(الأرض).. عندما يصبح التراب قضية وطن



بقلم الدكتور: محمد الطربيلي
هناك أفلام تشاهدها فتتذكر أبطالها، وأفلام تتذكر موسيقاها، وأخرى تظل مشاهدها عالقة في الذاكرة.. لكن هناك أفلامًا أكبر من كل ذلك، أفلام لا تكتفي بأن تحكي قصة، وإنما تضع يدها على جرح الوطن وتضغط عليه حتى نشعر بالألم، وفيلم (الأرض) واحد من هذه الأفلام.
فيلم لا يمكن أن تشاهده باعتباره مجرد حكاية عن مجموعة من الفلاحين يتصارعون من أجل أرضهم، فالأرض هنا ليست مجرد بضعة أفدنة، وليست محصولًا أو مصدرًا للرزق.. بختصار الأرض هى الوطن.
والفلاح الذي يتمسك بها لا يدافع عن ملكية عقارية، وإنما يدافع عن حقه في أن يعيش كريمًا فوق التراب الذي وُلد عليه، وأن يظل له مكان في وطن تحاول السلطة والمال والنفوذ أن تنتزع منه كل شيء.
عندما قدم يوسف شاهين فيلم (الأرض) عام 1970، المأخوذ عن رواية عبدالرحمن الشرقاوي، لم يكن أمامه مجرد قصة ريفية تصلح للسينما.. كان أمامه مجتمع كامل.. فلاحون، وأرض، وماء، وسلطة، وإقطاع، وفقر، وصراع طبقي، وأحلام صغيرة تتحول تدريجيًا إلى قضية كبرى.
ولهذا لم يتعامل شاهين مع القرية باعتبارها مكانًا للأحداث فقط، وإنما جعلها صورة مصغرة لمصر.. الكاميرا تدخل الحقول، تقترب من الوجوه، تراقب العرق على الجباه، وتلتقط الخوف والغضب والانكسار.. الأرض نفسها تصبح شخصية من شخصيات الفيلم.. تتنفس.. تغضب.. وتدافع عن أصحابها.
محمد أبو سويلم، الذي جسده ببراعة استثنائية محمود المليجي، ليس مجرد فلاح عنيد.. إنه شخصية تختصر أجيالًا من الفلاحين المصريين الذين كانت الأرض بالنسبة إليهم آخر ما يملكون.. رجل بسيط، لكنه يمتلك يقينًا لا تستطيع السلطة انتزاعه بسهولة: أن الأرض التي عاش عليها أبوه وجده ليست مجرد سلعة.

واحدة من أخطر القضايا السياسية
ولهذا يصبح الصراع بين أبو سويلم والسلطة أكبر من خلاف على مساحة زراعية.. إنه صراع بين من يرى الأرض مصدرًا للربح، ومن يراها مصدرًا للحياة، وهنا يضع الفيلم يده على واحدة من أخطر القضايا السياسية في المجتمعات: عندما تتحول الأرض من حق إنساني إلى مجرد رقم في دفتر الحسابات، يصبح الفقير أول من يدفع الثمن.. أخطر ما في (الأرض) أن الصراع لا يُقدم باعتباره معركة بين الخير والشر في صورتها المباشرة.
هناك سلطة، وهناك قانون، وهناك أوامر، لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل كل ما يصدر عن السلطة يصبح عدلًا لمجرد أنه صدر عن السلطة؟.. الفيلم يضعنا أمام هذه المعضلة.. حين تتدخل السلطة لفرض قرار يضر بالفلاحين، يصبح القانون في نظرهم شيئًا منفصلًا عن العدالة.
وهنا تبدأ الأزمة الحقيقية، لأن المواطن يستطيع أن يتحمل الفقر، وقد يتحمل المشقة، لكنه يجد صعوبة في تقبل أن تستخدم القوة ضده ثم يُطلب منه أن يعتبر ذلك عدلًا، ومن أذكى رموز الفيلم أن الصراع لا يدور حول الأرض وحدها.. إنه يدور أيضًا حول الماء.. والماء في القرية ليس مجرد عنصر من عناصر الزراعة.
إنه الحياة نفسها.. من يملك الماء يستطيع أن يتحكم في الأرض، ومن يتحكم في الأرض يستطيع أن يتحكم في الفلاح، وبذلك يصبح الصراع على المياه صراعًا على السلطة، وهنا تتجاوز الحكاية حدود القرية لتصبح درسًا سياسيًا: من يملك مفاتيح الحياة يستطيع أن يفرض شروطه على الآخرين.
لكن الفيلم يثبت في الوقت نفسه أن السيطرة المادية لا تعني دائمًا الانتصار، فقد تستطيع السلطة أن تمنع الماء، لكنها لا تستطيع أن تمنع الناس من الغضب، وقد تستطيع أن تحاصر الأرض، لكنها لا تستطيع أن تنتزع عشق الفلاح لها.

