


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
أقوى ما لفت نظري في مسلسل (ضمير مستتر) أنه تمتع بالجرأة في التناول لقضايا الفساد في المجتمع الكويتي التي تحظى باهتمام بالغ على المستويين السياسي والشعبي، وتعد من الملفات الأبرز التي تشكل ملامح المشهد العام.. يمتد هذا الملف بين كشف شبهات وتجاوزات مالية وإدارية كبرى في قطاعات حيوية، وبين جهود تشريعية ومؤسسية مكثفة تبذلها الدولة لمحاصرة هذه الظاهرة وتجفيف منابعها من الجذور.
لامس مسلسل (ضمير مستتر) عتبة العمل السياسي، وتحديدا من خلال الجرأة في تناول شخصية نائبة البرلمان، فإنه ينقل الصراع السايكولوجي من دائرته الأسرية الضيقة إلى فضاء الرقابة المجتمعية والمساءلة الأخلاقية الكبرى وكأنه يرسخ لمواجهة الفساد مهما كانت أرضه.
ويحسب لصناع (ضمير مستتر) أن الجرأة هنا لم تكن مجرد (فرقعة درامية)، أو رغبة في الإثارة، بل جاءت كأداة تفكيكية تكشف كيف يمكن للحصانة البرلمانية والتمثيل الشعبي أن يتحولا إلى غطاء مثالي لـ (الضمير المستتر) والفساد المبطن الذي ظل محور الأحداث حتى النهاية.
في عشر حلقات فقط حاول مسلسل (ضمير مستتر) الغوص في المساحات الرمادية للنفس البشرية، مراهنا على صراع الدوافع والخطايا المتخفية خلف أقنعة المثالية، وذلك في محاولة من صناعه أن يصبح واحدا من الأعمال التي تفرض نفسها على طاولة النقد التحليلي، خاصة وأنه يتقاطع مع تيمات سايكولوجية وأخلاقية شائكة من جانب شخصيات واقعية داخل المجتمع الكويتي.


أزمة بطئ الإيقاع
لكنه على قلة عدد حلقاته وقع في أزمة بطئ الإيقاع، فقد انطلق (ضمير مستتر) من فرضية درامية قوية وجاذبة حول مفهوم (الضمير الغائب) أو المتخفي والتحولات الأخلاقية الحادة)، ومن ثم عانى النص في ثلثه الثاني من داء (المط والتطويل)، حيث تكررت بعض المواقف والأزمات دون دفع الحدث الرئيسي للأمام، وكأن العمل كان يكفيه عدد حلقات أقل ليكثف شحنته الدرامية، وهذا عيب قاتل واجهه المسلسل.
على مستوى المنطق والحبكة، غزل الكاتب خيوط الغموض الأولى بذكاء، إلا أن التبريرات الدرامية لبعض التحولات المفاجئة في سلوك الشخصيات جاءت تفتقر إلى (التراكم النفسي) الذي يمكن أن يقنع المشاهد، فهناك بعض المصادفات التي تم استخدامها كأدوات سهلة لفك العقد الدرامية، مما أضعف من تماسك النص ومنطقيته الصارمة في سياق الأحداث.
حين ننظر إلى البطل التراجيدي في إطار (صراع الأقنعة)، نجد أن الشخصية الرئيسية كتبت بأبعاد سايكولوجية واعدة؛ شخصية تعيش انفصاما بين ما تبدو عليه وما تخفيه.. ولعل الأداء التمثيلي كان واعيا بـ (ميكانيزمات الدفاع) النفسي للشخصية، حيث نجحت (سحر حسين) أو (انتصار المنتهض) في التنقل بين نظرات الانكسار الداخلي والصلابة المزيفة من خلال أداء يتسم بالحرفية.
ومع ذلك، حرمت الشخصية الرئيسية في (ضمير مستتر) في بعض المشاهد المواجهة من حوار يترجم هذا العمق، واستعيض عنه بـ (مونولوجات) تقليدية لا تعبر بالضرورة عن الأحداث العاصفة التي واجهتها.
ويبقى أفضل ما في النص هو تجسيد علاقات الاعتمادية المرضية والابتزاز العاطفي بين الشخصيات.. فالصراع لم يكن (خيرا مطلقا ضد شر مطلق)، بل كان صراع مصالح وتبريرات ذاتية خطيرة، حيث يرى كل طرف نفسه ضحية للآخر، في إطار التخلص من العقد النفسية التي اعترت غالبية الشخصيات.
لكن وقع سيناريو (ضمير مستتر) في مفارقة غريبة؛ فقد كان قويا ومتماسكا في رسم (الإطار العام) للأزمة والصراع، ولكنه كان هشا وركيكا في صياغة (التفاصيل الصغيرة) لبعض المشاهد.. هذا الضعف الموضعي جعل العمل يبدو متأرجحاً، يرتفع بالملخص النفسي والسياسي لأعلى المستويات، ثم يهبط فجأة بسبب مشهد غير مقنع أو حوار مباشر ومستهلك في كثير من الأحيان.
عند الحديث عن الرؤية الإخراجية والجماليات البصرية، سوف نلحظ أن الصورة كأداة تعبيرية هى ما تميز الإخراج بوعي واضح – إلى حد ما – في اختيار الكادرات والإضاءة التي تعكس الحالة النفسية للممثلين (استخدام الظلال، الإضاءة الخافتة، وزوايا التصوير الضيقة لتعزيز شعور الحصار النفسي والذنب).


