رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

جماليات المسرح الأردني.. مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية)

جماليات المسرح الأردني.. مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية)
الفنان الأردني المبدع عيسى جراح

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

هاتفني صديقي الفنان المبدع (عيسى جراح) من الأردن وأثناء مناقشتنا عن المسرح في العالم بصفة عامة، والعالم العربي بصفة خاصة، تطرق حديثنا عن (الطقوس المسرحية)، ودورها في الفن المسرحي، ولفت انتباهي إلي وجود مهرجان عشيات (الطقوس المسرحية) في الأردن، ولم أكن أعلم عنه شيء من قبل، وعندما قرأت عن هذا المهرجان ودورة في الحركة المسرحية العربية تذكرت أيام دراستي في قسم التمثيل والإخراج  بالمعهد العالي للفنون المسرحية.

وتذكرت عددا من مخرجين المسرح مثل (جرتوفسكي، أنتوني أرتو، بيتر بروك)، فقد كان هؤلاء الثلاثة من بين المسرحيين في العالم الذين أتجهوا صوب الشرق ودراسة الطقوس المسرحية الشرقية، وقاموا جميعهم بما يعرف بالتجديد في العروض المسرحية، من خلال هذه (الطقوس المسرحية)، ونتج عن ذلك ظهور ما يعرف بالمسرح الفقير ومسرح القسوة ومسرح بيتر بروك الطقسي الأسطوري.

ولكن لم أرى تجارب هؤلاء الثلاثة في صورة عروض، وأثناء بحثي عن الجذور الأولي للمسرح ووجدتها في مصر القديمة، كنت أحلم بتطبيق الصورة الحقيقية للمسرح، وهى المشاركة الوجدانية بين الفنانين والجماهير، في صورة عرض مسرحي وأثرت هذا في بعض مقالاتي وأبحاثي.

وكنت أقدم تساؤل: هل عروضنا وطقوسنا يأخذها الغرب، ويقدم بها التجديد في العروض المسرحية ثم تعاد إلينا لدراستها بصورة نظرية مشوهة؛ ونقول هذا هو التقدم، وكنت أقول في نفسي: ما هذا الهراء غير المجدي تماما، وعندما بحثت وقرأت عن مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية) في الأردن، سررت وفرحت جدا بالعقلية الفنية الأردنية.

لقد وضع فناني الأردن المسرح بوصفه عرض مسرحي في نطاقه الصحيح، وقاموا بالتنظير والتطبيق العملي لفن العرض المسرحي، في صورة مهرجان كبير يلتقي فيه الفنانين لتقديم أعمالهم المسرحية من خلال الوجدان المسرحي العربي، الذي أخذ منه الغرب مسرحه.

جماليات المسرح الأردني.. مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية)

جماليات المسرح الأردني.. مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية)
الطقس الذي هو مفتاح العروض المسرحية في هذا المهرجان

صفة التأثير في النفس البشرية

ونتعرف الآن على هذا المهرجان العربي، ونبدأ بمعنى الطقس الذي هو مفتاح العروض المسرحية في هذا المهرجان، وننوه بأن الطقس في معاناه الواسع مرتبط بواقع يؤثر في الإنسان، أي أن له صفة التأثير في النفس البشرية.

وهو في اللغة (معجم اللغة العربية المعاصرة – أحمد مختار عمر نلحظ أن طقس (مفرد): ج طقوس 1 (جغ) حالة الجوّ من ضغط وحرارة وبرودة ورطوبة ورياح وغيرها في يوم أو أيام قليلة (طقْس حار صيفًا بارد ممطر شتاءً – طقس معتدل على الساحل).

2 (دن) نظام وترتيب، وأكثر ما يستعمل لنظام الخدمة الدينية أو شعائرها واحتفالاتها، عند النصارى طريقة دينية في الصلاة وإقامة الشعائر:  طقوس دينيّة – لهذه الطَّائفة طقوس خاصّة – ممارسات طقسيَّة)، وكما للطقس الطبيعي (حالة الجو) تأثيرات على الإنسان وتولد مشاعر الحرارة والبرودة بداخله.. إلخ.

 فإن الطقس العقائدي (التعبدي) هدفه التأثير الروحي أيضا باستخدام الفنون، فالأزياء والبخور، والإضاءة الخافتة تنشئ علاقة وجدانية بين الكهان والمتعبد، بيد أنها علاقة ليست فنية بل لها هدف آخر، ولكن ما يعنينا أن الطقس يعني التأثير والتأثر، ولهذا ظهر ما يعرف بـ (الطقوس المسرحية).

وهو ببساطة كما عرفه إبراهيم حمادة في معجم المصطلحات المسرحية (المسرح الطقس، و هو نوع مسرحي لا يعتمد اعتمادا أساسيا في بنائه على الشخصية  أو الحبكة، بل على تصدير المناخ الخاص بالطقس الذي تسبح به جميع العناصر المسرحية، المكونة للشكل المسرحي.

 فالطقس  بهذا النوع، يأتي في المرتبة الأولى كما أنه دائما ما يكون المحصلة النهائية التي يحصل عليها المشاهد في نهاية العرض المقدم، أي أنه يعني فن العرض المسرحي التأثيري الوجداني بين العارضين والجماهير.

