

بقلم المستشار: محمود عطية*
في دولة تكافح للخروج من أزمات اقتصادية متلاحقة، وفي وقت يطلب فيه من المواطن المصري أن يتحمل المزيد من الأعباء وأن يتفهم إجراءات التقشف، وأن يصبر على ارتفاع الأسعار وتآكل القدرة الشرائية، يخرج علينا بعض المسؤولين بمشاهد لا تثير سوى (الاستفزاز) والغضب.
صور وأخبار عن حفلات استقبال وعشاء كنوع من (الاستفزاز) يقيمها سفراء مصريون للمشاهير والفنانين، وكأن البلاد تعيش عصر الوفرة والرخاء وكأن المصريين لا يئنون تحت وطأة ضغوط اقتصادية خانقة وكأن أولويات الدولة أصبحت مجاملة النجوم لا خدمة المواطنين.
آخر مشاهد (الاستفزاز) ما نشر عن حفل أقامه سفير مصر في فرنسا لعدد من الفنانين والمشاهير، وقبله أثيرت انتقادات مماثلة بشأن سفير مصر في أستراليا، والسؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو هل تحولت السفارات المصرية إلى صالونات اجتماعية للمشاهير، أم أنها ما زالت مؤسسات دبلوماسية تمول من أموال الشعب لخدمة مصالح الدولة المصرية؟
ما الذي يدفع سفيرًا يمثل دولة بحجم مصر إلى الانشغال بإقامة ولائم (الاستفزاز) للمشاهير، بينما يشكو آلاف المصريين في الخارج من ضعف الخدمات وسوء التواصل والبيروقراطية والتجاهل؟.. ما الرسالة التي يريد إيصالها للمواطن المصري الذي يرى مسؤولي بلاده يتسابقون إلى الظهور بجوار الفنانين بينما لا يجدون الحماس نفسه عندما يتعلق الأمر بخدمة أبناء وطنهم؟
الحقيقة المؤلمة أن بعض السفراء يتصرفون وكأن مناصبهم منحت لهم من أجل الاستعراض لا من أجل العمل. وكأن السفارة ملكية خاصة وليست مؤسسة رسمية.. وكأن التقاط الصور مع المشاهير إنجاز دبلوماسي يستحق الاحتفاء.. أي عبث هذا؟

تنظيم حفلات العشاء
هل أصبحت وظيفة السفير تنظيم حفلات العشاء؟ هل أصبح دوره البحث عن الأضواء وملاحقة الكاميرات؟.. هل أصبحت مصالح الدولة تقاس بعدد الفنانين الذين جلسوا إلى مائدة الطعام داخل مقر السفارة؟
إذا كان الجواب نعم فهذه كارثة.
وإذا كان الجواب لا فلماذا تتكرر هذه المشاهد من (الاستفزاز)؟
المواطن المصري لا يريد حفلات.. لا يريد صورًا تذكارية.. لا يريد بيانات علاقات عامة فارغة. المواطن يريد أن يرى نتائج حقيقية.. يريد أن يعرف ماذا فعل السفير من أجل بلده. كم استثمارًا جذب. كم فرصة عمل ساهم في توفيرها. كم مشكلة لمواطن مصري تدخل لحلها. كم مصلحة وطنية دافع عنها.
أما حفلات الاستقبال فلا تبني اقتصادًا ولا تجذب استثمارًا ولا تحل أزمة ولا تطعم جائعًا ولا تخفف معاناة مواطن، بل تبعث على (الاستفزاز).
ثم نأتي إلى السؤال الأخطر.
من الذي دفع ثمن هذه الحفلات؟
إذا كانت على نفقة شخصية كاملة فهذا شأن خاص لا يعنينا.
أما إذا كانت على نفقة السفارة أو من مخصصاتها أو من أي أموال عامة فهنا تصبح المسألة فضيحة إدارية وأخلاقية قبل أن تكون قضية مالية. لأن المال العام ليس لعبة. وليس بندًا مفتوحًا للمجاملات الاجتماعية.. وليس صندوقًا لإنفاق المسؤولين على ما يعجبهم وما يرضي رغباتهم الشخصية.
المصريون يدفعون ثمن كل جنيه ينفق من خزينة الدولة.. ومن حقهم أن يسألوا أين يذهب هذا المال ولماذا ينفق وما العائد منه.
أما أن يطلب من الناس التقشف بينما يعيش بعض المسؤولين عقلية الولائم والاستقبالات والبهرجة فهذا أمر لا يمكن تبريره ولا الدفاع عنه.
الأكثر استفزازًا أن كثيرًا من السفراء لا يتذكرون الجاليات المصرية إلا في المناسبات الرسمية أو عند الحاجة إلى صور جماعية وخطب إنشائية.. أما عندما يتعلق الأمر بالمشكلات الحقيقية التي تواجه المصريين في الخارج فإن الأبواب تضيق والردود تتأخر والاهتمام يتراجع.
لكن عندما يصل المشاهير تنشط الحركة فجأة وتتحرك البروتوكولات وتفتح القاعات وتجهز الموائد وتلتقط الصور.
أي رسالة أكثر احتقارًا للمواطن من هذه الرسالة؟

هوس الوجاهة الاجتماعية
إن المناصب العامة ليست امتيازات شخصية، وليست فرصة للبحث عن الشهرة، وليست وسيلة لإشباع هوس الوجاهة الاجتماعية.. المنصب العام تكليف لا تشريف. ومن لا يفهم هذه الحقيقة لا يستحق أن يشغل هذا المنصب أصلًا.
ولذلك فإن وزارة الخارجية مطالبة قبل غيرها بأن تراجع هذه الممارسات وأن تدرك أن زمن الصمت قد انتهى. فالمواطن يرى ويسأل ويحاسب.. ولم يعد يقبل أن تدار بعض المؤسسات بعقلية الباشاوات التي تعتبر المال العام ملكًا مباحًا والمناصب وسيلة للتفاخر والاستعراض.
إن مصر تحتاج إلى دبلوماسيين يخدمون الدولة لا إلى نجوم حفلات.. تحتاج إلى رجال دولة لا إلى هواة ظهور.. تحتاج إلى مسؤولين يشعرون بمعاناة الناس لا إلى من يعيشون في فقاعات معزولة عن الواقع.
وإذا ثبت أن أي مسؤول استخدم موارد الدولة لإقامة حفلات ومجاملات لا تحقق مصلحة حقيقية للوطن، فلا يكفي تبرير ما حدث أو الالتفاف حوله بالكلام الإنشائي.. بل يجب أن تكون هناك مساءلة حقيقية لأن احترام المال العام ليس شعارًا يرفع في الخطب بل قاعدة تطبق على الجميع بلا استثناء.
أما الرسالة الأخيرة فهي أبسط من كل محاولات التجميل والتبرير.
من يريد أن يبقشش فليبقشش من ماله؟
ومن يريد أن يتباهى بكرمه فليدفع من جيبه؟
ومن يريد أن يوزع الدعوات ويقيم الولائم للمشاهير فليفعل ذلك بصفته الشخصية.. أما أموال الدولة فهي ليست ملكًا لسفير ولا لوزير ولا لأي صاحب منصب.
إنها ملك للشعب المصري وحده.
والخلاصة يا سادة: أطالب وزير الخارجيه بعمل تحقيق إلا أن يكون الأمر على هوى سيادته، وخاصه اذا كان هؤلاء في رحله وليس وفدا رسميا.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع