


بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر
يبدو أن تكريم الفنّانة (سلاف فواخرجي) في مهرجان أسوان الدولي لأفلام المرأة جاء تتويجاً لمسارٍ درامي وسينمائي امتدّ قرابة ثلاثة عقود، تدرّجت فيه هذه النجمة من حضورٍ لافتٍ في البدايات إلى اشتغالٍ واعٍ على أدوار المرأة المركّبة، تلك التي تتحرّك في مناطق رماديّة بين الهشاشة والقوّة، بين العاطفة والموقف، وبين السيرة الذاتيّة والتمثيل التاريخي.
منذ إطلالاتها الأولى في الدراما السوريّة إبّان النصف الثاني من تسعينيّات القرن الماضي، بدت (سلاف فواخرجي) ممثّلة تميل إلى الاقتصاد في الأداء، وتفضّل الاشتغال على التفاصيل الدقيقة للشخصيّة، مثل نبرة الصوت، إيقاع الجملة، والاشتباك البصري مع الكاميرا.
لم تعتمد على كاريزما جاهزة بقدر ما بنت حضورها عبر تراكم الأدوار المتنوّعة، تنقّلت فيها بين الاجتماعي، والرومانسي، والتاريخي، ما أتاح لها توسيع هامشها التعبيري مبكراً.
اتجهت الفنّانة (سلاف فواخرجي) في أفلام (نسيم الروح، الترحال، حسيبة)، إلى نصوص تحمل بُعداً تأمليّاً في علاقة الفرد بالمكان، فكانت السينما هاجساً في البال حضر منذ البدايات الفنّيّة ليحجز لنفسه في الذاكرة مكانه الذي يليق به أن يكون.
لم تكن هذه الأفلام محطّةً وكفى، بل كان هناك امتداد يليق بها من خلال عدّة تجارب مثل (بانتظار الخريف، ورسائل الكرز) الفيلم الذي جاء بتجربة إخراجيّة من توقيع (سلاف فواخرجي) نفسها، فيما شكّل فيلم (مريم) محطّة مهمّة في تجسيد معاناة المرأة السوريّة خلال الحرب.

المرأة في منطقة الالتباس
قدّمت الفنّانة فواخرجي في مسلسل (رسائل الحب والحرب) نموذجاً لامرأة تتنازعها العاطفة والواجب، الحبّ والخيبة، في سياق اجتماعي ضاغط.. وهنا يتجلّى أحد خيوط مشروعها التمثيلي بين تفكيك الصورة النمطيّة للبطلة (بيسان) وتقديم شخصيّة تتعثّر وتُخطئ وتعيد تعريف ذاتها.
الأداء لم يكن خطابيّاً، بل بُنِيَ على توترٍ داخلي صامت، جعل الشخصيّة قابلة للتصديق، وقريبة من المزاج الواقعي الذي ميّز الدراما السوريّة في تلك المرحلة.
هل كان (حاتم علي) محطّة تعاون عابر؟ هذا السؤال جدير بالتناول والتفكير به، لإن المخرج الكبير حاتم علي كان من المخرجين الذين يهتمون كثيراً باختيار الممثّل المناسب نفسيّاً ودراميّاً للدور.
أمّا الفنّانة (سلاف فواخرجي) فقد أثبتت نفسها منذ بداياتها كممثّلة تمتلك حضوراً قويّاً، وقدرة على تجسيد الشخصيّات المعقّدة، وهذا ما لفت نظره، فاعتمد عليها كبطلة جديرة بالثقة.
كانت (سلاف فواخرجي) أيضاً قادرة على تقديم أدوار مركّبة وعميقة، وهذا هو النوع الذي كان يفضّله حاتم في أعماله. امتلكت المرونة التمثيليّة الكافية أمام كاميرته؛ واستطاعت الانتقال بين التاريخي، الاجتماعي، والرومانسي بسلاسة قلّ نظيرها.
أيضاً لدى (سلاف فواخرجي) التزام عالي في العمل، وهو عنصر مهمّ جدّاً عند مخرج مثل حاتم علي، ولذلك كان بينهما انسجام في فهم النص، خاصّة مع نصوص كتّاب رصينين مثل (وليد سيف)، لذلك أعطى حاتم فواخرجي أدواراً محوريّةً، لأنها قادرة على إيصال البعد الإنساني في الشخصيّات، وليس فقط الشكل الخارجي.
نلاحظ أيضاً أن (حاتم علي) لم يكن يكرر الممثّلين عبثاً؛ بل كان يعتمد على من يثق بقدرتهم على ترجمة رؤيته الإخراجيّة.. وسلاف فواخرجي كانت بالنسبة له ممثّلة مضمونة النتائج، تجمع بين الموهبة والانضباط، لذلك أصبحت خياراً متكرراً في أعماله.
تجسيد شخصيّة (أسمهان) محطّة شكّلت اختباراً مركّباً؛ فالسير الذاتيّة عموماً، بطبيعتها، تقف على تخوم الوثيقة والتخيّل. هنا التحدّي لم يكن في التشابه الشكلي فحسب، بل في إعادة بناء المزاج النفسي لفنّانة استثنائيّة عاشت تناقضات حادّة.
اختارت (سلاف فواخرجي) مقاربة تقوم على إبراز الهشاشة الإنسانيّة خلف الأسطورة، فمال الأداء إلى قراءة داخليّة للشخصيّة، بعيداً عن المبالغة الميلودراميّة، وهذا الدور عزّز صورة الفنّانة سلاف كممثّلة قادرة على التعامل مع شخصيّات تاريخيّة ذات حساسيّة عالية.

