(نيللي وحسام الدين مصطفى).. حب وُلد تحت أضواء البلاتوه، وزواج انطفأ على نار الشائعات.


بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
بين كاميرات السينما، وهمسات الكواليس، ونظراتٍ لم تكن مكتوبة في سيناريو، بدأت حكاية حب الفنانة الشقية (نيللي)، والمخرج السينمائي (حسام الدين مصطفى).
في مساءٍ رماديّ من شتاءٍ طويل، في بداية عام 1971 كانت لبنان تبدو كأنها تُخفي اعترافاتها خلف ستائر المسرح، وشاشات السينما، هناك بين همهمة الكواليس، ولمعة العدسات، بدأت قصةٌ حب مصرية، تنسج خيوطها بين مخرج شهير، ونجمة واعدة
قصة الحب هذه، تشبه أفلام السينما تمامًا، لا تُعلن عن نفسها دفعةً واحدة، بل تأتيك على هيئة (مشهد) يلمع ثم يترك أثرًا لا يمحى.
ففي بداية السبعينات كان (حسام الدين مصطفى)، واحدًا من الأسماء البارزة في عالم الإخراج السينمائي، صاحب شخصية قوية وحضور لافت، وأفلام مضيئة، بينما كانت (نيللي) في مرحلة فنية تخطت فيها مرحلة الصبا، وظهرت كواحدة من الوجوه المحبوبة لدى الجمهور.
وفي أحد بلاتوهات السينما في بيروت رأي (حسام الدين مصطفى) النجمة (نيللي) كما لم يراها من قبل، فالطفلة التى كان يعاكسها في الماضي، أصبحت نجمة موهوبة، وشاطرة.
فلم يكن البلاتوه بالنسبة إلى (نيللي) مجرد مكان تقف فيه أمام الكاميرا لتؤدي دورًا مرسومًا على الورق، ولم تكن الكاميرا بالنسبة إلى المخرج (حسام الدين مصطفى) مجرد عينٍ تراقب تفاصيل المشهد، ولكن كان العمل بالنسبة للأثنين قصة حب.


نساء بلا غد
في كواليس فيلمهما (نساء بلا غد)، كان هناك شيء آخر بدأ ينمو بهدوء، بعيدًا عن عيون نجوم العمل، ويتسلل من بين المشاهد والحوارات والإضاءة إلى القلب.
في البداية، ربما لم ينتبه أحد إلى تلك النظرات العابرة، أو إلى الأحاديث التي تطول بعد انتهاء التصوير، أو إلى ذلك القرب الذي بدأ يتجاوز حدود علاقة مخرج بفنانة تعمل معه، لكن الحب، كما يقولون، لا يحتاج إلى إعلان.
كان يكفي أن يلتقي شخصان في المكان نفسه كل يوم، وأن تجمعهما ساعات طويلة من العمل، وأن يتشاركا تفاصيل صغيرة لا يراها الجمهور على الشاشة، حتى تبدأ الحكاية في كتابة فصولها بنفسها.
وبين عالم المخرج الذي يبحث عن المشهد المثالي، والفنانة التي تعرف كيف تمنح الشخصية روحها، نشأت علاقة إرتياح نفسي ومعنوي، بدأت تنمو يوما بعد يوم.

مطر ومعطف وحنان
في أحد الأيام، بعد التصوير، خرجت (نيللي) مع (حسام) إلى شارع (الحمراء)، وكانت معهما والدتها، فأمطرت السماء فجأة، وبطريقة لا شعورية خلع (حسام) معطفه ليحمي به نجمته، واحس وهو يحميها من المطر، أنها أقرب مما كان يتصور.
وخيل إليها وهى تلتصق به أنها تلقى الحماية الواجبة في مثل هذا الظرف المفاجئ، ودق قلبها، وصرخ قلبه، وعادا إلى الفندق الذين ينزلون فيه، ولم تعد (نيللي) هى البنت الشقية (العفريتة)، ولم يعد (حسام) هو المخرج القوي، أصبحا عاشقين.
وفي اليوم التالي تغيرت نظرة كل منهما للآخر، لكنهما حافظا على توهجهما الفني، كانت (نيللي) في البلاتوهات، من أولئك الذين يمشون داخل الكادرات كأنهم مولودون على إيقاعها، تضحك فتبدو الكاميرا أكثر لطفًا، وتميل برأسها لحظة تصوير فتشعر أن الضوء يقترب منها احترامًا.
لم تكن مجرد ممثلة، كانت معلّقة بين واقعين، واقع الحياة الذي يتطلب الصدق، وواقع السينما الذي يتطلب التمثيل، ومع ذلك، كان قلبها يميّز بسهولة بين ما يُقال وما يُشعر.

