محمد الروبي يكتب: (هاني شنودة).. الموسيقار الذي جعل المستقبل مصريًا



بقلم الكاتب والناقد: محمد الروبي
كلما سمعت أغنية (أنا باعشق البحر من ألحان (هاني شنودة) وغناء (نجاة)، أشعر أن الأغنية تخصني وحدي:
زيك يا حبيبى حنون
وساعات زيك مجنون
ومهاجر و مسافر
وساعات زيك حيران
وساعات زيك زعلان
وساعات مليان بالصبر..
أعرف طبعًا أن الأغنية لا تخصني.. وأعرف أن (نجاة) لم تكن تغني لي، وأن وراء الكلمات شاعرًا، ووراء اللحن موسيقارًا مثل (هاني شنودة)، وأن ملايين العشاق سمعوا الأغنية قبلي وبعدي.. ومع ذلك، في كل مرة أسمعها، أشعر أن امرأة ما تناجيني أنا.. كأنها تعرف شيئًا عني لا يعرفه سواها، وهذه واحدة من عجائب الموسيقى.
أن تكون الأغنية ملك الجميع، ثم تتحول، لحظة سماعها، إلى سر شخصي بينك وبينها.. كانت تلك هي الفكرة التي سيطرت على ذهني فور قراءتي خبر رحيل (هاني شنودة).. احساس بأن شيء منك رحل ؛ شيء اكبر من مجرد حزن على قامة وقيمة.
ربما كان دافعا لاستعادة علاقتك بهذا المبدع الذي لم يكن مجرد صانع ألحان ناجحة، ولا مجرد موزع موسيقي أدخل آلات جديدة إلى الأغنية المصرية، وإنما كان واحدًا من أولئك الفنانين الذين يغيرون علاقتنا بما نسمع، ثم يتركوننا بعد ذلك نتساءل: كيف كنا نسمع الموسيقى قبلهم؟
كان (هاني شنودة) ينتصر للموسيقى.. ربما تختصر هذه الجملة تجربته كلها، فقد كان يؤمن بأن الموسيقى ليست تابعًا للكلمات، ولا مجرد إطار يحيط بصوت المطرب.. كانت كيانًا قائمًا بذاته، قادرًا على أن يقول ما لا تستطيع الكلمات قوله، ولذلك لم يكن غريبًا أن يهتم بالمقطوعات الموسيقية الخالصة، وأن يتعامل مع الموسيقى باعتبارها لغة مستقلة، لا تحتاج دائمًا إلى كلمات كي تبرر وجودها.


اختار (هاني شنودة) طريقًا ثالثًا
لكن انتصاره للموسيقى لم يكن ابتعادًا عن الناس،على العكس كان يعرف أن التجديد الحقيقي لا يحدث حين يدير الفنان ظهره إلى جمهوره، وإنما حين يأخذ الجمهور معه إلى منطقة لم يذهب إليها من قبل.
كان العالم يتغير، وكانت الموسيقى الغربية تصل إلى آذان الأجيال الجديدة، وكانت الآلات الحديثة تفرض حضورها.. وكان أمام الموسيقار المصري طريقان سهلان: أن يرفض كل ما يأتي من الخارج باسم الأصالة، أو أن يقلده باسم الحداثة.
اختار (هاني شنودة) طريقًا ثالثًا، أن يأخذ الجديد، ويجعله مصريًا.. حيث كان من أوائل من أدخلوا الدرامز والإلكتريك جيتار إلى الأغنية الشعبية، في تعاونه مع أحمد عدوية.. لم تكن المسألة مجرد إضافة آلات جديدة إلى التوزيع، وإنما كانت تغييرًا في طبيعة الصوت المصري نفسه.
فالجيتار الكهربائي، والدرامز، والآلات الحديثة لم تدخل موسيقاه بوصفها ضيوفًا أجانب، وإنما دخلت لتتكلم بلهجة مصرية، وهنا، في ظني، تكمن إحدى أهم أفكار هاني شنودة: الأصالة ليست في الآلة، وإنما في الروح التي تستخدم الآلة.
ثم جاءت تجربة (فرقة المصريين) ولم تكن مجرد فرقة غنائية حققت نجاحًا جماهيريًا. كانت، في جانب منها، مشروعًا كاملًا.. فرقة تغني باللغة العربية المصرية، لكنها تستخدم موسيقى تواكب ما كان يحدث في العالم.. كلمات قريبة من الناس، وألحان مختلفة، وتوزيعات جديدة، وطاقة تنتمي إلى زمنها.
كان (هاني شنودة) يقول، من خلال الفرقة، إن المصري يستطيع أن يكون حديثًا من دون أن يتحدث بلسان غيره، وهذه ربما واحدة من أهم أفكاره: أن الحداثة ليست أن تصبح شيئًا آخر، وإنما أن تكون نفسك بطريقة جديدة.
لم يكن (هاني شنودة) موسيقارًا جادًا بالمعنى الثقيل للكلمة. كان يعرف أن الموسيقى يمكن أن تضحك أيضًا.
يكفي أن نستمع إلى (ماتحسبوش يا بنات إن الجواز راحة)، حتى نكتشف ذلك الوجه المرح في تجربته.. أغنية فيها خفة ظل واضحة، وفيها لعب موسيقي يوازي لعب الكلمات، وكأن هاني شنودة لا يؤلف لحنًا فحسب، وإنما يشارك في صناعة الموقف الكوميدي نفسه.
كان يعرف أن الضحك يحتاج، مثل الحزن تمامًا، إلى موسيقى تعرف كيف تقترب منه، ولذلك لم تكن خفة الأغنية عنده تعني فقرها.. بالعكس، كان قادرًا على أن يجعل الأغنية المرحة ممتعة موسيقيًا، وأن يمنحها شخصية خاصة، وأن يجعلنا نبتسم من الفكرة، ونستمتع في الوقت نفسه بما يحدث داخل اللحن والتوزيع.


