رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب: حين يصبح القطاع الخاص هو الطرف الغائب عن (الثقافة)!

عصام السيد يكتب: حين يصبح القطاع الخاص هو الطرف الغائب عن (الثقافة)!
الدولة، مهما اتسعت قدرتها، لا تستطيع أن تحمل وحدها كل الإنتاج الثقافي

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

إذا كان الإنسان هو محور التنمية، فإن (الثقافة) ليست ترفًا.. وإذا كانت (الثقافة) أداة لبناء الوعي، فإن إضعافها ليس مجرد تقليل لنشاط ترفيهي، وإذا كانت الصناعات الثقافية مصدرًا للقوة الاقتصادية، فإن خروج المنتج الخاص من الساحة ليس مسألة تجارية تخص بعض رجال الأعمال، وإنما خلل يصيب أحد الأضلاع التي أرادت الدولة، في رؤيتها لمصر 2030، أن تقوم عليها عملية التنمية.

لقد تحدثنا في المقالات السابقة عن الدولة باعتبارها المنتج الذي لا يجوز له أن ينسحب من المجال الثقافي؛ لأن هناك مناطق لا يصل إليها السوق، وقضايا لا يحسن تركها لقانون العرض والطلب وحده، وفي مقدمتها بناء الوعي والهوية ومواجهة التطرف وإتاحة (الثقافة) لمن لا يستطيع شراءها.

لكن الدولة، مهما اتسعت قدرتها، لا تستطيع أن تحمل وحدها كل الإنتاج الثقافي. وهنا يظهر الطرف الثاني في المعادلة: القطاع الخاص، وهذه ليست مجاملة للقطاع الخاص، ولا محاولة لإخراج الدولة من مسؤوليتها. إنها ببساطة اعتراف بأن الثقافة، إذا أريد لها أن تتحول إلى صناعة، تحتاج إلى أكثر من مصدر واحد للتمويل والإنتاج والتوزيع.

ورؤية مصر 2030 نفسها لا تنظر إلى التنمية بوصفها مهمة حكومية خالصة؛ ففي فصل الحوكمة والشراكات تتحدث صراحة عن تعزيز الشراكات مع مؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني، وعن مسؤولية مشتركة بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني في تحقيق أداء أكثر فاعلية وكفاءة.

عصام السيد يكتب: حين يصبح القطاع الخاص هو الطرف الغائب عن (الثقافة)!
إذا أريد للثقافة أن تصبح صناعة، فإن المعادلة الصحيحة هي أن تنتج الدولة حيث يجب أن تنتج

دعم الصناعات الثقافية

بل إن الوثيقة تذهب في المجال الثقافي إلى ما هو أبعد من مجرد قبول مشاركة القطاع الخاص؛ فتضع دعم الصناعات الثقافية كمصدر قوة للاقتصاد ضمن السياسات المستهدفة.

وهنا تبدأ المسألة الحقيقية: إذا كانت الدولة وحدها تنتج، فسوف تظل (الثقافة) رهينة قدرتها المالية، وإذا خرج القطاع الخاص من الإنتاج، أصبحت الدولة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن تقلل النشاط، وإما أن تتحمل وحدها تكلفة إنتاجه.

أما إذا أريد للثقافة أن تصبح صناعة، فإن المعادلة الصحيحة هي أن تنتج الدولة حيث يجب أن تنتج، ويستثمر القطاع الخاص حيث يستطيع أن يستثمر، ويشارك المجتمع المدني حيث يستطيع أن يشارك، ثم تعمل هذه الأطراف جميعًا داخل سوق ثقافية لها قواعد واضحة ومعلنة وقابلة للحياة.

لكن ماذا يحدث عندما يدخل المنتج الخاص إلى المسرح؟ هنا تبدأ حكاية أخرى، فالمسرح الخاص لا يدخل إلى قاعة فارغة، إنه يدخل إلى منظومة من التكاليف تبدأ قبل أن يرفع الستار، ولا تنتهي إلا بعد أن ينصرف آخر متفرج: هناك إيجار المسرح، وهناك أجور الفنانين، وهناك الديكور والملابس والإضاءة والصوت والنقل والتأمين والتسويق، وهناك تكلفة التشغيل اليومية، ثم الضرائب والرسوم التي تتوزع على مراحل مختلفة من العملية.

