ماذا يعني لقاء (جمال سليمان) بالرئيس أحمد الشرع؟


بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر
قد يبدو لقاء فنّان برئيس دولة حدثاً عاديّاً، في المجتمعات المستقرّة، يدخل في إطار البروتوكول أو المجاملات الثقافيّة. لكن في الحالة السوريّة، لا شيء يُقرأ ببراءة كاملة.. لقاء الفنّان السوري (جمال سليمان) مع الرئيس أحمد الشرع لم يُستقبل كصورة عابرة أو خبر قصير، بل تحوّل إلى مادّة سجال واسع بين السوريين.
وانقسمت حوله الآراء بين مؤيد وساخر ورافض ومتحفّظ. فما الذي يجعل حدثًا كهذا يتجاوز كونه لقاءً شخصيّاً ليصبح قضيّة رأيٍّ عامّ؟
(جمال سليمان) ليس فنّاناً تقليديّاً اكتفى بمسيرته الدراميّة.. منذ سنوات، ارتبط اسمه بمواقف سياسيّة واضحة، خاصّةً بعد العام 2011، حين أعلن معارضته لنظام الرئيس بشار الأسد.. هذا الموقف وضعه في موقع مختلف عن كثير من زملائه الذين فضّلوا الصمت أو الحياد.
ومن هنا، فإنّ أيّ خطوة سياسيّة أو شبه سياسيّة يقوم بها (جمال سليمان) تُقرأ باعتبارها امتداداً لذلك التاريخ، أو مراجعة له، أو إعادة تموضع ضمن مشهد متغيّر.
الاهتمام الشعبي باللقاء لا يتعلّق فقط بشخصين جلسا إلى طاولة واحدة، بل بما يمثله كلّ منهما.. الرئيس يمثّل السلطة والقرار السياسي، والفنّان يمثّل القوّة الناعمة والتأثير الرمزي.. وعندما تلتقي السلطة بالقوّة الناعمة، ينشأ سؤال مشروع: هل نحن أمام محاولة لبناء جسر بين السياسة والثقافة؟ أم أمام إعادة صياغة للصورة العامّة؟ أم أن اللقاء لا يتجاوز حدود المجاملة والبحث في قضايا ثقافيّة؟
في الواقع، الفنّ في العالم العربي عموماً، وفي سوريا خصوصاً، لم يكن يوماً منفصلًا عن السياسة.. الدراما السوريّة لعبت دوراً في تشكيل الوعي الجمعي، ونجومها تحوّلوا إلى رموز تتجاوز الشاشة.. لذلك، فإن تحركاتهم خارج إطار العمل الفنّي تُحمَّل بدلالات سياسيّة حتّى لو لم يُعلن عنها صراحة.. من هنا نفهم لماذا انقسم الجمهور السوري حول الحدث.
فئة من الجمهور رأت في اللقاء خطوة إيجابيّة، معتبرة أن المرحلة الحاليّة تتطلّب الحوار لا القطيعة، وأن الشخصيّات العامّة يمكن أن تلعب دوراً في تقريب وجهات النظر أو الدفع نحو حلول أقلّ تصادماً. بالنسبة لهذه الفئة، البراغماتيّة ليست تنازلاً بل قراءة واقعيّة لتعقيدات المشهد.

زاوية إدارة الصورة
في المقابل، فئة أخرى تعاملت مع الحدث بنبرة ساخرة أو غاضبة.. بالنسبة لهم، أيّ تقارب مع السلطة يُقرأ كتناقض مع مواقف سابقة، أو تراجع عن خطاب معارض. هذه القراءة لا تنطلق فقط من تقييم اللقاء، بل من تراكم سنوات من الانقسام وفقدان الثقة في بيئة عاشت صراعاً طويلاً، تصبح الرموز حسّاسة، وأيّ تحرّك منها يُفسَّر عبر عدسة الانتماء السياسي لا عبر حسن النيّة.
الانقسام في اللغة المستخدمة على وسائل التواصل الاجتماعي يعكس بدوره حالة استقطاب عميقة.. الخطاب لم يعد عقلانيّاً بالكامل، بل مشحوناً بالعاطفة والذاكرة الجماعيّة المثقلة بالألم. لذلك رأينا تعليقات تراوحت بين الترحيب الحذر والهجوم الحادّ، وبين من دعا إلى انتظار توضيح رسمي ومن أصدر حكماً نهائيّاً منذ اللحظة الأولى.
السؤال الأهمّ، هل يصنع لقاء كهذا فرقاً حقيقيّاً؟ على المستوى السياسي المباشر، من الصعب القول إن اجتماعاً واحداً يمكن أن يغير مسار الأحداث. لكن على المستوى الرمزي، يمكن لمثل هذه اللقاءات أن تفتح باباً لإعادة تعريف الأدوار.. فالفنّان قد يتحوّل إلى وسيط ثقافي، أو إلى صوت يسعى لطرح رؤية تصالحيّة، أو حتّى إلى شخصيّة تلعب دوراً في النقاش العامّ حول مستقبل البلد.
كما أن اللقاء قد يُقرأ من زاوية إدارة الصورة.. في السياسة الحديثة، الصورة لا تقلّ أهمّيّة عن القرار.. إظهار انفتاح على شخصيّات عامّة ذات مواقف سابقة مختلفة قد يحمل رسالة بأن المرحلة تتطلّب مقاربات جديدة. وفي المقابل، قد يسعى الفنّان إلى توسيع هامش تأثيره خارج الإطار الفنّي البحت.
يبقى أن نميّز بين الحدث وتأويلاته.. ما نعرفه هو وقوع اللقاء.. أمّا دوافعه وتفاصيله الدقيقة فتحتاج إلى تصريحات واضحة من الطرفين.. في غياب ذلك، تتحوّل المساحة إلى مجال للتكهن، ويصبح الرأي الشخصي هو السائد.
نهايةً: قصّة لقاء (جمال سليمان) بالرئيس أحمد الشرع ليست خبر عابر وكفى، بل مرآة تعكس حال المجتمع السوري اليوم. مجتمع ما زال يبحث عن صيغة توازن بين الذاكرة والمستقبل، بين الموقف والمصلحة، وبين الفنّ والسياسة.
وربّما تكمن أهمّيّة الحدث في أنه أعاد طرح سؤال قديم جديد: هل يستطيع الفنّان أن يبقى رمزاً ثقافيّاً مستقلاً عندما يدخل إلى دائرة القرار السياسي؟ أم أن السياسة، بطبيعتها، تعيد تعريف كلّ من يقترب منها؟
الجواب لم يُحسم بعد.. لكن المؤكد أن التقاء السياسة بالفنّ في سوريا سيظلّ حدثًا يتجاوز حدود الصورة، ليصبح اختباراً للعلاقة المعقدة بين الرمز والسلطة، وبين الجمهور ومن يمثّلهم على المسرح وفي الواقع.