مخرج يصنع القدر بالزوايا
أما المخرج (حسام الدين مصطفى)، فكان من أولئك الذين يضعون العالم داخل عدسة ثم يحركونه بدقة حتى يتحول إلى معنى، كان يُمسك بخريطة المشاهد كما لو أنها قلبٌ ثاني، يعرف متى تُرفع الكاميرا، ومتى يتوقف الوقت كي يلتقط وجع الشخصية، ومتى يترك للدمعة مساحة كي تُصدّق.
بين بلاتوهات (نساء بلا غد) وُلدت الحكاية، ونمت، وترعرعت، ففي مرحلة تصوير الفيلم، اجتمعا كما يجتمع الضوء مع ظله، لا ليلتقيان وحدهما، بل ليصنعا حكاية.
في كل يوم تصوير، كانت (نيللي) تقف أمام حسام وتنتظر (توجيهته) الأخيرة، وفي كل مرة، كان (حسام) يُقابلها بنظرة تقول: هكذا يجب أن يكون المشهد، أو تمامًا لا تفكري كثيرًا، أو كوني أنتِ.
لم يكن الحب في البداية إعلانًا رومانسيا، كان شيئًا صغيرًا جدًا، ككلمة (ممتاز) تُقال في الوقت الصحيح، كصمتٍ مطوّل بعد اللقطة عندما يراجع الاثنين نفس التفاصيل لكن بقلوب مختلفة.
كانا يختبئان خلف متطلبات العمل، بينما الحقيقة تتسلل، فـ (حسام) بدأ يطيل النظر إلى (نيللي) أكثر من اللازم، أكثر مما تفرضه مهنة المخرج.
و(نيللي) بدأت تبتسم، وترى الحياة (بمبي)، و(حسام) سعيد ومشغول في تصوير فيلمه، ويحزن جدا عندما يقول (فركش) خاصة في المشاهد التى تقف فيها (نيللي) أمامه.


أجمل قصة حب.. ورفض الزواج
في أحد الأيام خرج (حسام) مع (نيللي) لوحدهما، وفي أحد كافيهات شارع (الحمرا) أعترف لها بحبه، وأخرج (محبس) من جيب الجاكت الخاص به، وقال لها وهو يراقصها كلمات قليلة لكنها ـ وكما قال نزار قباني ـ (قلبت المرقصَ والخطوات) وقلبت تاريخ (نيللي) وجعلتها إمرأةً في لحظات.
بعد أسابيع من وجودهما في بيروت، عادا إلى القاهرة، وافترقا المخرج الشهير عن محبويته النجمة التى تتفجر بالشباب والحيوية، وبدأت مرحلة جديدة، مرحلة لا تُكتب في سيناريو، لكنها تُحكى في الواقع.
تسربت الأيام بينهما كأنها لقطات إضافية، لقاءات قصيرة، رسائل قليلة، ووجودٌ يحاول أن يقول للعالم: (نحن نحب)، وفي لحظةٍ شعر فيها قلبيهما أنهما وصلا إلى خاتمةٍ تستحق، فقررا الزواج، لكن مجرد ما فاتحت (نيللي) أهلها، أعترضوا بقوة، لأكثر من سبب.
أولها فرق السن بينهما، وثانيا أن (حسام) كان زوجا وأب، وثالثا لإختلاف الديانة بينهما، لكن (نيللي) بعد مجهود مضني أقنعتهما أن شقيقتها الكبرى (فيروز) متزوجة (بدر الدين جمجوم) وتعيش معه في سعادة غامرة، وأنجبت منه.

زواج نيللي وحسام
بعد تردد من جانب الأم، وإلحاح من جانب (نيللي)، كان الزواج، زواجٌ لم يأتِ كاستراحة، بل كإعلان هادئ بأن الحكاية لا تريد أن تنتهي في كادر، وبين جدارن العش الهادئ المطل على نيل الزمالك، عاشا الأثنين في سعادة غامرة، الزوجة الصغيرة تحاول أن تكون سيت بيت ماهرة، والزوج يضني نفسه في العمل، ليكون رفيق درب، ومعينا في طريق الفن.
ونظرا لأن (نيللي) كانت في عمر الزهور، وزوجة المخرج، وممثلة محبوبة، كان منتجين الأفلام يرشحونها، لتكون بطلة، أو أواحدة من بطلات أفلام المخرج الشهير.
فشاركت في أفلام (عصابة الشيطان، شياطين البحر، ملوك الشر، كلمة شرف، الشحات، غابة من السيقان، قاع المدينة)، كانت السعادة تنبعث من البيت، والأستديو، والنجاح يترجم إلى إيرادات عالية للأفلام، وبعضها يشارك في مهرجانات عالمية ومحلية وعربية.