عندما تتحول الجماعة إلى قوة
في بداية الفيلم، يبدو كل فلاح وكأنه يقاتل وحده.. الخوف موجود.. والفقر موجود., والسلطة أقوى.. لكن شيئًا يتغير تدريجيًا.. الفلاحون يكتشفون أن مشكلتهم واحدة، وأن الأرض التي يدافع عنها كل واحد منهم هي في النهاية أرض الجميع، وهنا يبدأ التحول الأخطر سياسيًا: من الوعي الفردي إلى الوعي الجماعي، وهذا هو سر قوة الفيلم، فالثورة لا تبدأ دائمًا بصوت مرتفع.
أحيانًا تبدأ بسؤال بسيط: لماذا؟.. لماذا يحدث هذا؟.. لماذا يُحرم الفلاح من أرضه؟.. لماذا يملك البعض القرار بينما يدفع البعض الآخر الثمن؟.. وحين تبدأ الأسئلة، يبدأ الخوف في التراجع.
محمود المليجي.. حين يصبح التمثيل شهادة، أما محمود المليجي في شخصية أبو سويلم، فقد قدم واحدًا من أعظم أدواره.. لم يكن بحاجة إلى الصراخ حتى يقنعك بالغضب.. كان يكفي أن تنظر إلى وجهه.. ذلك الوجه الذي يحمل تعب السنين، وقسوة الفقر، وإصرار الإنسان الذي لم يعد لديه ما يخسره.
المليجي لم يمثل الفلاح.. لقد أصبح الفلاح، وفي المشاهد الأخيرة تحديدًا، يتجاوز الأداء حدود التمثيل إلى شيء أقرب إلى الشهادة.. كأن الرجل الذي أمام الكاميرا ليس ممثلًا، وإنما شاهد على عصر كامل.
مشهد النهاية.. حين تنزف الأرض من أجل أصحابه، ثم يأتي المشهد الذي لا تستطيع الذاكرة أن تنساه.. أبو سويلم يسقط.. الجسد ينهار، لكن الأرض لا تنهار.. وهنا تبلغ رمزية الفيلم ذروتها.. فقطع ساق الرجل ليس مجرد اعتداء على جسده.. إنه محاولة لقطع علاقته بالأرض.. محاولة لتحويل الإنسان الذي قاوم إلى إنسان عاجز.
لكن المفارقة أن الجسد يسقط، بينما الموقف ينتصر، وهنا يقول يوسف شاهين شيئًا بالغ القسوة: قد تستطيع السلطة أن تكسر جسد الإنسان، لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تكسر إرادته.. إنها واحدة من أقسى الصور التي قدمتها السينما المصرية عن علاقة الإنسان بالأرض.