وليس المسرح في مصر سوقًا مفتوحة تستطيع فيها الفرق أن تجد عشرات القاعات المنافسة، وأن تختار بينها وفقًا للسعر والموقع والإمكانات. ندرة المسارح تجعل المكان نفسه عنصرًا ضاغطًا في معادلة الإنتاج، وترفع تكلفة الوصول إلى الخشبة قبل أن يبدأ المنتج في حساب ما يمكن أن يعود إليه من شباك التذاكر.

ثم تأتي التذكرة، وهنا تظهر ضريبة الملاهي، التي تفرض على مقابل دخول المسرح. ووفق البيانات المنشورة رسميًا من مصلحة الضرائب العقارية، تبلغ النسبة المقررة على عروض دور المسرح 10% من مقابل الدخول، فضلًا عن رسوم إضافية مرتبطة ببعض أنواع العروض، مثل الحفلات الغنائية التي ترتفع ضريبتها إلى 25%..

وقد يبدو الرقم، مجردًا، رقمًا عاديًا في دفتر الضرائب، لكنه لا يبدو كذلك حين يوضع فوق كومة التكاليف التي يتحملها المنتج؛ فالضريبة لا تأتي وحدها، بل إنها تأتي بعد أن يكون المنتج قد دفع إيجار المسرح، وأجور الفنانين، وتكلفة الإنتاج، والإضاءة، والديكور، والتشغيل، ثم يحتاج إلى أن يبيع عددًا كافيًا من التذاكر حتى يسترد ما دفعه أصلًا، فضلًا عن تحقيق هامش يسمح له بإعادة التجربة.

عصام السيد يكتب: حين يصبح القطاع الخاص هو الطرف الغائب عن (الثقافة)!
الإعلان، في المسرح ليس ترفًا، وإنما هو الوسيلة التي تجعل الجمهور يعرف أن العرض موجود

الإعلان في المسرح ليس ترفًا

ثم هناك الإعلان، وهو في المسرح ليس ترفًا، وإنما هو الوسيلة التي تجعل الجمهور يعرف أن العرض موجود.. وقد ارتبطت الإعلانات في تاريخ التشريع الضريبي المصري بأعباء مرتفعة؛ فقد كانت بعض أوعية الإعلان تخضع تاريخيًا لضريبة دمغة بلغت 36%، ثم خُفضت هذه النسب في مراحل لاحقة.

أما الوضع الحالي فقد تغير تشريعيًا، إذ ألغى قانون 3 لسنة 2022 ضريبة الدمغة على الإعلانات، وأخضع الخدمات الإعلانية للسعر العام لضريبة القيمة المضافة البالغ 14%، لكن بقاء العبء الضريبي على الخدمة الإعلانية لا يغير جوهر المشكلة: الإعلان نفسه جزء من تكلفة الوصول إلى الجمهور.

ثم نصل إلى العنصر الأصعب: الفنان نفسه.. لقد تغير سوق العمل الفني، والنجم الذي كان يجد في المسرح مساحة أساسية من مسيرته، أصبح أمام سوق تليفزيونية وسينمائية أوسع، وإيراداتها المحتملة أكبر، وانتشارها أسرع، والجمهور الذي تصل إليه أضخم، ولذا أصبح المسرح، بالنسبة إلى عدد من النجوم، اختيارًا له تكلفة مرتفعة.

فإذا أردنا أن يعود النجم إلى المسرح، يجب أن يصبح المسرح قادرًا على تحمل تكلفة وجوده، وإذا أردنا أن يصبح المسرح قادرًا على تحمل هذه التكلفة، يجب أن يصبح لديه جمهور، وإذا أردنا جمهورًا، يجب أن نصل إليه.. وهكذا تعود بنا الدائرة مرة أخرى إلى التسويق، وسعر التذكرة، والإعلان، وعدد العروض، واستغلال المسرح، والضرائب، وحجم السوق.

