رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

من (حياة الماعز) إلى (أسد).. تزييف التاريخ بإتقان

من (حياة الماعز) إلى (أسد).. تزييف التاريخ بإتقان

من (حياة الماعز) إلى (أسد).. تزييف التاريخ بإتقان
(محمد دياب ومحمد رمضان)، وجهان لعملةٍ واحدة في زمنٍ صارت فيه الغاية تبرر الوسيلة
من (حياة الماعز) إلى (أسد).. تزييف التاريخ بإتقان
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

(أسد).. ليس الأمر مجرد فيلمٍ يُعرض على الشاشة، بل اختبارٌ صريح: إلى أين وصلت شهية البيع؟.. وهل صار التاريخ سلعة تُفصّل على مقاس طموحٍ شخصي؟

(محمد دياب ومحمد رمضان)، وجهان لعملةٍ واحدة في زمنٍ صارت فيه الغاية تبرر الوسيلة.. أحدهما يسعى إلى جائزةٍ عالمية تضاف إلى سيرته، والآخر يلاحق لقباً تنقضه أرقام شباك التذاكر أمام أفلام (أحمد عز وكريم عبد العزيز).. والتقيا عند نقطةٍ واحدة: طيُّ الحقيقة التاريخية، ورهنُ سمعة البلد، ما دام المشهد يبدو (عالمياً) في عين موزعي الجوائز في الغرب.

فجأةً صار لدينا فيلمٌ مصري اسمه (أسد) بعناصر مبهرة، لكن روحه غريبةٌ عن مصرنا.. قصةٌ عن العبودية والتمرد تُنسب إلى مصر ما لم يكن فيها قط.. فمصر التي حكمها المماليك، وهم بالأمس عبيد، صاروا سلاطيناً.. فأين العنصرية المزعومة؟ وأين القهر الذي يُعاد تمثيله على أرضٍ لم تعرفه ولم تذقه؟

والأدهى أن السمّ في فيلم (أسد) لم يُقدَّم مكشوفاً، بل غُلّف بعسلٍ فاخر حتى تبتلعه باستمتاع.. لا يمكن إنكار أن الفيلم أُنجز بمقاييس ضخمة، وأن من عملوا عليه بذلوا جهداً يُذكر.. وهنا مكمن الخطر.

فالتصوير والإضاءة بإشراف أحمد بشاري (شيكو) خرجا بمستوى يضاهي الإنتاجات العالمية، والإضاءة مدروسة، والزوايا تخدم الجو العام.. والموسيقى التصويرية التي وضعها (هشام نزيه) نهضت بالمشاهد الملحمية.

من (حياة الماعز) إلى (أسد).. تزييف التاريخ بإتقان

من (حياة الماعز) إلى (أسد).. تزييف التاريخ بإتقان
وجبةٌ شهية: شكلٌ فخم، إبهارٌ بصري، وإتقانٌ في بعض العناصر.. وهنا دُسّ السمّ في العسل

دُسّ السمّ في العسل

وأضافت إلى التوتر والعاطفة بعداً مؤثراً.. وتصميم الأزياء لريم العدل جاء دقيقاً ملائماً للحقبة، والديكورات ضخمة يظهر فيها حجم الإعداد.. وحتى مشاهد القتال وركوب الخيل يظهر فيها أثر التدريب الطويل.

أما على مستوى الأداء التمثيلي، فالصورة لم تكن موحدة: (علي قاسم وكامل الباشا) كانا أكثر الوجوه حضوراً وتماسكاً في الفيلم، وأداؤهما حمل المشاهد بقوة وصدق. في المقابل: (أحمد داش) لم يوفَّق في دوره ولم يضف ثقلاً للأحداث.

و(رزان جمال) كان الدور يحتاج ممثلة أكثر قدرة على حمله، فجاء أداؤها أقل مما يقتضيه المشهد.. أما (ماجد الكدواني) فقد روّج له كأحد أبطال الفيلم، بينما ظهر في العمل كضيف شرف لا يتجاوز دوره دقائق معدودة.

فلو قُيّم فيلم (أسد) كمنتجٍ بصري، فهو وجبةٌ شهية: شكلٌ فخم، إبهارٌ بصري، وإتقانٌ في بعض العناصر.. وهنا دُسّ السمّ في العسل.. لأنك وأنت منشغل بهذا الإبهار، يُغرس في وعيك دون شعور أن مصر بلدٌ عنصري، وأن تاريخها قائم على العبودية والقهر.. وهنا يثور السؤال: من يموّل هذا الطرح؟

من (حياة الماعز) إلى (أسد).. تزييف التاريخ بإتقان

من (حياة الماعز) إلى (أسد).. تزييف التاريخ بإتقان
الجريمة التي لا تُغتفر: أن تُبدّل ذاكرة أمةٍ بلقطةٍ مخرَجة بإتقان

الجريمة التي لا تُغتفر

الجواب أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي مشارك في الإنتاج.. والعجب أن المملكة العربية السعودية الشقيقة لم تسمح بعرض فيلم (حياة الماعز)، الذي يتناول معاناة عامل هندي في السعودية في ظل نظام الكفالة.. لكنها لم تنكر وقوع الحادثة، وقالت: هذه حالة فردية، فلماذا تعمّمونها على شعبٍ بأكمله وتجعلونها صورته؟ 

فإذا بها بعد شهور تشارك في إنتاج فيلمٍ عن مصر يفعل الشيء ذاته: يأخذ عدماً، ويلبّسه ثوب التاريخ، ويقدمه للعالم على أنه حقيقتنا.. استنكروا التعميم عليهم، فمارسوا التعميم علينا.

والأخطر أن من سيشاهد هذا ليس المؤرخ ولا الأكاديمي.. من سيشاهده طفلٌ لم يبلغ الحلم، يرى فيلماً مبهراً، فيخزن في ذاكرته: (هذا نحن).. فإذا سُئل غداً عن تاريخه، أجابك بمشهدٍ من الفيلم.. وتلك هى الجريمة التي لا تُغتفر: أن تُبدّل ذاكرة أمةٍ بلقطةٍ مخرَجة بإتقان.

ولو كان الطموح شريفاً لصوّر محمد دياب فيلمه عن العبودية في موطنها الحقيقي في أمريكا، حيث الجلد لم يكن ديكوراً سينمائياً، بل قانوناً سارياً، ووصمةً في الضمير لا تُمحى.

لكن المهرجانات هناك لا تصفق لمن يهاجم سيده الأمريكي الأبيض.. وما اختير (محمد رمضان) إلا ليُصنع منه (ويليام سميث المصري)، نسخة مستوردة من الخلطة الجاهزة: أسود، مظلوم، يصرخ على الشاشة، وينال التصفيق في الغرب.. والمفارقة أن المشهد كله مزيف، لأن العنصرية التي يصرخ ضدها لم تطأ أرض مصر قط.

التاريخ لا يُباع بلقطةٍ تُرضي الغرب.. لكننا في زمن البيع. يُباع التاريخ، وتُشترى اللقطة، ويُدفع الثمن من سمعة بلدٍ كاملة.

فاسأل نفسك وأنت تخرج من السينما: هل خرجت وأنت تعرف مصر أكثر؟ أم خرجت وأنت تعرف ما يريدونك أن تظنه عن مصر؟

فإن كانت الإجابة الثانية، فاعلم أنك لم تتذوق فناً، بل التهمت وجبة مسمومة عن مصر، موضوعة في صحن فخم حتى تبتلعها وأنت سعيد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.