(الأرض) ليس فيلمًا عن الماضي
ربما يعتقد البعض أن الفيلم يتحدث عن زمن انتهى.. عن الإقطاع.. عن الفلاح القديم.. عن مجتمع ريفي تغيرت ملامحه.. لكن الحقيقة أن الفيلم أعمق من ذلك.. لأن القضية ليست الإقطاع وحده.. القضية هي علاقة القوة بالضعيف.. وهي علاقة لا تنتهي بتغير الزمن.
كلما ظهرت سلطة ترى الإنسان مجرد رقم، وكلما تحول الفقير إلى مجرد تكلفة، وكلما أصبح المال أقوى من العدالة، تعود أسئلة (الأرض) من جديد.. ولهذا لم يمت الفيلم.. لأن الإنسان لم يتوقف عن البحث عن العدالة.. (الأرض) ليست ملكية.. (الأرض) ذاكرة.. الفلاح لا يحب الأرض لأنها تمنحه محصولًا فقط.
إنه يحبها لأنها تحمل ذاكرة عائلته.. فيها دفن أبوه.. فوقها لعب طفولته.. من طينها صنع حياته.. ومن خيرها أطعم أبناءه، ولهذا فإن اقتلاع الإنسان من أرضه يشبه اقتلاعه من ذاكرته، وهنا يصبح معنى (الأرض) أكثر اتساعًا.
إنها المكان الذي يقول فيه الإنسان: أنا هنا.. وهذه بلادي.. وهذا حقي في الحياة.. بين (الأرض، شيء من الخوف) سؤال واحد: لو وضعنا (الأرض) بجوار فيلم (شيء من الخوف) سنكتشف أن الفيلمين، رغم اختلاف الحكاية والشخصيات، يلتقيان عند سؤال واحد: ماذا يحدث عندما يكتشف الإنسان أن الخوف ليس قدرًا؟
في (شيء من الخوف)، يكتشف أهل الدهاشنة أن عتريس ليس أقوى منهم.. وفي (الأرض)، يكتشف الفلاحون أن السلطة مهما امتلكت من أدوات، فإنها لا تستطيع أن تجعل الإنسان يتخلى بسهولة عن الشيء الذي يمنحه معنى وجوده.. الفيلم الأول يتحدث عن الخوف، والثاني يتحدث عن الأرض، لكن كليهما في النهاية يتحدث عن الكرامة.

لماذا يبقى (الأرض) خالدًا؟
لأن السينما العظيمة لا تعيش بسبب ألوان الصورة ولا بسبب أسماء النجوم.. تعيش لأنها تلمس شيئًا حقيقيًا داخل الإنسان، و(الأرض) لمس واحدة من أعمق المناطق في الشخصية المصرية: الارتباط بالمكان.. المصري الذي يعرف قيمة النيل، والطين، والحقل، والبيت، والشارع، والقرية، والمدينة.
الإنسان الذي قد يسافر بعيدًا، لكنه يظل يحمل وطنه في داخله.. ولهذا كان (الأرض) أكثر من فيلم.. كان قصيدة سياسية مكتوبة بالكاميرا، وكان صرخة فلاح في وجه كل من يعتقد أن الإنسان يمكن أن يُنتزع من جذوره بسهولة.
وفي النهاية: ربما كانت أعظم رسالة في الفيلم أن الإنسان قد يخسر معركة، وقد يُصاب جسده، وقد تُحاصره السلطة، وقد تضيق أمامه الدنيا كلها.. لكن هناك شيئًا لا ينبغي له أن يخسره: إحساسه بأنه صاحب حق، وهنا تكمن عظمة (الأرض).. فالفيلم لا يقول إن القوة لا تهزم.. بل يقول إن الهزيمة الحقيقية ليست أن يسقط جسدك.. الهزيمة أن تقنعك القوة بأنك بلا حق، أما أبو سويلم، فقد سقط جسده، لكن حقه لم يسقط، وسقطت ساقه، لكن الأرض بقيت.
وبقي معها السؤال الذي تركه يوسف شاهين لنا مفتوحًا: ماذا يبقى للإنسان إذا انتُزعت منه الأرض؟، والإجابة ربما كانت واضحة منذ المشهد الأول: يبقى الوطن في القلب.. حتى لو حاولوا اقتلاعه من تحت القدمين.