


بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
القضية ليست فيلماً عن (الست) أم كلثوم، وإنما فيمن تصدى لتقديم سيرتها وهو غير مؤهل لذلك.. أم كلثوم قيمة فنية ووطنية عظيمة؛ سيرتها ومشروعها أمانة ثقافية لا تحتمل اجتهاد مؤلف أو هوى مخرج أو مزاج منتج.. غير أن ما حدث في (الست) أن من تصدى للمشروع لم يقف على الأرضية ذاتها التي وقفت عليها؛ هم نقيض لها في الرؤية والغاية.
هى آمنت بالارتقاء فاختارت أن تبني الذوق، وهم آمنوا بالترفيه فاختاروا أن يستهلكوه.. هي راهنت على ما يسمو بالعقل والروح معاً، وهم راهنوا على ما يبهر العين لحظة.
فبدلاً من أن يبرزوا مواطن العظمة في مشروع (الست)، جعلوا من سيرتها شهادة مزورة لتمرير مشروعهم.. وهنا وقعت المغالطة: سوّوا بين من يبني الذائقة ومن يستهلكها، وبين من يخلد ومن يزول.. فخرج الفيلم برسالة مضمرة تقول: لا فرق بين العظمة والرداءة، ما دام كلاهما يحقق نجاحاً جماهيرياً.
ولا يتوقف التباين بين أم كلثوم وصناع فيلم (الست) عند الرؤية، بل يمتد إلى المرجعية الثقافية. فأم كلثوم ابنة ثقافة شرقية أصيلة، عبرت عنها بغناء القصائد وحرصها على اللغة العربية الفصيحة في زمن انتشرت فيه الأمية.. اختارت أن تُسمع الناس الأجود، لا الأكثر انتشاراً.
أما صناع الفيلم فأبناء ثقافة غربية دخيلة، مقلدون لسينما أمريكية دأبها التقليل من المشاهير حتى التحقير. وتحت مسمى (الأنسنة) اختاروا من سيرتها العظيمة أن يبرزوا تدخينها وصراعها على منصب نقيب الموسيقيين.. وتجاهلوا الحقيقة الأهم: أم كلثوم ما أشعلت إلا حماس جمهور يسمع ويطرب ويسمو.

فيلم (الست).. وتصغير الرمز
ولم تخض معركة مع عبد الوهاب من أجل منصب، كما زعموا، بل تنافست معه على خدمة الموسيقيين؛ من أجل الارتقاء بالفن، ورفع سقف الذوق العام، وصناعة أذن تميز بين الغناء والضجيج.. فاختار صناع فيلم (الست) تصغير الرمز، بينما اختارت أم كلثوم تعظيم الفن.
وللتوضيح، إليك مثالاً كاشفاً: عندما انفتح الرئيس السادات على الأمريكان، سمح لفاروق إبراهيم، مصور (أخبار اليوم)، أن يلتقط له صورة في الحمام بملابسه الداخلية وهو يحلق ذقنه.. كان الهدف: تقريب الزعيم من الناس بإظهار بشريته العادية.
حركة أمريكية بامتياز؛ غير أن المصريين استهجنوا الصورة.. لأنهم لا يحتاجون إثباتاً أن زعيمهم بشر؛ فهم يتعبدون بتلاوة: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾.. نحن نعرف ذلك، ولكننا نختار أن نحتفي بالجزء الخالد لا العابر من حياة عظمائنا.
غير أن صناع (الست) أصروا على ارتكاب الغلطة نفسها مع أم كلثوم، فقدموها بشعر منكوش وهيئة غريبة وسيجارة في يدها، زاعمين أنهم بذلك (يقربونها للناس).
فكما أساءت الأنسنة للسادات، أساءت لأم كلثوم.. غير أن محبي الرئيس السادات دفنوا الغلطة، وهؤلاء عرضوها على الشاشة وسموها إبداعاً.
والفرق بين (الست) وفيلم (الست) هو الفرق بين زمن كان الفن فيه رسالة، وزمن صار فيه الفن سلعة تُحاسب على موقفها.. في الزمن الأول غنت (الست): (أصبح عندي الآن بندقية، إلى فلسطين خذوني معكم)، وتبرعت بإيراد حفلاتها كاملاً للمجهود الحربي.. وفي زمن الترفيه عوقب الفنان محمد سلام لأنه تضامن مع غزة؛ فصار الفنان أجيراً بعد أن كان رسولاً.
ولذلك كان الحكم حتمياً: محالٌ على من يرى الفن سلعة أن يفهم من رأت فيه رسالة، ومحالٌ على من يعاقب الكلمة أن يفهم من خلدت بالكلمة، ومحالٌ على أبناء عصر بلا ملامح أن يرسموا ملامح من صنعت للعصر ملامحه.
هم فتشوا في الظلام عن أم كلثوم الإنسانة، فعموا عن الشمس التي أضاءت قرناً كاملاً.