وهنا يصبح السؤال أكثر بساطة: كم تذكرة يجب أن يبيعها المسرح الخاص حتى يبدأ في الربح؟ فالمسرح، بخلاف كثير من الأنشطة، لا يستطيع أن يبيع بضاعته على رف طويل العمر؛ فالمقعد الذي لم يُبع الليلة لا يمكن تخزينه إلى الغد، والعرض الذي لعب أمام نصف قاعة لا يستطيع أن يعيد النصف الآخر من المقاعد إلى المخزن ليبيعه في الأسبوع المقبل.

هذه هي خصوصية المسرح التي لا تظهر في الجداول المالية؛ إنه منتج سريع التلف، وقته محدد، ومكانه محدد، وعدد مقاعده محدد، ولذلك فإن كل قرار يرفع تكلفة التذكرة أو الإعلان أو المكان يضرب اقتصاديات العرض مباشرة.

عصام السيد يكتب: حين يصبح القطاع الخاص هو الطرف الغائب عن (الثقافة)!
ما الذي تريد أن تحققه من الضريبة، إذا كان الهدف زيادة الحصيلة؟

توسيع قاعدة النشاط

لكن هناك جانبًا آخر للمشكلة لا يتعلق بالضرائب وحدها: إن المنتج الخاص يحتاج إلى يقين، وهذه كلمة اقتصادية شديدة الأهمية؛ فالمستثمر يستطيع أن يتحمل الضريبة إذا عرف مقدارها، ويستطيع أن يتحمل الإيجار إذا عرف قيمته، ويستطيع أن يتحمل أجور النجوم إذا استطاع أن يضعها في ميزانية.

أما الذي لا يستطيع تحمله فهو أن يدخل سوقًا لا يعرف قواعدها، أو تتغير فيها التكلفة قبل أن يبدأ، أو تتعدد الجهات التي يتعامل معها، أو تتشابك الإجراءات إلى الحد الذي يصبح فيه المنتج الثقافي بحاجة إلى فريق قانوني ومالي أكبر من فريقه الفني؛ فالاستثمار لا يخاف من التكلفة فقط، إنه يخاف من عدم القدرة على حساب التكلفة، وهنا تصبح البيئة التشريعية جزءًا من اقتصاد الثقافة.

وفي نهاية السلسلة يسأل الجميع: لماذا لا يوجد مسرح خاص؟ والجواب قد يكون أن النظام كله صُمم بطريقة تجعل الاستثمار في المسرح أكثر صعوبة مما ينبغي.

وليس الحل، بالطبع، هو إعفاء المسرح الخاص من كل الضرائب، كل المطلوب أن تسأل الحكومة نفسها سؤالًا آخر: ما الذي تريد أن تحققه من الضريبة؟ إذا كان الهدف زيادة الحصيلة، فهل أفضل وسيلة هي فرض أعباء مرتفعة على صناعة لا تزال صغيرة أصلًا؟ أم أن الأفضل هو توسيع قاعدة النشاط، وخفض تكلفة الدخول إلى السوق، وتشجيع عدد أكبر من المنتجين، ثم تحصيل الضرائب من قطاع أصبح أكبر وأكثر قدرة على الدفع؟

إن الضريبة يمكن أن تكون أداة لتمويل الدولة، لكنها يمكن، إذا صُممت دون النظر إلى طبيعة النشاط، أن تصبح أداة لتقليص الوعاء الضريبي نفسه، وهنا تكمن المفارقة الاقتصادية.

قد ترفع الدولة نسبة الضريبة، فتبدو الحصيلة في الحساب النظري أكبر، لكن إذا خرج المنتج من السوق، فلن توجد ضريبة أصلًا، وإذا توقف المسرح، فلن توجد تذاكر، وإذا لم توجد تذاكر، لن توجد ضريبة ملاهٍ، وإذا لم يوجد إنتاج، فلن توجد أرباح تخضع لضريبة الدخل، وإذا لم توجد صناعة ثقافية، فلن توجد صناعة يمكن أن تنمو أصلًا.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.