رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

إبراهيم أبو ذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (50).. قصة (قلمي) الذي ظننت أنني تركته!

إبراهيم أبو ذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (50).. قصة (قلمي) الذي ظننت أنني تركته!
لم أكن أملك قلمًا… كان القلم هو الذي يملك حياتي

* حكاية قلم لم يمت، بل ظل يحفظ ذاكرة صاحبه حتى عاد ليكتبها!

* محمد حبوشة وأحمد السماحي.. صديقا القلم اللذان أيقظا القلم في يدي!

 بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري*

منذ دخلتُ (أخبار اليوم)، لم يفارق القلم يدي، ولم أفارقه، كان رفيقي في كلية الزراعة، تلك الكلية التي دخلتها على مضض، بينما كان قلبي يميل منذ البداية إلى الصحافة، وأراها عالمًا شديد الجاذبية، منحازًا دائمًا إلى كل ما هو جديد، ومختلف، بل وإلى كل ما يبدو خارجًا عن المألوف والمعقول، هنا أحكي قصة (قلمي).

حين أسعدتني الظروف بالعمل في ديسك (أخبار اليوم) و(أخبار الناس) أدركت أنني لم أختر الصحافة فقط، بل أن الصحافة كانت قد اختارتني، وهناك، في قلب الديسك، بين رنين الهواتف، وضجيج الأخبار، وحركة الصحفيين، وتدفق الأحداث، تعلمت أن القلم لا ينتظر.. ثم رافقني القلم إلى أقسام (الأخبار) خارج القاهرة، وإلى (روز اليوسف وصباح الخير، وجريدة العمال)، وظل حاضرًا في كل محطة من محطات حياتي.

لم يكن القلم بالنسبة إليَّ مجرد أداة أكتب بها، بل كان جزءًا من تكويني، وذاكرتي، ونبضي.. كان يسبقني إلى الخبر، ويجري مع الحدث، ويلاحق الفكرة قبل أن تهرب.. بل يجبرني على الكتابة فكتبت عن أهلي وكل من احببتهم نقدا ورواية، ومنذ ذلك اليوم، أصبحت أشعر أن بيني وبين القلم علاقة لا تشبه أي علاقة أخرى.

أنا لم أكن أملك قلمًا… كان القلم هو الذي يملك حياتي.. وهكذا، قبل أن أعرف أن الصحافة ستصبح جزءًا من حياتي، كان القلم قد عرف طريقه إليّ.. لم يكن (قلمي) مجرد رفيقٍ في البدايات، بل كان أول شاهد على أحلامي، وأول من منح أفكاري صوتًا.

ومنذ تلك اللحظة، بدأت بيني وبينه رحلة طويلة، لم أكن أعرف يومها أنها سترافقني عبر الصحافة والإدارة والسفر والغربة، ثم تعود بي، بعد كل هذه السنوات، إلى الصفحة البيضاء من جديد.

إبراهيم أبو ذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (50).. قصة (قلمي) الذي ظننت أنني تركته!
واصل (قلمي) رحلته معي؛ في مجلة غرفة صناعة وتجارة أبو ظبي، ومجلة شرطة أبو ظبي

مجلة شرطة أبو ظبي

ثم حملتني الأيام إلى أبو ظبي، فواصل (قلمي) رحلته معي؛ في مجلة غرفة صناعة وتجارة أبو ظبي، ومجلة شرطة أبو ظبي، ومجلة (المسافر)، وفي صحف ومجلات يومية وأسبوعية وشهرية، وفي الكتب التي أصدرتها لصالح الشرطة، والمحاضرات التي أعددتها وألقيتها، والبرامج التي أعددتها للتلفزيون والإذاعة.

كنت أظن، وربما كنت مغرورًا بـ (قلمي) قليلًا، أنني سريع في الكتابة، بل باهر فيها. وفي المناسبات الوطنية والحفلات التي تحتاج إلى كلمة تُكتب وتُلقى من خلف الميكروفون، كنت أجد نفسي أسرع المعدّين.

لم أكن أحتاج إلى مناخ خاص للكتابة.. لا غرفة هادئة، ولا مكتبًا أنيقًا، ولا فنجان قهوة بجوار الورق.. كنت أكتب في قلب الضجيج.

