رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

في (ماسبيرو): البرامج الجادة أصبحت تتلاشى

في (ماسبيرو): البرامج الجادة أصبحت تتلاشى
نور على نور
في (ماسبيرو): البرامج الجادة أصبحت تتلاشى
نادي السينما
في (ماسبيرو): البرامج الجادة أصبحت تتلاشى
علا السنجري

بقلم الناقدة: علا السنجري

تغير الإعلام المصري ليس ليعبر عن ذوق الجمهور وما يريده.. بل تحول لحالة من الفوضى.. ومن معه ثمن ساعات الإذاعة يدفع ويذيع ما يريد.. مما جعل نوعية البرامج الجادة قليلة في (ماسبيرو).

في زمنٍ ما  مضى، كان (ماسبيرو) أكثر من مجرد مقر لاتحاد الإذاعة والتليفزيون؛ كان مصنعًا للوعي، ومرآةً لهويةٍ ثقافية ودينية راسخة.. من داخله خرجت أعمال شكلت وجدان أجيال، ليس فقط عبر المسلسلات التاريخية، بل أيضًا من خلال البرامج الدينية التي جمعت بين البساطة والعمق، وكذلك البرامج العلمية والثقافية والترفيهية،  فكانت تُخاطب العامة دون أن تُفرّط في القيمة.

برامج مثل (نور على نور، وحديث الروح) لم تكن مجرد فقرات في جدول البث، بل كانت جزءًا من إيقاع الحياة اليومية، تُعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان ودينه، وتُقدم خطابًا متوازنًا بعيدًا عن التشدّد أو التسطيح.. وعلى الجانب الآخر، جاءت الأعمال التاريخية لتُعيد سرد سيرة الأمة، لا بوصفها ماضٍ منتهٍ، بل كمرجع حيّ يُضيء الحاضر.

البرامج العلمية في (ماسبيرو) كانت تقدم المعلومة بشرح بسيط يسهل على الجميع استيعابه، مثل (العلم والايمان عالم البحار والحيوان)، من منا يستطيع أن ينسى (جولة الكاميرا، وطرائف وغرائب، العالم يعني، ونادي السينما، وأوسكار، وغيرهم كثير .

لكن المشهد تغيّر مع دخول القنوات الخاصة، وتحوّل الإعلام إلى سوق مفتوح تحكمه الإعلانات ونسب المشاهدة، تراجعت هذه النوعية من الإنتاج.. البرامج الدينية في ماسبيرو) لم تعد (جاذبة) بالمعنى التجاري، الأعمال التاريخية أصبحت (مكلفة) أكثر مما ينبغي في حسابات الربح والخسارة ، اختفت تدريجيًا، ليحل محلها محتوى أسرع استهلاكًا، وأقل تكلفة، وأكثر قدرة على جذب المعلنين.

في (ماسبيرو): البرامج الجادة أصبحت تتلاشى
أوسكار
في (ماسبيرو): البرامج الجادة أصبحت تتلاشى
حولة الكاميرا

الأزمة ليست اقتصادية

اختفت برامج تقدم الفن الجاد في (ماسبيرو) مثل (فن الباليه، وصوت الموسيقي)، الذي كان يقدم الغناء الأوبرالي ومقطوعات السيمفونية العالمية وفرق الموسيقى العربية، إلى جانب برامج تقدم الأغاني الحديثة والقديمة، ولا ننسى برنامج (حياتي) أشهر البرامج الاجتماعية التي ناقشت قضايا الأسرة بشكل درامي ومحاولة حلها باستضافة متخصصين ، وليس حلها على يد مذيعين لديهم أهواء خاصة.

أما البرامج الجادة الأخرى في (ماسبيرو) تحولت بقدرة قادر إلى ساحات من الصوت العالي وعدم الحيادية، بل وتبني آراء خاطئة، تحكمهم المصالح ونسب الإعلانات، ففي الآونة الأخيرة كم من مذيع صرح بكلام وتفاعل مواقف ببطولة عنترية بصوت جهوري، ليعود ويتراجع باعتذار واهي،  بلا مراعاة لأي من آداب مهنة الإعلام التي تعلمناها على يد أساتذة كبار، ولا مراعاة لعقول فئات المجتمع المختلفة التي تتابعه.

الأزمة هنا ليست اقتصادية فقط، بل فكرية أيضًا، إنتاج البرامج الجادة يتطلب رؤية، وجرأة، ومسؤولية، وهى عناصر لا تتوفر بسهولة في بيئة إعلامية تخشى الجدل، أو تفضّل السلامة على العمق.. كما أن تقديم محتوى  متوازن في عصر الاستقطاب ليس مهمة سهلة،  السؤال إذن ليس: لماذا توقّف الإنتاج؟ بل: هل يمكن استعادته؟

الإجابة ليست مستحيلة.. عودة هذا النوع من المحتوى لا تتطلب فقط ميزانيات ضخمة، بل إرادة حقيقية لإعادة تعريف دور الإعلام.. يمكن إنتاج برامج  معاصرة تستخدم لغة قريبة من الشباب، دون التفريط في المضمون.. ويمكن تقديم أعمال  بأساليب حديثة، تجمع بين الدقة والجاذبية، مستفيدة من تطور التقنيات البصرية.

وهنا يعود الحديث إلى (ماسبيرو)، لا بوصفه حنينًا إلى الماضي، بل باعتباره نموذجًا لدور يمكن أن يُستعاد.. فالمؤسسات الإعلامية العامة، بطبيعتها، ليست مطالبة فقط بتحقيق الربح، بل بحماية الهوية وبناء الوعي.

لقد كان (ماسبيرو) يومًا ما صوتًا للعقل، ومنصةً للمعرفة، وحارسًا للذاكرة.. وربما آن الأوان، في ظل الضجيج الحالي، أن يعود هذا الصوت – لا كما كان، بل كما يجب أن يكون.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.