الراحلون يعودون!.. سهيل إلياس بطل الدورة في ليلة (مسرح الرحالة) الكبرى

عمّان: حسام عطية
في عمّان، لا يبدو المسرح دائمًا بحاجة إلى ستارة تُرفع كي تبدأ الحكاية.. أحيانًا يكفي أن يتسع المكان للناس، وأن يخرج الممثل من خشبته التقليدية إلى فضاء مفتوح، حتى يصبح الشارع والساحة والبيت القديم جزءًا من العرض، ويصبح الجمهور شريكًا في صناعة اللحظة، ومن هذه الفكرة تحديدًا يعود مهرجان (مسرح الرحالة) الدولي للفضاءات المغايرة إلى المشهد الأردني في دورته الخامسة.
دورة مهرجان (مسرح الرحالة) التي تنطلق غدًا الأحد 23 أغسطس، في ساحة مسرح أسامة المشيني بجبل اللويبدة، برعاية وزير الثقافة الأردني مصطفى الرواشدة، وبحضور عدد كبير من الفنانين والمثقفين والنقاد والإعلاميين.
لكن هذه الدورة لا تأتي كرقم جديد في عمر المهرجان فقط، وإنما تحمل في داخلها قدرًا كبيرًا من الوفاء والذاكرة، بعدما اختارت إدارة المهرجان أن تحمل الدورة اسم الفنان الأردني الراحل سهيل إلياس، أحد الأسماء التي تركت بصمة واضحة في مسيرة المسرح والدراما التلفزيونية الأردنية على امتداد خمسة عقود من العطاء.
وهنا تبدو الحكاية أكثر عمقًا؛ فمهرجان يحتفي بالمسرح، يختار أن يبدأ دورته الجديدة باستعادة رجل من ذاكرة المسرح، وكأنه يقول إن التجديد لا يعني أبدًا أن ندير ظهورنا للماضي.



سهيل إلياس عنوانًا للدورة
اختيار اسم سهيل إلياس عنوانًا للدورة ليس مجرد تكريم تقليدي، وإنما محاولة لإعادة فتح ملف تجربة فنية كاملة أمام الأجيال الجديدة، فالرجل الذي امتدت مسيرته لنحو خمسين عامًا لم يكن مجرد فنان عابر في المشهد الأردني، وإنما واحد من الذين شاركوا في تأسيس وتطوير الحركة المسرحية والدراما التلفزيونية الأردنية.
ولهذا سيكون حضوره ممتدًا طوال أيام مهرجان (مسرح الرحالة)، ليس فقط من خلال إطلاق اسمه على الدورة، وإنما أيضًا عبر ندوة تكريمية تستعيد مسيرته، ويفتح خلالها النقاد والفنانون دفاتر الذاكرة للحديث عن تجربة تركت أثرها في الحركة الفنية الأردنية.
وتقام الندوة الثلاثاء 25 أغسطس بعنوان (الفنان الأردني الراحل سهيل إلياس.. خمسة عقود من العطاء الفني المبدع)، ويديرها الناقد والإعلامي الأردني رسمي محاسنة.
ويأتي حفل الافتتاح محملًا أيضًا برسالة تقدير لجيل من المبدعين الأردنيين، حيث يكرم وزير الثقافة مصطفى الرواشدة خمس شخصيات فنية وثقافية تركت حضورًا مهمًا في مجالات مختلفة.
وتضم قائمة المكرمين الكاتب المسرحي والروائي هزاع البراري، والمخرج التلفزيوني محمد يوسف العبادي، والمخرجة والممثلة المسرحية لينا التل، والمخرج السينمائي والتلفزيوني فيصل الزعبي، والملحن والمؤلف الموسيقي الدكتور هيثم سكرية.
واللافت أن القائمة لا تنحاز إلى مجال فني واحد، وإنما تجمع الكاتب والمخرج والممثل والموسيقي، في صورة تعكس اتساع مفهوم التكريم داخل المهرجان، باعتبار أن المسرح والفن صناعة جماعية لا يصنع مجدها ممثل واحد على الخشبة.
أما قلب مهرجان (مسرح الرحالة) الحقيقي، فيبقى فوق الخشبة وفي الفضاءات التي ستستقبل عروض الدورة الخامسة، ويشارك في المهرجان 12 عرضًا مسرحيًا من الأردن وتونس ولبنان وفلسطين والسعودية والعراق وسوريا وفرنسا، في توليفة عربية ودولية تمنح الدورة تنوعًا واضحًا في التجارب والأساليب.
ومن الأردن تشارك عروض (الخادمات، أخشاب حية، سراب، ترويض الشرسة، أنا والعذاب وهواك)، بينما تحضر تونس من خلال (مراهين)، ولبنان بعرضي (الكمبوشة، قوم يابا)، وفلسطين من خلال (الخجول)، والمملكة العربية السعودية بعرض (صدى الحرباء)، والعراق بعرض (اهمس في أذني السليمة)، فيما تشارك سوريا وفرنسا بالعرض المشترك (حديقة الحيوانات).