وهذا ما تعلمته في (أخبار اليوم)؛ أن الخبر لا ينتظر، وأن الكلمة يجب أن تولد في لحظتها، تحت صوت المظاهرات وهتافات الطلاب، وبين ضجيج الماكينات وصوت الـ (تكَر) الذي يحمل الأخبار إلى الديسك. هناك تعلمت أن القلم إذا انتظر الهدوء، فقد الخبر.. وربما فقد اللحظة نفسها.. لكن الحياة أحيانًا تأخذ منا الأشياء التي نظن أننا لا نستطيع العيش من دونها.

عندما تركتُ العمل في الداخلية وقررت الدخول إلى عالم التجارة، دخلته من الباب الكبير، وكما كنت أقول دائمًا: المشروعات يجب أن تبدأ عملاقة.. أسست (مؤسسة الظواهر للطباعة والنشر)، وبالتوازي (مؤسسة سفنكس إنترناشيونال) للقرطاسية والصحف والمجلات والمكتبة الشاملة، وكان لابد لمشروعات بهذا الحجم من إدارة كبيرة، ومكتب كبير، وفريق كبير.

جاءت السكرتارية.. أتذكر منهم إنجيلا، السكرتيرة الإنجليزية، وفاتن، السكرتيرة المصرية، وتوماس، السكرتير الهندي، ومن يومها، حدثت الكارثة الجميلة!.. لم يسرقوا مني (قلمي)… بل أراحوه من العمل.. كل المذكرات والتقارير والخطابات والمراسلات والحسابات والإعدادات والأبحاث أصبحت بين أيديهم.. وأنا اكتفيت بالإدارة.

كان (قلمي) الذي رافقني سنوات طويلة قد تحول إلى شيء غريب على مكتبي. لم أستخدمه إلا في التوقيع، أو كتابة كلمة: (موافق)، أو (لا مانع)، أو وضع علامة صح أو خطأ.

ومرت السنوات.. سنوات طويلة.. نجحت إداريًا، والحمد لله، وربما حققت في الإدارة ما لم أكن أتوقعه، لكنني لم أكن أعرف أنني أخسر شيئًا في داخلي.. كنت أخسر (قلمي).. إلى أن جاء يوم أفاق فيه هذا القلم من غفوته.

إبراهيم أبو ذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (50).. قصة (قلمي) الذي ظننت أنني تركته!
كان لابد أن أكتب خطابًا إلى أمي.. ليس خطاب عمل، ولا مذكرة إدارية، ولا تقريرًا، ولا خطابًا رسميًا

خطاب من القلب.. إلى القلب

كان لابد أن أكتب خطابًا إلى أمي.. ليس خطاب عمل، ولا مذكرة إدارية، ولا تقريرًا، ولا خطابًا رسميًا.. كان خطابًا من القلب.. إلى القلب.. جلست وكتبت.. وعندما حاولت مراجعة ما كتبت، كانت المفاجأة قاسية.. أخطاء لغوية وإملائية كثيرة!.. نظرت إلى الورقة طويلًا، وكأنني أنظر إلى شخص أعرفه منذ سنوات ثم اكتشفت فجأة أنني لا أعرفه.

ضحكت من نفسي، وفهمت.. لم يكن (قلمي) قد خانني.. أنا الذي خنت القلم.. كنت قد اعتمدت سنوات طويلة على السكرتارية في كتابة مذكراتي وتقاريري ورسائلي، وفي البحث والدراسة والإعداد، حتى أصبح عقلي الإداري يعمل بكفاءة، بينما أصابعي نسيت طريقها إلى الورق.

ومع تقدم العمر، بدأت الذاكرة تفعل ما تفعله الصناديق القديمة.. تفتح أبوابها.. ذكريات كانت نائمة، وأحداث كنت قد أغلقت عليها أبواب الزمن، وأصدقاء رحلوا، وأماكن تغيرت، ووجوه ما زالت تسكن الذاكرة، ومواقف تحمل في داخلها أسرارًا ومواعظ.

وعندما كنت أجلس أحيانًا مع بعض الأصدقاء، نتحدث عن الأيام التي مضت، فنكتشف أن الذكريات حين تخرج من القلب لا تبقى مجرد ذكريات، وإنما تتحول، من تلقاء نفسها، إلى حكايات.

