(مهرجان الفحيص).. ستة أيام قال فيها الأردن: نحن وطن الفرح والحياة

الفحيص: حسام عطية
حين انطفأت شعلة (مهرجان الفحيص/ الأردن تاريخ وحضارة) أول أمس الاثنين، لم يكن الستار يسدل فقط على دورة جديدة من عمر واحد من أبرز المهرجانات الأردنية، وإنما كانت مدينة (الفحيص) تطوي ستة أيام بدت خلالها وكأنها تحوّلت إلى مسرح كبير، تتجاور فوقه الموسيقى مع الذاكرة، والفن مع التاريخ، ووجوه النجوم مع وجوه الآباء والأجداد.
ستة أيام مرّت سريعة، لكنها كانت كافية لتقول الكثير عن مدينة تعرف كيف تحتفي بالحياة، وعن مهرجان لا يريد أن يكتفي بالتصفيق والأضواء، بل يصر على أن يضع الثقافة الوطنية في قلب المشهد، ولذلك لم يكن غريباً أن يختصر المدير التنفيذي للمهرجان أيمن سماوي الحكاية كلها في رسالة واضحة: نجاح (الفحيص) هو رسالة بأن الأردن موطن الفرح والحياة.
وأشاد سماوي بالتفاعل الكبير الذي لاقته فعاليات المهرجان، من قبل الشخصيات الأردنية الوازنة، وصاحبة التجارب، فضلاً عن وسائل الإعلام المحلية والعربية، مقدماَ الشكر لزوار المهرجان وداعميه ورعاته، وفي مقدمتهم أهالي مدينة الفحيص وزوارها الكرام، الذي أثروا فعاليات المهرجان الفنية والثقافية والفلكلورية والتراثية وبرامج الطفل بحضورهم النوعي وتفاعلهم الكبير.
وأكد سماوي، أن (مهرجان الفحيص) سيبقى مستمراً بشعاره الثابت (الأردن تاريخ وحضارة)، متحدياً الظروف والمعيقات، ليبقى مجسداً رسالة الأردن الحضارية والتنويرية والثقافية إلى العالم، وأن إدارة المهرجان تسعى لترسيخ حضور الفكر والثقافة الأردنية، والاستمرار في الإضاءة على السردية الأردنية في جميع مفاصلها، والتي تقدمها منذ دورة المهرجان الأولى التي انطلقت عام 1990
وهكذا أطفأ سماوي الشعلة، معلناً نهاية دورة حملت شعار المهرجان الثابت (الأردن تاريخ وحضارة)، وفتحت أبوابها للفن والثقافة والتراث وبرامج الطفل، بالتوازي مع الاحتفاء بشخصيات كان لها دور في مسيرة الدولة الأردنية، وتسليط الضوء على نجاحات المرأة الأردنية.

أسماء صنعت فارقاً في الأردن
لكن (الفحيص) كان يعرف أن الفرح وحده لا يكفي، وأن المهرجان الذي يحترم جمهوره لا بد أن يمنحه شيئاً يبقى بعد انتهاء الأغنيات. من هنا جاء البرنامج الثقافي، الذي بدا أشبه بذاكرة مفتوحة للأردن، تستعيد أسماء صنعت فارقاً في السياسة والتعليم والطب والثقافة والفنون.
في ختام البرنامج الثقافي، امتلأ (منبر خالد منيزل) بالحضور الذين جاؤوا لاستعادة سيرة (شخصية المهرجان) الراحل مازن الساكت، وبين وزراء سابقين وأعيان ورجال دولة وأفراد عائلته وأصدقائه، بدا واضحاً أن الرجل لم يغادر تماماً، فقد حضر اسمه في الكلام، وحضر فكره في الشهادات، وحضرت مواقفه في ذاكرة من عرفوه.
تحدث الوزير السابق العين توفيق كريشان عن رفيق دربه، مستعيداً صموده خلال فترة توليه وزارة الداخلية عام 2011، ووصفه بالشخصية العصامية التي شقت طريقها وسط تحديات صعبة، مؤكداً أن الاختلاف بينهما كان دائماً من أجل الوطن، بينما كان الحب للوطن هو نقطة اللقاء.
أما عاطف التل، فتوقف عند شخصية الساكت القوية والمرهفة في آن واحد، مشيداً بنزاهته وعدالته وكفاءته، فيما كشف محمد البشير جانباً من تجربته السياسية والحزبية، متحدثاً عن حضوره الفكري والديمقراطي وتأثيره في الحياة السياسية.
ومن زاوية أكثر إنسانية، جاءت شهادة الدكتورة سوزان معروف البخيت، التي تحدثت عن وفائه لعائلتها، بينما اختار نجله شاهر الساكت أن يستعيد صورة الأب، لا المسؤول، مؤكداً أن أهم ما ورثه عنه هو الإخلاص للوطن، والإيمان بأن الاختلاف لا يفسد للود قضية، طالما أن الوطن هو الهدف.
وقبل أن تُغلق صفحات المهرجان، كان (منبر خالد منيزل) يحتفي أيضاً بمجموعة من الرواد الذين ساهموا في مسيرة الدولة الأردنية في مجالات مختلفة، في واحدة من أكثر رسائل (الفحيص) وضوحاً: أن تكريم الإنسان جزء من حفظ ذاكرة الوطن.
الندوة، التي رعاها رئيس الوزراء السابق الدكتور عبد الرؤوف الروابدة، كرمت النائب صالح العرموطي عن القطاع التشريعي، والدكتور زياد شرايحة عن القطاع الصحي، والدكتور يعقوب ناصر الدين الأسد عن القطاع الاقتصادي، والفنانة ميسون الصناع عن الثقافة والفنون، والمربي زاهي صويص عن التعليم.
الروابدة لم يكتفِ بالإشادة بالمكرمين، بل وجه رسالة إلى المهرجانات الأردنية الأخرى، مطالباً بالاقتداء بتجربة (الفحيص) في تقديم السردية الأردنية الحقيقية، وعدم اختزال المهرجان في حفلات غنائية وأمسيات شعرية.


