(أنيس منصور).. تحولات الخطاب وإعادة إنتاج الرموز



بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق
في 18 أغسطس من كل عام تحل ذكرى ميلاد (أنيس منصور)، وهى مناسبة تستدعي وقفة مراجعة عقلانية لمسار إعلامي وفكري امتد لعقود وترك أثراً واضحاً في الوعي العام. فالنقاش هنا لا يتعلق بأشخاص بقدر ما يتعلق بنموذج من الكتابة تم توظيفه في لحظات تحول سياسي كبرى.
المسار بدأ بالاصطفاف الكامل مع ثورة يوليو ورمزها.. ففي مرحلة الستينيات لم يعرف عن (أنيس منصور) أي موقف معارض، بل على العكس كان يكتب باستمرار في مديح جمال عبد الناصر، ويؤكد على مشروعية الثورة ودورها في بناء الدولة الحديثة.
وقد تجلى ذلك بوضوح في رثائه للرئيس بعد وفاته مباشرة، حين كتب أن (عبد الناصر كان هو الأمان)، ودعا له بالرحمة وبربط مصير الناس بمصيره.. هذا الموقف استمر لسنوات وظل جزءاً من صورته العامة.
ومع تغير المناخ السياسي في منتصف السبعينيات والانتقال إلى سياسات جديدة، حدث تحول جذري في الخطاب.. بدأ الكاتب نفسه في نشر سلسلة مقالات نقدية حادة جمعها لاحقاً في كتاب (عبد الناصر المفترى عليه والمفترى علينا)، تضمنت هجوماً مباشراً على التجربة الناصرية ورموزها.
وفي الوقت ذاته تحول إلى مدافع دائم عن عهد السادات وعن اختياراته، وصولاً إلى انتقاد الجمهور لأنه ما زال يمجد عبد الناصر.. هذا الانقلاب في المواقف من النقيض إلى النقيض خلال سنوات قليلة يطرح إشكالية الثبات المعياري ويجعل من الصعب التعامل مع الكتابات اللاحقة بوصفها نقداً موضوعياً.


هدم رمز الدولة الوطنية
والأهم أن هذا التحول لم يتوقف عند حدود السياسة.. ففي خاتمة الكتاب ذاته الذي هاجم فيه عبد الناصر، وضع الكاتب فصلاً مطولاً في تمجيد سيد قطب وصفه فيه بأنه (علماً وقرآناً، وجبلاً من الإيمان والصبر واليقين، والعالم الجليل والشهيد الكريم).
وتجاوز ذلك إلى لغة رثائية تقول: (سحب أرواحنا فأصبحنا أشباحاً.. موتى وهو الحي الحقيقي).. هذا الاقتران بين هدم رمز الدولة الوطنية ورفع منظر من أبرز منظري القطيعة معها، لم يكن عرضياً.. كان إعادة ترتيب متعمدة لسلم الأولويات الرمزية في العقل الجمعي.
ويتضح هذا التوجه أكثر عند النظر إلى الموقف من القضية الفلسطينية والعلاقة مع إسرائيل، فعلى مدار الثمانينيات والتسعينيات كان من الأصوات الإعلامية التي دافعت عن فكرة الانفتاح الثقافي على إسرائيل في إطار اتفاقية السلام، واعتبر أن استمرار القطيعة الثقافية يعيق التفاعل.
وفي لحظات كان فيها الشارع المصري يموج بالغضب من ممارسات الاحتلال، اختار (أنيس منصور) أن يخفف من حدة النقد وأن يفسر بعض التصريحات والمواقف الإسرائيلية في إطارها السياسي لا الأخلاقي.
ومن ذلك أنه حين انتخب بنيامين نتنياهو أول مرة وتداولت الصحافة المصرية اسمه بسخرية، كتب مقالاً لشرح أصل الاسم ومعناه (عطية الله)، واعتبر أن السخرية لا تليق.
وفي المقابل تعامل مع الانتفاضة الفلسطينية الأولى بوصفها تحركاً مدفوعاً من الخارج وليست تعبيراً عفوياً عن معاناة شعب تحت الاحتلال، وذلك في نص صريح قلل من أصالتها الشعبية.. هذا التباين بين التعاطف مع اللغة والتاريخ الإسرائيلي والتقليل من شأن المقاومة الفلسطينية يكمل الصورة.
وبذلك يصبح الربط واضحاً.. فمن يهاجم المشروع القومي الذي أسس لاستقلال القرار المصري، ويمجد في الوقت نفسه خطاباً يشرعن الانفصال عن الدولة، ويدعو في الوقت نفسه إلى تطبيع ثقافي وتخفيف سقف المواجهة مع الاحتلال، إنما يخدم في المحصلة مشروعاً واحداً هو تفكيك فكرة الدولة الوطنية الجامعة واستبدالها بنموذج يقوم على التجزئة والتبعية.
ولم يقتصر الأمر على السياسة.. امتد إلى التعامل مع التراث والمقدسات بأدوات السوق، ففي كتاب (الخالدون مائة أعظمهم محمد صلى الله عليه وسلم)، تم نقل المحتوى بالكامل من كتاب (المائة) لمايكل هارت مع إسقاط اسم المؤلف الأصلي وتغيير العنوان ليصبح أكثر جاذبية للقارئ العربي المتدين.