وذات يوم، وفي جلسة منزلية كان في ضيافتي صديقي الصحفي محمد حبوشة، أحد الرموز التي تركت بصمتها في الصحافة، ومعه رفيق دربه الصديق الكاتب الصحفي أحمد السماحي.. كان الاثنان يحملان في حديثهما ذلك الحس الصحفي الذي لا يهدأ؛ عين تلتقط التفاصيل، وأذن تسمع ما وراء الكلمات، وموهبة تعرف كيف تكتشف الحكاية قبل أن تكتمل.

كانت الجلسة عادية في ظاهرها، دافئة في روحها.. تحدثنا عن الصحافة، وعن الناس، وعن أيام مضت، وعن مواقف بقيت عالقة في الذاكرة.. ومن ارتياحي معهما كأصدقاء كنت أحكي لهم بعفوية، دون أن أفكر في أن ما أقوله يمكن أن يتحول إلى مادة مكتوبة.. لكن الصحفي الحقيقي لا يستمع فقط إلى الكلام؛ هو يبحث دائمًا عما يختبئ خلفه.

إبراهيم أبو ذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (50).. قصة (قلمي) الذي ظننت أنني تركته!
محمد حبوشة وأحمد السماحي

حبوشة والسماحي ينصتان

كان حبوشة والسماحي ينصتان إليّ بطريقة مختلفة.. نظراتهما كانت تقول إنهما لا يسمعان مجرد ذكريات رجل عاش سنوات طويلة، وإنما يريان أمامهما صفحات لم تُكتب بعد.

وفجأة، مرت كل منهما للآخر وكأن الفكرة نبتت بيننا في لحظتها، قال أحدهما: لماذا لا تكتب لنا ما قلته الآن؟.. ابتسمت وقلت: أحاول، لكن الحس الصحفي لديهما لم يسمح لكلمة (أحاول) أن تنتهي عند هذا الحد.. قالا بحماس: لا.. اكتبها مقالات، وانشرها تباعًا.

في تلك اللحظة شعرت أن الرجلين لم يكونا يطلبان مني مقالًا، وإنما كانا يكتشفان شيئًا في داخلي ظننته أنا نفسي قد غاب.. كانا يفعلان معي ما يفعله الصحفي الموهوب حين يلتقي فنانًا حقيقيًا لأول مرة؛ لا يكتفي بأن يسمع صوته، بل يحاول أن يفتح له الباب الذي يستطيع من خلاله أن يصل إلى الناس.

وانتهت تلك الجلسة علي وعد مني بالمحاولة، وأنا أقول في نفسي: ربما هي مجرد فكرة عابرة وتنتهي، لكنها لم تكن عابرة.. ومرت أيام، ثم جاء اتصال من محمد حبوشة: أين المقال الأول؟

وللحقيقة، كان أثقل مقال كتبته في حياتي.. كأنني أكتب للمرة الأولى.. كتبته، ثم أعدته، ثم أعدته مرة ثانية، وثالثة ورابعة، وأرسلته أخيرًا، وبعد ثلاثة أيام، أرسل لي محمد الرابط.. فتحت المقال.. وشعرت بشيء لم أشعر به منذ سنوات.. فرحة النشر.

تلك الفرحة القديمة التي عرفتها في الصحف الورقية، حين ترى اسمك مطبوعًا فوق كلمات خرجت من رأسك وقلبك، لكن هذه المرة كان للنشر الإلكتروني مذاق آخر.. سرعة الوصول، وردود الفعل، والتواصل مع القراء.. وهكذا أصبح بيني وبين القلم موعد أسبوعي.

مقال بعد مقال.. حتى وصلنا إلى المقال رقم خمسين.. غير عشرات المقالات التي نشرت علي موقع الاتحاد العام للمنتجين العرب، وهنا بدأت الحكاية تأخذ طريقًا آخر.. تذكرت أنني، خلال سنوات الغربة، كنت قد كتبت قصصًا قصيرة ومقالات وحكايات نشرت في صحف ومجلات مختلفة.. أعدت قراءتها، فاكتشفت أن الزمن لم يقتلها.. بل أعطاها عمرًا جديدًا.

وجدت في بعض القصص الصغيرة أحداثًا يمكن أن تكبر، وشخصيات يمكن أن تتنفس، ومواقف يمكن أن تتحول من سطور قليلة إلى روايات كاملة، فعدت إلى القلم.. هذه المرة لم أعد أكتب لأملأ ورقة، ولا لأفي بموعد مقال.