ليالٍ جماهيرية صاخبة
كانت تلك الرسالة تختصر فلسفة (الفحيص): الحفل مهم، لكن الحكاية أهم، والأغنية جميلة، لكن الذاكرة أجمل، والمهرجان الحقيقي هو الذي يجعل الجمهور يغادر المكان وهو يحمل معه شيئاً من روح البلد.
وعندما حان موعد الموسيقى، كان مسرح (القناطر) على موعد مع ليالٍ جماهيرية صاخبة، تصنع حالة أخرى من الفرح.
في إحدى الأمسيات، تألق الفلسطيني إياد طنوس إلى جوار الأردني باسل جريسات، فقدم طنوس مزيجاً من الأغنيات الخاصة والفلكلور الفلسطيني والعربي، ووجّه تحية إلى الأردن وأهالي الفحيص، مؤكداً أن مشاركته الأولى في المهرجان جاءت محمّلة بمحبة فلسطين للأردن.
وفي ليلة الختام، ارتفع منسوب الطرب مع السوري صبحي توفيق والأردني فراس طعيمة، فامتلأت مقاعد (القناطر) وتحول المسرح إلى مساحة واسعة للحنين.
فراس طعيمة، ابن الفحيص، تنقل بين الأغنية الخاصة والتراث الأردني، بينما استدعى صبحي توفيق بساتين الطرب من القدود الحلبية إلى الأغنيات الكلاسيكية والرومانسية والفلكلور، وصولاً إلى رقصته الشهيرة على إيقاع (خمرة الحب اقنيها) لصباح فخري. وبدت مشاركته امتداداً لجسور فنية لا تعرف الحدود بين سوريا والأردن وفلسطين.

الأطفال.. الوريث الحقيقي للحكاية
ولأن المهرجان لا يريد أن يعيش في الماضي فقط، فتح أبوابه للأطفال، الذين قدموا عروضاً في الرقص والفنون الأدائية والدبكة الشعبية، وحوّلوا (شارع الرواق) إلى مسرح مفتوح للفرح.
وفي المشهد الختامي لبرنامج الطفل، جاءت الدبكة الشعبية التي قدمها أطفال مركز زها الثقافي وكأنها تقول إن التراث لا يعيش في الكتب وحدها، وإنما ينتقل من قدم إلى قدم، ومن جيل إلى جيل.
ومن التفاصيل التي لفتت الأنظار أيضاً حضور الإعلامية شروق جريسات، مقدمة حفلات مسرح (القناطر)، التي نجحت في صناعة حضور دافئ يجمع بين الرصانة والعفوية، وبدت طوال ليالي المهرجان أقرب إلى (وجه) يرافق الجمهور في رحلته بين النجوم والأغنيات.

حين انطفأت الشعلة
أما خلف الكواليس الرقمية، فكان لـ (EchoVerse Marketing Solutions) حضور واضح من خلال تنفيذ الهوية البصرية والتسويق الرقمي وصناعة المحتوى والتغطية الميدانية، في محاولة لتقديم المهرجان بصورة تواكب زمن المنصات وتحافظ في الوقت نفسه على روحه التراثية.
وهكذا انتهى (مهرجان الفحيص)، لكن الحكاية لم تنتهِ.. فالمهرجان الذي بدأ عام 1990، كما تؤكد إدارته، لا يتعامل مع (الأردن تاريخ وحضارة) كشعار يُعلّق على اللافتات، وإنما كفكرة يريد أن يثبتها بالغناء، وبالتكريم، وبالحوار، وبالأطفال، وبالتراث، وبالحضور الشعبي.
وحين انطفأت الشعلة، كان السؤال الحقيقي: ماذا يبقى؟.. تبقى مدينة فتحت قلبها للضيوف، ومسرح امتلأ بالغناء، وذاكرة استعادت رجالاً صنعوا جزءاً من تاريخ البلاد، وأطفال حملوا الدبكة إلى المستقبل.
ربما لهذا قال أيمن سماوي إن نجاح (الفحيص) رسالة بأن الأردن موطن الفرح والحياة.. لأن بعض المهرجانات تنتهي بانطفاء الأضواء.. أما «الفحيص» فيبدو أنه يعرف جيداً كيف يترك الضوء مشتعلاً في الذاكرة.