أحمد صبحي يكتب: (الحلم) الذى بدأ من شاشة صغيرة (10).. (مملكة النباتات)!


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
كنت أشعر بزهو هائل وأنا أرى السيارة تقف أمام البيت لتحمل الصناديق، وكأن بابًا جديدًا قد فُتح أخيرًا.. وفي تلك الفترة كانت الأهرام تصدر مجلة للأطفال بعنوان (علاء الدين) كما كانت دار أخبار اليوم تصدر مجلات مشابهة، ولأنني كنت أشعر وقتها بثقة كبيرة، ذهبت إلى جريدة الأهرام وطلبت منهم أن أكتب قصصًا للأطفال في مجلة (علاء الدين) طلبوا مني تقديم نموذج، وبالفعل كتبت قصة بعنوان (مملكة النباتات).
ثم انتظرت طويلًا.. لكن لم يحدث شيء.. لا اتصال.. لا نشر.. لا حتى اعتذار، وبدأ السؤال يطاردني من جديد: هل كانت القصة سيئة، أم أنها فقط لم تكن مناسبة في ذلك الوقت؟.. ولم أستطع أبدًا أن أجد إجابة واضحة.
لكن ما أستطيع قوله الآن، أن (مملكة النباتات) تحولت بعد ذلك بسنوات إلى مسلسل للأطفال، وهو ما أكد لي أن الفكرة كانت جيدة بالفعل، وتحمل شيئًا مختلفًا.
أصبحت شخص ينظر إلى نفسه بطريقة جديدة. بعد أن فقد ثقته بنفسه طويلًا، صار يشعر بقدر من القوة والثقة.. لكنها كانت للأسف ثقة مؤقتة، تنتهي بانتهاء الحدث نفسه.. فما إن انتهى توزيع كتاب (مملكة النباتات)، حتى عادت الدنيا فارغة مرة أخرى.
وعاد السؤال الأكبر يفرض نفسه: ماذا بعد؟.. لقد صنعت كتابًا.. وتم توزيعه.. ثم ماذا؟.. ما الخطوة التالية؟.. وهل كانت تلك مجرد بداية الطريق.. أم نهايته؟
(من أنا؟): كانت تلك الجملة هي السؤال الحقيقي الذي أبحث عنه، حتى وإن ظننت.. أحيانًا أنني أبحث عن الكتابة أو السينما أو الشهرة.. في الحقيقة كنت أبحث عن نفسي.. كنت أجلس لساعات طويلة أقرأ في الفلسفة، ذلك العالم الذي أبهرني بأفكاره وأسئلته الكبرى، ومع الوقت توقفت عن الحلم بالشكل التقليدي، ونسيت للحظات أنني أبحث عن عالمي الخاص.

وقفت أمام أبو حامد الغزالي
حتى إن الجميع بدأ يقتنع أن ما أمرّ به ليس أكثر من مرحلة عابرة يمر بها كثيرون في مثل سني؛ فهناك من يحلم بأن يصبح لاعب كرة، أو بطلًا في ألعاب الدفاع عن النفس، أو يسعى للسفر والثراء، ثم تنتهي الأحلام ويعود الجميع إلى أرض الواقع.
ومن تلك الكلمات تعلمت شيئًا مهمًا جدًا: الصمت، والأهم ألا تخبر أحدًا بما تسعى إليه.. ليس خوفًا من الحسد، بل لأن بعض الأحلام تبدو مستحيلة في أعين الآخرين، فيتعاملون معها باعتبارها وهمًا أو ضياعًا للوقت.
وأتذكر كلمة قالها لي شخص عزيز عليّ، ما زالت عالقة في ذهني حتى الآن: حين تنزل إلى البحر وتتجه إلى الداخل، فأنت تعافر الأمواج، وحين تتعلم السباحة ستسقط وتكاد تغرق، لكن النجاة ليست لمن يخاف ويرتعب.. بل لمن يتماسك ويعيد بناء نفسه.
ومرة أخرى أعادتني الفلسفة إلى الطريق.. وقفت أمام أبو حامد الغزالي ورحلته الطويلة نحو اليقين، وأمام رينيه ديكارت، وأمام ابن رشد، وكلما قرأت أكثر، اكتشفت أن العالم أوسع بكثير مما كنت أتصور، وأن داخله مساحات لا نهائية من الأسئلة والمعاني.