هبوب رياح الشائعات
لكن للأسف الشديد (السينما) تعرف سرًا قاسيًا، أن نجاح الفيلم يوقظ العيون، وعيون الناس ليست دائمًا حنونة، مع مرور الوقت، بدأت هبّات الشائعات، تارةً تُكتب كجملة مبتورة في تعليق سريع، وتارةً تُقال كهمسٍ داخل مجلس.
وتارةً تُنسب كحكاية، لا دليل عليها إلا رغبة الآخرين في الفوضى، لم تكن الشائعات عن الحب بين (نيللي، وحسام الدين مصطفى) فقط، ولكن كانت عن حياتهما الفنية، من يخرج من الاستوديو من أجل دور، ومن يجيء بسبب اتفاق، ومن يبتسم بسبب صفقة.
وملخص ما يكتب أن (حسام) يفرض زوجته على أي عمل فني، و(نيللي) لا توافق على عمل إلا إذا كان مخرجه حسام، ورغم أنه على أرض الواقع كانت (نيللي) تعمل مع مخرجين كثيرين، وكان (حسام) يعمل مع نجمات كثيرات، وتحولت التفاصيل الصغيرة إلى عناوين، والعناوين إلى أحكام، والأحكام إلى ظلّ يلاحق كل خطوة، والحب ينهار ببطء، حين يصبح الإنسان مجرد مادة!
والأعجب أن الشائعات لم تستهدف قلبهما وحده، بل استهدفت ثقة العالم فيهما، (نيللي)، بدأت تقرأ بين سطور عيون زملائها خاصة زميلاتها شك، وضباب، واتهامات بالأستيلاء على أدوار زميلات أخريات، وإسنادها إليها، بسبب زوجها المخرج.
وكل ابتسامة تُمنح لها في البداية، كانت تُسحب منها تدريجيًا وتُستبدل بتساؤلات هل فعلت كذا؟ هل قالت كذا؟!، و(نيللي) رقيقة، ولم تتعود على همس الشفايف، ولا جلسات النميمة التى تنقطغ فجأة بظهورها، و(حسام) صار يشعر أن كل مشروع جديد ليس مجرد عمل، بل اختبار لهوية العلاقة بينه وبين زوجته النجمة، وتوتر (الجو) في عش الحب الهادئ.

نهاية أجمل قصة حب
مع الوقت، صار الزواج، الذي بدأ كبيتٍ دافئ، يشبه غرفة تتعرض لتيار هواء بارد لا نراه، لكنه يزداد، لم يكن الانفصال لحظة صاخبة، بل أشبه بنهاية فيلم تُعرض بطيئًا، تبدأ الموسيقى فيها جميلة، ثم يقترب الصمت، ثم تفهم أن هناك أشياء لا تعود كما كانت.
ومع أنهما عاشا أجمل قصة حب، تعلّم كلٌ منهما درسًا مؤلمًا، أن الإنسان حين يمرّ بين أضواء الكاميرا، قد لا يلاحظ أن الظلال تكبر خلفه.
وفي حكايات السينما، كل شيء يبدو ممكنًا، لكن في حكايات البشر، لا يكفي أن تكون القصة جميلة، كي تنتصر، كان يمكن للعالم أن يترك (نيللي) و(حسام الدين مصطفى) لحبهما، لكن العالم لا يرحم عندما يريد أن يبيع تفسيرًا بدل أن يترك حقيقةً.
وفي هدوء تم الطلاق، وعادت (نيللي) والدموع في عينيها ترفض النزول، إلى منزل أسرتها بشارع (الغيث) بالعجوزة، حيث كانت تقيم من قبل، ورجع (حسام الدين مصطفى) إلى (شلة) الأصدقاء الذين قاطعهم تقريبا فترة زواجه التى استمرت حوالي 4 سنوات.
وفي نهاية كل قصة، تظل النجوم تواصل سطوعها، لكن بعض القلوب تتعلم أن الحب عندما يخرج من الكادر، يحتاج حمايةٍ لا تأتي من عدسةٍ ولا من مونتاج، بل من سلامٍ يختارونه هم، حين تتاح لهم الفرصة.