الحضور في مصر
دخول سلاف فواخرجي إلى السينما المصريّة يُعدُّ محطّةً لافتةً، في فيلم (حليم) أدّت شخصيّة (جيهان) ضمن عملٍ تناول سيرة العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وهو سياق يفرض حساسيّةً خاصّةً في التعامل مع الذاكرة الجماعيّة.
ويمكن القول بأنها بداية مهمّة جدّاً أيضاً كونها شاركت الفيلم مع الكبير (أحمد زكي) في آخر أعماله، وقد أظهر أداء سلاف قدرتها على التمثيل باللهجة المصريّة.
شاركت أيضاً في فيلم (ليلة البيبي دول)، بدور (سميحة) في عمل ذي طابع سياسي – اجتماعي عابر للحدود.. كما حضرت ضيفة شرف في (إمبراطورية ميم)، ما عكس استمرار انفتاحها على الدراما المصريّة، إلى جانب دورها (عالية) في مسلسل (خط ساخن)، حيث قدّمت شخصية تتقاطع مع قضايا اجتماعيّة حسّاسة.
لن ننسى دور (كيلوبترا) الذي جمعها مع نجوم من مصر وسورية، وكانت (سلاف فواخرجي) محطّ الاهتمام بسبب جرأة الدور.. إذاً تركت فواخرجي بصمةً واضحةً خصوصا من خلال فيلم واحد بارز، وبعض المشاركات التلفزيونيّة.
عادت (سلاف فواخرجي) في السينما، إلى تجارب أكثر خصوصيّة، ففي الفيلم السوري (سلمى) اشتغلت على شخصيّة تحمل أبعاداً اجتماعيّة ونفسيّة متداخلة، حيث يتحوّل الجسد والذاكرة إلى ساحة صراع مع الواقع، ويبدو أن الأداء هنا اعتمد على التعبير البصري المكثّف، وعلى المقدرة في نقل التحوّل الداخلي للشخصيّة من دون إفراط لغوي.
أمّا في الفيلم الإيراني (ملائكة الجنّة)، فقد شكّل انخراطها في إنتاج غير سوري خطوة باتجاه فضاء ثقافي مختلف، يتطلّب حساسيّة أداء تتلاءم مع إيقاع سينمائي مغاير. المشاركة في عمل عابر للحدود عَكَسَ سعياً إلى توسيع التجربة، وإلى اختبار أدواتها في سياقاتٍ إنتاجيّةٍ جديدة.


تكريم أسوان.. دلالة تتجاوز الاحتفاء
لا يمكن قراءة مسار (سلاف فواخرجي) بمعزلٍ عن الجدل الذي رافق بعض أدوارها أو مواقفها، غير أن المعيار النقدي يظلّ مرتبطًا بالمنجز الفنّي ذاته، وبغير ذلك يسقط النقد، وتبقى الأسئلة في مداراتٍ مثل: كيف بَنَتْ سلاف الشخصيّة؟ ما الإضافة التي قدّمتها في ذلك الدور؟ وهل استطاعت نجمتنا أن تُقنعنا دراميّاً؟
من اللافت أن الأدوار المثيرة للجدل لم تُضعف حضور سلاف فواخرجي، بل كرّست صورتها كممثّلة لا تتحاشى المناطق الحسّاسة، سواء في السيرة التاريخيّة أو في الدراما الاجتماعيّة ذات الأسئلة الحادّة.
يكتسب تكريم الفنّانة (سلاف فواخرجي) في مهرجان أسوان دلالةً خاصّةً لكون المهرجان معنيّاً بسينما المرأة وقضاياها.. وهو، بهذا المعنى، لا يحتفي بمسار فردي فحسب، بل يسلّط الضوء على نموذج فنّي اشتغل طويلاً على صورة المرأة بوصفها كياناً معقّداً، وليس فقط رمز جمالي أو وظيفة سرديّة.
تكريم اليوم يبدو محطّة في مسار لم يُغلق بعد، (سلاف فواخرجي) ما تزال تتحرّك بين الدراما والسينما، بين المحلّي والعابر للحدود، وبين الشخصيّة التاريخيّة والواقعيّة المعاصرة.
وإذا كان أسوان قد وضع قوساً من التقدير حول تجربتها، فإنّ التحدّي القادم يبقى في قدرتها على إعادة ابتكار ذاتها، وتقديم أدوار تضيف إلى رصيدها الثمين.