كنت أكتب لأستعيد جزءًا من نفسي، وكلما كتبت، شعرت أن القلم يقول لي: أين كنت كل هذه السنوات؟.. وأجيبه: كنت أعيش.. فيقول: بل كنت تكتب حياتك دون أن تكتبها.

واليوم، سلمت إلى الناشر عشر روايات.

إبراهيم أبو ذكري يكتب: حكايتي مع الإعلام وصناع الاعلام (50).. قصة (قلمي) الذي ظننت أنني تركته!
أكتب لأن هناك أشياء في داخلي تخاف أن تموت إذا لم أكتبها

ليست قصة قلم فقط

عشر روايات خرجت من رحم الذكريات، ومن مخازن الذاكرة، ومن تلك الصناديق القديمة التي ظلت مغلقة سنوات طويلة، وهكذا فهمت متأخرًا أن بعض الأشياء لا تموت عندما نتركها، وإنما تنام، والقلم كان واحدًا منها.. لقد تركته سنوات، لكنه لم يتركني.. كان ينتظرني.. ينتظر أن أعود إليه كما يعود الإنسان إلى صديق قديم بعد غياب طويل، فلا يحتاجان إلى كثير من الكلام.

يكفي أن تلتقي الأعين، ثم تبدأ الحكاية.. هذه ليست قصة قلم فقط.. هذه قصة رجل ترك قلمهطويلًا، فعاد القلم إليه في الوقت الذي أصبحت فيه الذاكرة أكثر ثراءً، والأيام أكثر وضوحًا، والحكايات أكثر إلحاحًا.

وعندما عدت إلى الكتابة، لم أكتشف أنني أملك قلمًا فقط.. اكتشفت أن القلم كان يحتفظ لي بكل ما ظننت أنني نسيته.. ومن يومها… لم يعد (قلمي) في يدي.. صار القلم جزءًا من قلبي.

وفي النهاية، أدركت أن القلم لم يكن يومًا مجرد أداة للكتابة، وأنني حين تركته سنوات لم أترك شيئًا من الخشب والحبر، بل تركت جزءًا من روحي معلقًا فوق مكتبي.. القلم كان شاهدًا على شبابي، وعلى أحلامي الأولى، وعلى المدن التي عبرتها، والوظائف التي عشتها، والناس الذين أحببتهم، والذين اختلفت معهم، وعلى كل باب طرقته في هذه الحياة.

وحين عاد إلى يدي بعد كل هذه السنوات، لم أكن أنا الرجل الذي كان يكتب في (أخبار اليوم) تحت ضجيج المظاهرات وهتافات الطلاب وصوت الأخبار العاجلة.. كنت رجلًا يحمل عمرًا كاملًا بين أصابعه.. ولهذا أصبحت الكتابة بالنسبة إليَّ الآن شيئًا مختلفًا.. لم أعد أكتب لأثبت أنني أجيد الكتابة، ولا لأنافس أحدًا، ولا لأملأ صفحات.

أكتب لأن هناك أشياء في داخلي تخاف أن تموت إذا لم أكتبها.. كتب حتى لا تضيع الوجوه التي أحببتها في زحام الزمن، ولا تختفي الأماكن التي صنعت جزءًا مني، ولا تُدفن الحكايات التي عشتها مع أناس أصبح بعضهم ذكرى.. أكتب لأن الذاكرة مهما كانت قوية تخون، أما القلم فلا يخون، فالذاكرة تحفظ الحكاية لبعض الوقت.. أما القلم فيمنحها عمرًا جديدًا.

واليوم، كلما أمسكت قلمي، أشعر أن السنوات التي ابتعدت فيها عنه لم تكن سنوات ضياع، بل كانت سنوات إعداد.. كنت أجمع الحكايات دون أن أدري.. كنت أعيشها لأكتبها يومًا.. واليوم فهمت سر العلاقة الغريبة بين الإنسان وقلمه: القلم لا يكبر معنا.. لكنه يحمل أعمارنا كلها.

ولهذا، إذا سألني أحدهم الآن: ماذا يعني لك القلم؟.. فلن أقول إنه وسيلة للكتابة.. سأقول ببساطة: القلم هو الصديق الوحيد الذي ظل صامتًا كل هذه السنوات، لكنه كان يعرف عني أكثر مما أعرف عن نفسي.. وعندما عدت إليه، لم يسألني أين كنت، بل فتح لي الصفحة البيضاء وقال: اكتب.. فما زال في العمر حكايات لم تُروَ بعد؟

* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.