موسيقاه ساخرة ومرحة
وهذا وجه آخر من وجوه (هاني شنودة).. فالموسيقى عنده لم تكن تسير في طريق واحد.. كان يمكن أن تكون حالمة ورومانسية، وأن تكون تجريبية، وأن تكون سينمائية، وأن تكون ساخرة ومرحة.
كان يعرف أن الحياة نفسها ليست نغمة واحدة، وأن الموسيقار الذي يريد أن يقترب من الناس لا بد أن يعرف كيف يرافقهم في أحزانهم، كما يرافقهم في ضحكاتهم.. وربما لهذا السبب ظلت موسيقاه قريبة.
لم يكن يتعامل مع الجمهور من برج عالٍ، ولم يكن يرى أن الموسيقى الجادة لا بد أن تكون عابسة.. كان يعرف أن التجديد يمكن أن يرقص أيضًا.. ولذلك لم يتوقف مشروعه عند الموسيقى التي يصنعها بنفسه.
كان لديه إيمان بأن تجديد الحياة الفنية لا يمكن أن يحدث من دون اكتشاف المواهب.. كان من الذين قدموا محمد منير، وأسهم في بدايات عمرو دياب، وفتح الطريق أمام أصوات أخرى.. وهنا يظهر هاني شنودة في صورة مختلفة.
فالفنان الكبير لا يقاس فقط بما يتركه من أعمال، وإنما أيضًا بما يتركه من أشخاص.
كم من صوت كان يمكن أن يتأخر ظهوره لولا أن موسيقارًا ما سمعه في اللحظة المناسبة؟.. وكم من موهبة كانت يمكن أن تظل في الظل لولا أن يدًا امتدت إليها؟
كان (هاني شنودة) يعرف أن الفنان لا يعيش فقط في أعماله، وإنما قد يعيش أيضًا في الذين ساعدهم على أن يجدوا طريقهم.. ثم ذهب إلى السينما.
وهناك واصل مشروعه نفسه: أن يجعل الموسيقى شريكًا للصورة، لا مجرد خلفية لها، من (لا عزاء للسيدات) إلى (المشبوه)، ومن أعماله مع عادل إمام إلى عشرات الأفلام الأخرى، ظل يتعامل مع الموسيقى باعتبارها جزءًا من الدراما.. صوتًا آخر يعلق على الأحداث، أو يكشف ما لا تقوله الشخصيات، أو يمنح الصورة معناها الخفي.. وكان يقول إن مصر كرمته طوال الوقت.
كرمته حين اختارته (فاتن حمامة) ليؤلف موسيقى (لا عزاء للسيدات)، وكرمته حين أصبح أول مؤلف موسيقي لفيلم ينتقل فيه عادل إمام من الكوميديا إلى الحركة في (المشبوه) وكرمته حين كانت شرائط “فرقة المصريين” تختفي من الأسواق في أقل من 24 ساعة.


أنا صناعة مصرية
لهاني شنودة جملة أحبها كثيرًا: (أنا صناعة مصرية).. ليست الجملة مجرد اعتزاز بالوطن. فيها معنى أعمق.. فالفنان لا يصنع نفسه وحده. هناك مدينة، وشارع، وذاكرة، وأصوات سمعها في طفولته، وأغانٍ سبقت تجربته، وجمهور منحه أذنه وثقته.. كل ذلك يدخل في تكوين الفنان، حتى حين يبدو أنه يقف وحده أمام العالم.
كان (هاني شنودة) حقاً كما، قاله هو عن نفسه: (صناعة مصرية).. لكنه لم يكن نسخة من مصر التي سبقته.. وهنا تكمن قيمته.. لقد أخذ من مصر روحها، ثم أعاد إليها شيئًا جديدًا.. وربما لهذا السبب ظل يبدو دائمًا كأنه ينتمي إلى المستقبل.
فكثير من التجديد لا ندرك قيمته في لحظته.. نحتاج أحيانًا إلى أن يمر الزمن كي نكتشف أن الفنان الذي كنا نراه مختلفًا، كان في الحقيقة يرى أبعد منا.
كان هاني شنودة يرى أبعد.. كان يعرف أن الموسيقى المصرية لا يمكن أن تعيش بتكرار نفسها، لكنه كان يعرف أيضًا أن التجديد ليس خيانة للهوية.
كان يريد أن يجعل العالم يدخل إلى الموسيقى المصرية، من دون أن يخرج المصري منها.. وهذا، في النهاية، هو معنى أن تكون حديثًا.. أن تعرف العالم كله، ثم تظل قادرًا على أن تقول: (أنا صناعة مصرية).