(مهرجان الأردن الدولي للأفلام).. عندما تصبح الكاميرا شاهدًا على ذاكرة وطن

عمّان: حسام عطبة
لم تكن ليلة افتتاح الدورة الحادية عشرة من (مهرجان الأردن الدولي للأفلام) مجرد احتفال بعودة السينما إلى الشاشة، ولا مناسبة عابرة لتقديم مجموعة من الأفلام.. على خشبة المركز الثقافي الملكي في العاصمة عمّان، بدت الليلة وكأنها موعد بين الماضي والحاضر؛ أسماء صنعت جزءًا من تاريخ الفن الأردني وقفت في دائرة التكريم، بينما يستعد جيل جديد من صناع الأفلام لكتابة فصول أخرى من الحكاية.
وبحضور وزير الثقافة، وأمين عام الوزارة الدكتور نضال العياصرة، ونقيب الفنانين الأردنيين الدكتور هاني الجراح، وعدد من الفنانين والمخرجين والسينمائيين والأكاديميين والضيوف العرب، انطلقت فعاليات الدورة الجديدة، التي اختارت أن تجعل من السينما مساحة للحوار، وحفظ الذاكرة، والتعبير عن الهوية الأردنية.
كان التكريم هو عنوان الافتتاح الأبرز، وفي مقدمته احتفاء (مهرجان الأردن الدولي للأفلام) بالناقد والمخرج السينمائي عدنان مدانات، الذي اختير شخصية الدورة الحادية عشرة، تقديرًا لمسيرته الفنية والفكرية وإسهاماته في السينما الأردنية والعربية.
ولم يتوقف الاحتفاء عند مدانات، إذ كرّم وزير الثقافة عددًا من رواد الفن والدراما الأردنية، بينهم الفنان والمخرج صلاح أبو هنود، وتسلم التكريم نيابة عنه المخرج مصطفى أبو هنود، إلى جانب الفنان محمد العبادي، والفنان عبد الكريم القواسمي، والفنان والمخرج أحمد دعيبس، تقديرًا لما قدموه من إسهامات وما تركوه من حضور في الذاكرة الفنية الأردنية والعربية.. كان المشهد أشبه باستعادة جيل كامل من الذاكرة، قبل أن تفتح الشاشة أبوابها أمام جيل جديد.


الاهتمام ببرنامج السردية الأردنية
وفي كلمته خلال حفل الافتتاح، الذي قدمه الفنان محمد المجالي والمخرجة ساندرا قعوار، أكد وزير الثقافة أن أهمية المهرجان تتجلى في سعي الفنانين إلى تقديم الجديد شكلًا ومضمونًا، وطرح مقترحات جمالية ومعالجات مبتكرة، تقوم على السرد البصري للحكايات والقصص والوقائع والأحداث.
وربط الوزير بين الدورة الجديدة والاهتمام ببرنامج السردية الأردنية الذي طرحه سمو الأمير الحسين بن عبد الله الثاني ولي العهد من مدينة الطفيلة، مؤكدًا أن السردية الأردنية ترتبط بصناعة الأفلام، باعتبارها إطارًا معرفيًا وفكريًا وتاريخيًا يمنح النصوص السينمائية هويتها وعمقها المحلي والعالمي.
وأكد أن السينما تستطيع أن تعزز الهوية من خلال ربط تاريخ الإنسان بحياته اليومية وقيمه وعاداته وتقاليده وتفاصيل حياته وعلاقته بالمكان، مشيرًا إلى أهمية توظيف القصص والعناصر الفيلمية في توثيق الإرث التاريخي والاجتماعي والثقافي الأردني.. وهنا تتحول الكاميرا من مجرد أداة لتسجيل الصورة إلى شاهد على الذاكرة.
وتشارك في المسابقة الرسمية لـ (مهرجان الأردن الدولي للأفلام) 8 أفلام، إلى جانب 6 أفلام من إنتاج وزارة الثقافة، و6 أفلام من إبداعات طلبة الجامعات الأردنية، بدعم من الهيئة الملكية الأردنية للأفلام، وتمنح هذه المشاركة مساحة أمام التجارب الشابة للظهور، وتفتح حوارًا بين أجيال مختلفة من السينمائيين، بحيث تلتقي خبرة الرواد مع أحلام الذين يخطون خطواتهم الأولى في عالم الصورة.
كما شهد افتتاح (مهرجان الأردن الدولي للأفلام) عرض فيلم يتناول مسيرة المهرجان عبر دوراته السابقة، إلى جانب فيديو خاص عن مسيرة عدنان مدانات، وعرض للأفلام المشاركة، في عمل من إنتاج الهيئة الملكية الأردنية للأفلام.
ولم تكن السينما وحدها حاضرة في الافتتاح، إذ قدمت فرقة نقابة الفنانين الأردنيين، بإشراف الفنان الدكتور محمد واصف وقيادة الفنان محمد خليل، مجموعة من الأغاني الوطنية والتراثية الأردنية.
وغنى يزن الصباغ، ونتالي سمعان، ونبيل سمور عددًا من الأعمال، بينها (هنا رغدان، ضمة ورد، يم الرموش الطويلة، حسنك يا زين، سافر يا حبيبي ورجع، رف الحمام، بس ارفع إيدك، وطني الشمس) وسط تفاعل وإعجاب الحضور، وهكذا اجتمعت في ليلة واحدة ذاكرة السينما وذاكرة الأغنية، في احتفال يحمل ملامح الهوية الأردنية.

لجان وضيوف من العالم العربي
وتشارك في (مهرجان الأردن الدولي للأفلام) لجنة عليا وفنية برئاسة أمين عام وزارة الثقافة الدكتور نضال العياصرة، وعضوية نقيب الفنانين الأردنيين الدكتور هاني الجراح، والدكتور عامر غرايبة، والدكتور أحمد الفالح، والمخرجة ساندرا قعوار، والمخرج إسحاق ياسين، فيما يتولى المخرج محمد العشا أمانة سر اللجنة، أما لجنة تحكيم المسابقة الرسمية فتضم الدكتور علي الربيعات رئيسًا، وعضوية الدكتور جوزيف شمالي، والمخرج خالد سلي، والأستاذ مروان الصالحي، والمنتجة داليا النمر.
ويستضيف (مهرجان الأردن الدولي للأفلام) كذلك عددًا من السينمائيين العرب، بينهم الدكتور طه الهاشمي، والدكتور حكمت البيضاني، والمخرج عامر السلامين، والمخرج هاني الملا، بما يعزز التبادل الثقافي والسينمائي بين الأردن والعالم العربي.
الحكاية بدأت.. والشاشة تقول كلمتها، ومع انتهاء حفل الافتتاح، بدأت المرحلة الأهم، مع انطلاق عروض المسابقة الرسمية في اليوم التالي ابتداءً من السابعة والنصف مساءً.. هناك، تتراجع الكلمات قليلًا، وتبدأ الأفلام في الدفاع عن نفسها بالصورة والحكاية.، فالمهرجان لا يقدم أفلامًا فقط، وإنما يحاول أن يجعل من السينما مساحة لاستعادة الذاكرة، وقراءة الحاضر، وفتح الطريق أمام حكايات جديدة.
وبين تكريم الذين صنعوا جزءًا من الأمس، وفتح الشاشة أمام الذين يحاولون صناعة الغد، تبدو الدورة الحادية عشرة وكأنها فصل جديد من حكاية أكبر: حكاية سينما تريد أن تحفظ الأردن في الصورة، وأن تمنح كل حكاية فرصة لأن تعبر من الشاشة إلى ذاكرة الجمهور.