توظيف الكاميرا كـ (سلطة رقابية)
الصورة هنا لم تكن مجرد (استعراض بصري) أو ديكورات فخمة معزولة عن الواقع، بل كانت تخدم النص وتعمق الإحساس بالاختناق الأخلاقي، وقد لعبت الموسيقى دور البطل الخفي في تصعيد التوتر أحيانا، وجاءت متقشفة في مواضع الصمت الدرامي، ومكثفة في لحظات الانكشاف النفسي، مما ساعد في ردم بعض الفجوات الإيقاعية التي سببها النص إلى حد كبير.
إذا كان الأداء التمثيلي هو الروح التي تحرك مسلسل (ضمير مستتر)، فإن الإخراج كان هو العقل المدبر الذي رسم حدود هذا العالم السايكولوجي الخانق.. المخرج لم يتعامل مع الكاميرا كأداة تسجيل محايدة، بل وظفها كـ (سلطة رقابية) وعين ثالثة تتلصص على الأسرار والخطايا المتوارية خلف ملامح الشخصيات الرئيسة والفرعية.
أفرط المخرج في استخدام اللقطات القريبة لوجوه الممثلين، خاصة في لحظات الصمت أو التفكير.. هذا التكنيك لم يكن لجماليات الملامح، بل كان بهدف (محاصرة) الشخصية وإجبار المشاهد على رصد أدق تفاصيل الزيف، أو الهلع، أو اهتزاز القناع الأخلاقي، وهذا نوع من الزيف غير المطلوب في الدراما النفسية.
هيمنت درجات الألوان الباردة (الرماديات، الأزرق القاتم، والأخضر الباهت) على أجواء البيوت والمكاتب، مما أضفى مسحة من الجفاء العاطفي، وأكد للمشاهد بصريا أن هذا البيت – رغم فخامته – يفتقر إلى الدفء الأسري الحقيقي، كما تجسد ذلك في تناقض آراء أفراد الأسرة عند مناقشة القضايا الساخنة.
اختار المخرج مساحات واسعة وأثاثا فخما ورسميا، لكنه وزع الشخصيات داخل هذا الفراغ بطريقة تبرز التباعد والنفي المتبادل.. المشاهد يرى عائلة تجلس في صالة واحدة، لكن التوزيع الإخراجي يجعل كل فرد يبدو وكأنه جزيرة معزولة، مما عمق مفهوم التفكك الأسري الصامت، ذلك الذي تسبب في تصدع جدارن البيت الذي يعاني من مشكلات جوهرية في الحياة.
ومع ذلك ظني أن مسلسل (ضمير مستتر)، هو محاولة جادة لتقديم دراما سيكولوجية تحترم عقل المشاهد، تنجح بامتياز في خلق أجواء من التوتر النفسي بفضل الرؤية البصرية والأداء التمثيلي المتزن في آحايين كثيرة، لكنه في المقابل سقط في فخ التقليدية الرقمية للحلقات.
ولكن عند تفكيك بنية مسلسل (ضمير مستتر) من منظور اجتماعي، نجد أن قضية التماسك الأسري لم تكن مجرد خلفية للأحداث، بل شكلت المحرك الأساسي والمختبر الحقيقي الذي انكشفت فيه الضمائر والتحولات الأخلاقية للشخصيات.

