

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
جاء الموسم الغنائي الصيفي في مصر هذا العام محملاً بظواهر لم تكن مألوفة من قبل، لم يكتف نجوم كبار بالابتذال في الملابس، وتسطيح كلمات أغنياتهم، وتراجع مستوى الألحان، والغناء بالأيدي والأرجل للتغطية على انعدام الموهبة، وإنما حوّل بعضهم (المسرح) من مساحة للغناء إلى منصة لتوريث النجومية بل وحضانة فنية لأبناء لايزالون أطفالاً، وليصبح اسم الأب أو الأم جواز مرور إلى الأضواء، قبل أن يثبت الابن أو الابنة أن لديه ما يؤهله للوقوف أمام الجمهور.
فجأة أصبحنا نشاهد نجوماً كباراً يصعدون بأبنائهم إلى (المسرح)، يقدمونهم للجمهور، ويمنحونهم مساحة للغناء أو المشاركة، وكأننا أمام مراسم تسليم وتسلم رسمية: الأب يسلم الميكروفون، والابن يتسلم الشهرة، والجمهور مطالب بالتصفيق قبل أن يعرف هل أمامه موهبة حقيقية أم مجرد نسخة عائلية قيد التجربة!.
ولعل المفارقة أن ما كان يحدث نادراً في الماضي أصبح اليوم ظاهرة لافتة؛ كانت هناك تجربة أحمد عدوية مع ابنه محمد عدوية، وهذا العام تحول الفعل النادر إلى ظاهرة بفضل نجوم أرادوا فرض أبنائهم على الجمهور في مقدمتهم النجم الأشهر عمرو دياب، الذي ظهر أبناؤه معه في مناسبات مختلفة، حتى بدا الأمر أحياناً وكأن المسرح تحول إلى حفل عائلي موسع، لكن بتذاكر وأسعار حفلات جماهيرية.



تامر حسني وروبي
لم تتوقف القائمة عنده، فقد ظهر أحمد سعد مع ابنته جودي، وقدم تامر حسني ابنته تاليا وابنه آدم في حفله مؤخراً، كما صعدت روبي بابنتها الطفلة طيبة إلى (المسرح)، في مشهد يوحي بأن العدوى انتقلت من نجم إلى آخر: عمرو دياب يفعلها، وأحمد سعد يكررها، وتامر حسني وروبي يدخلان على الخط، بصرف النظر عما إذا كان هؤلاء الأبناء يمتلكون موهبة من عدمه!.
هكذا بدأنا نقترب من موسم جديد يمكن تسميته، من باب السخرية، بـ (موسم توريث الميكروفون).. الأب يغني، ثم يلتفت إلى ابنه قائلاً: تفضل يا بني، خشبة (المسرح) لك، وهذا الجمهور هدية مني إليك، وهذه الشهرة التي احتجت أنا إلى سنوات طويلة لأحصل عليها أقدمها لك من دون أي معاناة بل ومن دون أن تمتلك الموهبة؛ ماعليك سوى أن تبدأ فالطريق ممهد أمامك، ولا داعي للمرور عبر طوابير الموهبة والتدريب والاختبار.
لم تعد المسألة مجرد لحظة عائلية عابرة، فحين صعدت روبي بابنتها إلى (المسرح)، لم تخفِ أن ما تفعله يأتي بتأثير بما فعله عمرو دياب، وكأننا أمام سلسلة فنية جديدة: نجم يفتح الباب، ونجم آخر يدخل منه، ثم يتحول الباب إلى بوابة عائلية لا يُسمح بالمرور منها إلا لمن يحمل لقباً معروفاً.
وهنا نتساءل ..هل الفن يُورث؟
بالتأكيد يمكن أن تُورث الموهبة، وقد يولد الإنسان في أسرة فنية فيمتلك استعداداً حقيقياً للفن، ولعل الوليد الحلاني وأخته ماريتا ابناً عاصي الحلاني مجرد نموذج، لم يفرضهما والدهما على الجمهور.
حيث اشترك الوليد في برنامج (ديو المشاهير)، واستحسنت لجنة التحكيم صوته وأداءه ونال المركز الأول لينطلق بعدها مغرداً بموهبته، أما ماريتا فقد اختارت أن تفرض نفسها بنشر أغنيات لها عبر النت لتحقق الشهرة من باب العالم الافتراضي، وبعد الشهرة لا قبلها شاركهما والدهما الغناء.. الشهرة لا تُورث، والنجاح لا ينتقل دائماً بالجينات، والجمهور لا يمكن توريثه لأحد،.
الفارق كبير بين أن يكون ابن الفنان موهوباً فيحصل على فرصة عادلة لإثبات نفسه، وبين أن يحصل على الفرصة قبل أن يثبت أنه يستحقها لمجرد أنه ابن نجم، فالموهبة ليست بنداً في عقد الزواج، ولا ملحقاً بشهادة الميلاد، ولا هدية عائلية تنتقل من الأب إلى الابن مع مفاتيح السيارة.