هدم رموز التأسيس
وتجاهل أن الكتاب الأجنبي يتعامل مع النبي الكريم كشخصية تاريخية ضمن قائمة مبنية على معيار التأثير السياسي والعسكري لا على معيار القداسة، ويضع معه أسماء أخرى محل خلاف.. هذا النمط من الكتابة يحول الرموز إلى سلع تسويقية ويفرغها من أبعادها القيمية.
وكانت المحصلة تراكمية على مدى سنوات.. خطاب إعلامي يعيد إنتاج الماضي بما يخدم اللحظة السياسية، ويهدم رموز التأسيس، ويرفع خطاباً بديلاً، ويطبع مع الاحتلال ثقافياً، ويتعامل مع الدين كأداة للتوزيع التجاري.. هذا الخطاب وفر أرضية فكرية لصعود جماعات استخدمت نفس المنطق في القطيعة مع الدولة وفي التعامل الانتقائي مع المقدسات.
ولم يكن ذلك جهد فرد.. كان جزءاً من موجة أوسع في النخبة الثقافية والإعلامية التي عملت على إعادة كتابة تاريخ الخمسينيات والستينيات بما يتسق مع التحولات التي حدثت بعد 1973.. وتحولت المراجعة التاريخية إلى تشويه، والاختلاف إلى إلغاء، والنقد إلى هدم ممنهج.
وما يفسر استمرار هذا المشروع حتى اليوم هو أنه لم يكن عملاً صحفياً معزولاً.. كان يلتقي موضوعياً مع عداء تاريخي متجذر لدى عدد من الملكيات والإمارات العربية لثورة يوليو ولجمال عبد الناصر.. هذه الأنظمة لم تغفر لعبد الناصر كسره لاحتكار العائلة للحكم، ولا دعمه لحركات التحرر، ولا مشروعه للمواطنة المتساوية.
ولذلك مولت ومازالت تمول حملات التشويه ذاتها، وأعادت طبع الكتب ذاتها، واستضافت الأقلام ذاتها.. الهدف لم يكن نقد تجربة، بل كان اجتثاث فكرة الجمهورية من وجدان العرب.
واليوم ما زالت بقايا هذا المشروع حاضرة. نفس المنطلقات تعاد صياغتها، ونفس الثنائيات يتم تكرارها، لأن المعركة لم تكن يوماً مع شخص، بل كانت دائماً مع فكرة الجمهورية، ومع فكرة أن للشعوب حقاً في تقرير مصيرها وكرامتها.
لذلك فإن أي مواجهة جادة للمستقبل يجب أن تبدأ بمراجعة الماضي.. مراجعة موضوعية منصفة لثورة يوليو ودورها في بناء الدولة الوطنية، ومراجعة نقدية للمنتج الثقافي الذي ساهم في تشويهها، ووضع ضوابط مهنية تمنع توظيف الثقافة والدين في الصراع السياسي، فالذاكرة الوطنية ليست ملكية خاصة، والتاريخ لا يحتمل العبث.