر مستقبله الفني، إذ طلبت منه أن يضع الموسيقى لعمل إذاعي بعنوان (قطرات الندى)، وهو برنامج كانت تقدم خلاله قصائد شعرية بصوتها.
لم يكن يدرك وقتها أن تلك الخطوة ستكون البداية فقط، وأن الأبواب التي فتحتها له فاتن حمامة لم تُغلق بعدها أبدًا.
ومع عودتها إلى السينما بعد فترة من الابتعاد، من خلال فيلم (ليلة القبض على فاطمة)، اتخذت قرارًا جديدًا حمل الكثير من الجرأة والثقة، إذ اختارت عمر خيرت ليؤلف الموسيقى التصويرية للفيلم، رغم أنه لم يسبق له خوض هذه التجربة.
يتذكر خيرت تلك اللحظة بابتسامة ممزوجة بالامتنان، قائلاً: (كان من الأيام اللي منمتش فيها من السعادة)، إذ وجد نفسه أمام مسؤولية ضخمة، تبدأ من الصفر تمامًا، وتتطلب منه أن يصنع عالمًا موسيقيًا يوازي قيمة الفيلم وقامة بطلته.

صوت آلة السمسمية
لكن خيرت لم يتعامل مع المهمة باعتبارها مجرد ألحان تُكتب داخل غرفة مغلقة، بل قرر أن يعيش تفاصيل العمل بكل جوارحه.. كان يذهب بنفسه إلى مواقع التصوير، يراقب الممثلين، ويتأمل الأماكن، ويحاول أن يسمع أصوات البيئة قبل أن يكتب نغماته.
وخلال التصوير في مدينة بورسعيد، لفت انتباهه صوت آلة السمسمية، تلك الآلة الشعبية التي تحمل روح المدينة وتاريخها. لم يتعامل معها كعنصر فولكلوري عابر، بل وجد فيها المفتاح الذي كان يبحث عنه، فاستلهم منها الإيقاع الأساسي الذي بنى عليه التيمة الموسيقية لفيلم “ليلة القبض على فاطمة”، والتي أصبحت لاحقًا واحدة من أشهر المقطوعات في تاريخ الموسيقى التصويرية العربية.
وجاء النجاح ليتجاوز حدود الفيلم نفسه، إذ لم تعد الموسيقى مجرد خلفية للأحداث، بل أصبحت عملًا فنيًا مستقلًا، حين طُرحت في أول شريط كاسيت لموسيقى تصويرية لفيلم عربي يُباع منفردًا في الأسواق، ويقبل الجمهور على شرائه للاستماع إليه بعيدًا عن شاشة السينما، في سابقة صنعت تاريخًا جديدًا للموسيقى التصويرية.
ويرى عمر خيرت أن تلك التجربة كانت نقطة التحول الكبرى في حياته الفنية، فمن خلالها انطلق إلى سلسلة طويلة من الأعمال التي أصبحت جزءًا من وجدان الجمهور العربي، مؤكدًا أن الثقة التي منحته إياها فاتن حمامة لم تكن مجرد فرصة للعمل، بل كانت شهادة إيمان بموهبته في وقت كان لا يزال يبحث فيه عن مكانه الحقيقي.