آلاف يملكون أصواتاً أجمل
هناك آلاف الشباب الذين يملكون أصواتاً أجمل، ومواهب أكثر نضجاً، وقدرات حقيقية على الغناء، لكنهم لا يجدون منتجاً يتبناهم، ولا نجماً يفتح لهم الباب، ولا منصة تمنحهم دقائق قليلة ليعرفهم الجمهور.
في المقابل، يحصل ابن النجم على فرصة أمام عشرات الآلاف من المتفرجين، فقط لأن شهادة الميلاد الخاصة به تحمل اسم الأب أو الأم.. وقد لا يحتاج حتى إلى تقديم نفسه؛ فالإعلام يتكفل بالمهمة: (والآن مع نجل النجم الكبير)، أما الصوت، فربما يأتي لاحقاً، وحتى لو لم يأت فلا مشكلة.
الطفل أو الشاب الذي يصعد إلى المسرح لأنه ابن فنان لا يكون قد ارتكب خطأ، ولا ينبغي تحميله مسؤولية قرار والديه.. الخطأ الحقيقي أن يتحول اسم الأب إلى بديل عن التدريب، وأن يصبح المسرح مكاناً للتأهيل بدلاً من منصة ترفيه.. من يريد الغناء عليه أن يتعلم، وأن يتدرب، وأن يدرس الموسيقى، وأن يختبر صوته وقدرته على الأداء، وأن يعرف أولاً هل يمتلك المقومات التي تجعله فناناً أم أن كل ما يملكه هو اسم عائلي شهير.
أما أن يصعد الابن إلى (المسرح) أولاً، ثم يبدأ البحث عن الموهبة بعد ذلك، فهذه طريقة عكسية تماماً. كأننا نمنح الطالب شهادة التخرج قبل أن يدخل المدرسة، ثم نطلب منه لاحقاً أن يتعلم القراءة.

الابن نسخة من والده
الأخطر أن هذه الممارسات قد تضر بالأبناء أنفسهم قبل أن تضر بغيرهم، فالظهور المبكر تحت مظلة الأب يجعلهم عرضة لمقارنة قاسية، ويضعهم في مواجهة جمهور يعرف جيداً تاريخ الأب ومستواه، فيصبح الابن مطالباً منذ اللحظة الأولى بأن يكون نسخة من والده، أو أن يثبت أنه يستحق المكان الذي حصل عليه، ناهيك عن التأثير النفسي على هؤلاء حيث تفقدهم هذه الشهرة توازنهم النفسي وتضعهم في عالم من الأوهام.
الجانب الآخر الأكثر قسوةً هو ما يتعلق بالمواهب المجهولة، فكم من شاب مصري يملك صوتاً يستحق أن يسمع؟.. كم من فتاة لديها موهبة حقيقية، لكنها لا تملك أباً مشهوراً؟.. كم من موهبة اختفت لأنها لم تجد منتجاً يؤمن بها، في الوقت الذي يحصل فيه ابن النجم على فرصة جاهزة، وإضاءة جاهزة، وجمهور جاهز، وتصفيق مضمون من باب المجاملة؟
هنا تتحول المسألة من حق عائلي في مشاركة الأبناء لحظات النجاح إلى قضية تكافؤ فرص داخل صناعة تعاني أصلاً من التراجع.
الغناء المصري والعربي لا يحتمل مزيداً من التجارب التي تقدم الاسم قبل الصوت، والشهرة قبل الموهبة، والقرابة قبل الاستحقاق.
ليس مطلوباً منع الفنان من مشاركة ابنه أو ابنته الغناء، ولا مصادرة حق الأب في أن يفرح بموهبة ابنه.. يمكن للفنان أن يقدم ابنه في مناسبة خاصة، أو أن يغني معه في حفل عائلي، أو أن يمنحه فرصة محدودة بعد أن يتأكد من قدرته.. أما أن يتحول كل ظهور عائلي إلى إعلان رسمي عن نجم جديد، فهذه مبالغة لا تخدم الفن ولا الأبناء.
كان النجوم الكبار في الماضي يصعدون إلى المسرح لأنهم نجوم، وبعد سنوات من العمل والتدريب والصراع مع الجمهور والنقاد؛ أما أن يصعد الأبناء إلى (المسرح) لأن آباءهم نجوم، ثم ننتظر من الجمهور أن يصدق أنهم النجوم القادمون، فهذه ليست صناعة للمواهب، وإنما توريث إجباري.