وهذا هو الأساس الذي بني عليه (مهرجان طقوس عشيات المسرحية)، والذي بدأ بتأسيس فرقة (طقوس المسرحية) في الأردن، والتي قدمت العديد من العروض المسرحية وهى كارمن كأول مسرحيه للفرقة  ومسرحيه العصاة والحلاج والحلم.. إلخ.

وقد جاءت فكرة الفرقة والمهرجان قائمة على أسس العودة إلى الجذور الأولى للمسرح المرتبطة بالطقوس الدينية والإنسانية، وأيضا استلهام الموروث الحضاري والأسطوري الأردني والعربي، وعن فكر المهرجان (المسرح الطقسي) فإن المهرجان ليس تقليديًا، بل يقوم على مفهوم (المسرح الطقسي).

جماليات المسرح الأردني.. مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية)

جماليات المسرح الأردني.. مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية)
المسرح الطقسي، هو مسرح يستمد جذوره من الطقوس الدينية، والأساطير

تعريف المسرح الطقسي

وقد وضح المسؤولين عن الفرقة ماهية وتعريف المسرح الطقسي، وهو مسرح يستمد جذوره من الطقوس الدينية، والأساطير، والاحتفالات الشعبية، يعتمد على الجسد، الإيقاع، الجماعة، والرمز أكثر من النص الكلاسيكي، ويرتكز فكريا على استعادة اللحظة الأولى للمسرح كفعل جماعي، ربط المسرح بـ (الهوية، الذاكرة، التراث).

كما أنه يواجه مقاومة تفريغ الهوية الثقافية عبر الفن، وهذه النقطة من إبداعات فكر هذا المهرجان من قبل القائمين عليه، وهى مواجة الغزو الثقافي لطمس الهوية ومحاربته عن طريق الفن، وهنا يظهر بوضوح مفهوم القوى الناعمة، ودور الفن في المواجه الفعلية في محاولات طمس الهوية.

ويعتمد المهرجان في اتجاهاته الفنية على: المسرح الصوفي ، السيكودراما (المسرح العلاجي)، الطقوس الشعبية (العرس، الحصاد، الحرب، الفقد) المسرح الجسدي والاحتفالي.

ولـ (مهرجان عشيات طقوس) مجموعة من الأهداف، منها الهدف الثقافي، وهذا الهدف يهتم بالحفاظ على الهوية الثقافية الأردنية والعربية، وإحياء الموروث الأسطوري والطقسي، ولكن من أهم أهدافه الثقافية هو خلق (أمن ثقافي) موازٍ للأمن السياسي والاجتماعي.

وهذا الأمن الثقافي لم نسمع عنه من قبل إلا في عشيات (الطقوس المسرحية)، فما أجمل أن يشعر الفرد بالأمن الثقافي في الحفاظ على هويته وموروثة الثقافي الحضاري.

ونأتي إلى الأهداف الفنية للمهرجان، وتتبلور في البحث عن تطوير لغة مسرحية بديلة عن النمط التقليدي، وهذا الهدف يذكرني بالمسرح الآن في ألمانيا، فقد تم  (إرساء علم المسرح في ألمانيا باعتباره علمٌ للعرض المسرحي)، وهذا ما ذكرته (إيريكا فيشر ليشه) في كتابها: (جماليات الأداء نظرية في علم جمال المسرح).

وعلى هذا فالمهرجان هو أول مهرجان عربي يهتم بالمسرح في كونه علم ويبحث في المادة العلمية للمسرح وهى العرض المسرحي للخروج بأشكال جديدة للعرض المسرحي بديلة عن النمط التقليدي، ولهذا تعتمد عروضه على الطقس الجسد،  الموسيقى الحية، التفاعل مع الجمهور.

جماليات المسرح الأردني.. مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية)
أشكال العروض المسرحية غير التقليدية، يعزز المهرجان هذا بهدف تعليمي

جيل جديد من المسرحيين

 ومن الهدف الفني للمهرجان الذي يعتمد على البحث في أشكال العروض المسرحية غير التقليدية، يعزز المهرجان هذا بهدف تعليمي، ينحصر دوره في تدريب جيل جديد من المسرحيين، نقل الخبرات بين الفنانين العرب.

ومن تعرفنا على مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية)، وعرضنا له، نجد أن فناني الأردن اتجهوا بنا إلي العرض المسرحي: الوجدان ذو الطبيعة المشتركة بين العارضين والجماهير، وهذا يذكرني بالسيرة الهلالية ، والصييت (القاص) والحكواتي، فكلها أشكال تجد في مهرجان عشيات الطقوس المسرحية مكان لها وتفاعلا بين المسرحيين والجماهير.

وأنصح ممن يدرسون المسرح الغربي في تجديد العرض المسرحي والاعتماد على (بيتر بروك وجرتوفسكى وأرتو)، أن يدخلوا إلى مهرجان (عشيات الطقوس المسرحية)، الذي هو الأصل ويتعرفوا ويتعلموا معنى التجديد في العرض المسرحي.

وأتمنى لصديق الغزيز الفنان (عيسى الجراح) وكل القائمين على هذا المرجان المشرف المزيد من التقدم والنجاح.. وأقولها بصدق لقد فعلتها العقلية الفنية العربية الأردنية، وسبقت جميع العقول المسرحية العربية المتبعة للمسرح الأوروبي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.