(ريل تشاينا).. 3 أيام من السينما الصينية تفتح نافذة جديدة للتقارب الثقافي بين مصر والصين

كتبت: صبا أحمد
على مدار ثلاثة أيام، تحولت شاشة سينما الهناجر بالقاهرة إلى نافذة مفتوحة على الصين المعاصرة، من خلال فعاليات (ريل تشاينا) لعروض الأفلام الصينية والترويج لها، التي اختُتمت بنجاح أمس، الثلاثاء 1 سبتمبر، بعد أن قدمت للجمهور المصري خمس تجارب سينمائية متنوعة، كشفت عن اتساع خريطة السينما الصينية وتعدد موضوعاتها وأساليبها الفنية.
وجاءت فعالية (ريل تشاينا) في توقيت يحمل خصوصية كبيرة، بالتزامن مع الاحتفال هذا العام بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، وفي إطار ما تشهده العلاقات بين البلدين من تواصل شعبي وثقافي متزايد، بما يعكس أهمية السينما باعتبارها إحدى أكثر الوسائل قدرة على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية وخلق مساحة للحوار الإنساني.
وخلال أيام الفعالية، شاهد الجمهور المصري خمسة أفلام صينية هى: (بيغاسوس 3 – Pegasus 3)، و(إليك يا عزيزي – Dear You) و(شنتشو 13 -Shenzhou 13)، و(بوني بيرز: الحارس الخفي (Boonie Bears: The Hidden Protector، و(قطار السعادة – Happiness Railway).
ولم تكن هذه الاختيارات مجرد عروض سينمائية متتابعة، وإنما شكلت في مجموعها بانوراما مصغرة للسينما الصينية، انتقلت بالجمهور بين سباقات السيارات والعلاقات الأسرية واستكشاف الفضاء والرسوم المتحركة والحياة اليومية للناس العاديين، لتقدم صورًا مختلفة عن المجتمع الصيني وتطلعات أفراده وأحلامهم ومشاعرهم.


السينما.. لغة تتجاوز الحدود
منذ انطلاق فعاليات (ريل تشاينا) في 30 أغسطس، شهدت سينما الهناجر حضورًا من ضيوف وممثلين عن صناعة السينما والجامعات والأوساط الثقافية والمؤسسات الإعلامية في مصر والصين، إلى جانب عدد من الشباب والطلاب وأفراد الجمهور، في تجربة هدفت إلى فتح مساحة للتواصل السينمائي المباشر بين البلدين.
ومن خلال أفلام (بيغاسوس 3، إليك يا عزيزي، شنتشو 13)، تعرف الجمهور المصري على جوانب مختلفة من حياة أبناء الصين المعاصرة؛ فبين أجواء سباقات السيارات وتشابكات العلاقات الأسرية وأحلام استكشاف الفضاء، بدت الشاشة مساحة للتعرف على الإنسان الصيني بعيدًا عن الصور النمطية أو المعرفة المحدودة التي قد تصنعها الأخبار والمواد الإعلامية وحدها.
وهنا تكمن أهمية السينما؛ فهي لا تكتفي بتقديم معلومات عن مجتمع ما، وإنما تسمح للمشاهد بأن يرى تفاصيل حياته، ويتعرف على عاداته ومشاعره وأحلامه، وربما يكتشف في الوقت نفسه أن الإنسان، مهما اختلفت لغته وثقافته، يظل قريبًا من غيره في كثير من مشاعره وتطلعاته.
وفي اليوم الختامي فعاليات (ريل تشاينا)، انتقلت الفعالية إلى عالمين مختلفين تمامًا؛ الأول هو عالم الرسوم المتحركة من خلال فيلم (بوني بيرز: الحارس الخفي)، الذي جذب اهتمام عدد كبير من الأطفال بما يقدمه من مغامرة مليئة بالحركة والعناصر المستمدة من الثقافة الصينية.
أما الفيلم الثاني (قطار السعادة)، فقد اصطحب الجمهور في رحلة أكثر هدوءًا وتأملًا، من خلال قطار بطيء يتحرك بين المجتمعات الحضرية والريفية، ويتابع رحلة نضج شاب يعمل مضيفًا على متن القطار.
ومن خلال الشخصيات التي يلتقيها البطل في رحلته، يرصد الفيلم تفاصيل الحياة اليومية لأشخاص عاديين، ويمنحها قيمة درامية وإنسانية، ليؤكد أن الحكايات الكبيرة لا تحتاج دائمًا إلى أبطال استثنائيين، وأن تفاصيل الحياة البسيطة يمكن أن تحمل قدرًا كبيرًا من الدفء والجمال.
وعلى مدار أيام فعالية (ريل تشاينا)، أكد عدد من الجمهور المصري أن فرصهم السابقة لمشاهدة الأفلام الصينية كانت محدودة، وأن تجربتهم مع الأعمال المعروضة كشفت لهم عن سينما أكثر تنوعًا واتساعًا مما كانوا يتصورون.

تجاوز الفوارق اللغوية والثقافية
فالأفلام التي تنتمي إلى أنواع فنية مختلفة قدمت موضوعات إنسانية قريبة من المتلقي، وفي مقدمتها الأسرة والحلم والطموح والحياة اليومية، وهو ما ساعد على تجاوز الفوارق اللغوية والثقافية، وأثبت مجددًا أن الفيلم الجيد قادر على الوصول إلى المشاهد حتى عندما تختلف البيئات واللغات.
أُقيمت فعالية (ريل تشاينا) بدعم من الهيئة الوطنية الصينية للسينما ولجنة مصر للأفلام، واستضافتها مجموعة الصين للإعلام (CMG)، وشارك في تنظيمها مركز ترجمة وإنتاج المحتوى السينمائي والتلفزيوني التابع لمجموعة الصين للإعلام والمكتب الإقليمي لمجموعة الصين للإعلام في الشرق الأوسط، فيما تولت مجموعة أوري للثقافة (سوتشو) المحدودة مسؤولية التنفيذ.
ويعكس هذا التعاون اهتمامًا متزايدًا باستخدام السينما والفنون باعتبارهما أدوات للتواصل الشعبي والثقافي، وليس فقط وسائل للترفيه، بما يفتح المجال أمام مزيد من التعاون في مجالات الإنتاج والعرض والترجمة والتبادل السينمائي بين البلدين.
ومع إسدال الستار على العرض الأخير، لم تنتهِ حكاية (ريل تشاينا) عند حدود الأيام الثلاثة التي احتضنتها القاهرة، وإنما تركت وراءها مساحة جديدة للتعرف والحوار.
فمن خلال خمس أفلام مختلفة في موضوعاتها وأشكالها، استطاعت الفعالية أن تمنح الجمهور المصري فرصة لاكتشاف وجوه متعددة للصين المعاصرة، وفي الوقت نفسه قدمت نموذجًا لما يمكن أن تصنعه الثقافة حين تتحول من مجرد نشاط فني إلى وسيلة للتقارب بين الشعوب.
وهكذا أثبتت (ريل تشاينا) أن السينما قادرة على أن تكون أكثر من مجرد شاشة تعرض الأفلام؛ يمكنها أن تصبح جسرًا حقيقيًا بين الحضارات، ومساحة يلتقي فيها المصري بالصيني حول الحكايات الإنسانية المشتركة، بما يعزز الحوار والتعلم المتبادل ويفتح آفاقًا أوسع للتعاون الثقافي والسينمائي بين مصر والصين.