روابط الحب والدعم الفطري
ومن هنا فإن العمل يبتعد تماما عن الأنماط الكلاسيكية للأسرة المستقرة، ليقدم تشريحا دراميا صريحا لـ (الأسرة المأزومة)، فقد اعتمد المسلسل على مفارقة بصرية وسلوكية حادة؛ فالأسرة في العلن تبدو نموذجا للمثالية، التماسك، والنجاح الاجتماعي، وهى (الواجهة) التي يحرص رب الأسرة على صيانتها كجزء من قناعه الأخلاقي المزيف كثيرا.
لكن بمجرد الدخول إلى المساحات الخاصة، يتضح أن هذا التماسك واهٍ، بل إنه مبني على (عقد صامت من إنكار الحقائق)، ربما الإخراج خدم هذه الفكرة عبر لقطات واسعة تجمع أفراد الأسرة في غرفة المعيشة لكن بمسافات تفصل بينهم، مما يبرز الاغتراب النفسي رغم الوجود الفعلي تحت سقف واحد داخل البيت المكدس بالمشكلات.
وعند الاقتراب من جوهر (ضمير مستتر) فإننا نجد أن التماسك في هذا العمل لم ينبع من روابط الحب والدعم الفطري، بل تحول في كثير من الخطوط الدرامية إلى (علاقة نفعية متبادلة) أو ما يعرف سايكولوجيا بالاعتمادية المرضية التي فشل النص في توضيحها على نحو صادق.
فمثلا: الأب كمرجعية مشوهة، يمارس سلطة أبوية خانقة تحت شعار (حماية العائلة)، مستغلا حاجة الأبناء المادية والعاطفية لتمرير سقطاته الأخلاقية، مما يجعل الأبناء شركاء بـ (السكوت) في خطايا الأب الذي لم يستطع فرض سطوته الأخلاقية.
الابتزاز العاطفي: برع النص إلى حد معقول في تبيان كيف يتحول الخوف من (الفضيحة) أو انهيار الكيان الأسري إلى أداة لابتزاز أفراد الأسرة بعضهم بعضا، حيث يصبح التماسك هنا قيدا وإكراها لا ملاذا آمنا يتمتع به أفراد الأسرة التي تفتقد إلى أي نوع من الدفء.
انعكاس تآكل الضمير على تفكك الأبناء: أحد أعمق الخطوط النقدية في المسلسل هو تتبع الأثر الرجعي لفساد ذمة الكبار على جيل الشباب داخل الأسرة، فضلا عن غياب القدوة الحقيقية وتكشف الأقنعة أحدث هزة عنيفة في المنظومة القيمية للأبناء، مما أدى إلى الانقسام الداخلي لأسرة الواحدة.
حيث تحول البيت إلى جبهات صامتة؛ فريق يختار التماهي مع سلوك الأب النفعي للحفاظ على الامتيازات، وفريق يعيش تمردا نفسيا يقوده إلى العزلة أو الصدام المباشر، وهو ما بدا في اختلاف الآراء حول استمرار (انتصار المنتهض) في استكمال حملتها الانتخابية على صخرة الأزمات التي حاصرتها طوال الوقت.
وهنا لابد لما أن نلاحظ: عندما يسقط (الضمير) الفردي لرب الأسرة، تنهار فورا الوظيفة الحمائية للأسرة، ليجد الأفراد أنفسهم في مواجهة أزماتهم بفرادة وعزلة تامة، وهو ما جسدته النهاية التي افتقرت إلى لحظة لم الشمل الحقيقية لأسرة طالتها مشكلات مفصلية في الحياة.
إجمالا يكنني القول أن التماسك الأسري في (ضمير مستتر) كتب بعين واقعية قاسية؛ فالعمل لم يبع الوهم بالنهايات السعيدة التي ترمم البيوت فجأة، بل أكد على منطق درامي صارم: لا يمكن بناء تماسك أسري حقيقي على أرضية من الزيف الأخلاقي وتغييب الضمير.. الأسرة هنا كانت الضحية الأولى والبيئة التي دفع الجميع فيها ثمن السقوط الفردي.

إعادة تدوير الأزمات
ولدي ملاحظة أخيرة: رغم تميز الممثلين، إلا أنهم أحيانًا وقعوا ضحية لـ (التكرار التعبيري) في الثلث الثاني من المسلسل.. وبسبب ترهل النص وإعادة تدوير الأزمات، وجد الممثلون أنفسهم مضطرين لإعادة تقديم نفس الانفعالات ونفس نظرات القلق والترقب لعدة حلقات متتالية دون تصعيد حقيقي، مما جعل الأداء يدور في حلقة مفرغة لفترة مؤقتة، قبل أن ينقذه التصاعد الحتمي في الحلقات الأخيرة.
الخلاصة: برغم كل ما مضى إلا أن الأداء التمثيلي في (ضمير مستتر) لم يكن مجرد إلقاء نص، بل كان (تشريحا حيا للذنب)، الممثلون (سحر حسين، نادر الحساوي، حصة النبهان، منصور البلوشي)، هم من منحوا الشخصيات لحما ودما، وحولوا المفاهيم الفلسفية الجافة عن المبادئ والتفكك إلى مشاعر إنسانية ملموسة، تقنع المشاهد وتجعله يتساءل طوال الوقت: (ماذا لو كنت مكانه للخروج من هذا المأذق الخانق؟!).