خصوصية (مسرح الرحالة)
وهذا التنوع لا يضع الجمهور أمام عروض مختلفة فقط، وإنما يفتح بابًا لمقارنة التجارب العربية، وكيف يرى كل مجتمع نفسه ومشكلاته وأسئلته فوق المسرح.
وهنا تأتي خصوصية (مسرح الرحالة)، فالمهرجان لا يريد أن يحبس المسرح داخل القاعة، وإنما يمنحه فرصة للذهاب إلى أماكن أخرى، ولذلك تتوزع الفعاليات بين المركز الثقافي الملكي، وساحة مسرح أسامة المشيني بجبل اللويبدة، وبيت الفن الأردني في وسط البلد، وبيت الشاعر الأردني حبيب الزيودي – بيت الشعر الأردني المطل على المدرج الروماني.
إنها فلسفة (الفضاءات المغايرة) التي تجعل المكان جزءًا من التجربة، وتمنح العرض علاقة مختلفة مع الجمهور، فحين يشاهد المتلقي عرضًا في مكان غير تقليدي، لا يعود مجرد متفرج يجلس في مقعد مظلم وينتظر نهاية الحكاية؛ يصبح المكان نفسه عنصرًا من عناصرها، وهذه واحدة من أهم المغامرات التي يخوضها المهرجان في كل دورة.
ومن يعرف المسرح جيدًا يعرف أن المهرجان الحقيقي لا يقاس بعدد العروض فقط، لذلك يخصص (مسرح الرحالة) مساحة مهمة للندوات الفكرية، حيث تقام الاثنين 24 أغسطس ندوة (مسرح الرحالة 35 عامًا في اكتشاف المسرح)، ويديرها الكاتب والمخرج الأردني الدكتور مخلد الزيودي.
وهنا يتحول المهرجان من منصة للمشاهدة إلى مساحة للتفكير في تجربة مسرحية ممتدة، ومحاولة قراءة ما قدمه (الرحالة) طوال سنواته، وما الذي يمكن أن يضيفه مستقبلًا إلى المشهد المسرحي.
ولأن المسرح لا يستمر إلا بتجديد دمائه، يفتح المهرجان أبوابه أيضًا أمام المواهب الجديدة من خلال أربع ورش متخصصة تقام خلال الفترة من 24 إلى 26 أغسطس.
هناك ورشة (فن الممثل) بإشراف المخرج والممثل التونسي معز قديري، وورشة (التمثيل الإيمائي) بإشراف الفنان الفلسطيني سعيد سلامة، وورشة (مسرح الغرفة) بإشراف الأخوين ملص من سوريا، إلى جانب ورشة (فن المهرج) بإشراف المخرج التونسي أيوب عوينتي.
والفكرة هنا أبعد من مجرد تدريب سريع؛ فالمهرجان يحاول أن يضع يده على الحلقة الأهم في مستقبل المسرح: الممثل الشاب الذي يحتاج إلى المعرفة والتجربة بقدر حاجته إلى الموهبة.
وتضم لجنة تحكيم الدورة الخامسة المخرج الأردني نبيل نجم رئيسًا، وعضوية الممثلة والمخرجة الأردنية أسماء القاسم، والممثل والمخرج السوري هشام كفارنة، والفنان الفلسطيني سعيد سلامة، والناقد المسرحي العراقي الدكتور حيدر محمد.

عبارة (مسرح لكل الناس)
وجود أسماء من الأردن وسوريا وفلسطين والعراق داخل لجنة واحدة يمنح المنافسة روحًا عربية، ويؤكد أن المهرجان لا ينظر إلى المسرح باعتباره تجربة محلية مغلقة، وإنما كحوار مفتوح بين مدارس وثقافات وتجارب مختلفة.
وبعيدًا عن الأضواء، هناك فريق كامل يعمل حتى تصل الدورة إلى جمهورها بالصورة التي تليق بها، ويتولى الفنان محمد السوالقة إدارة التجهيزات الفنية والديكورات والإكسسوارات، بينما يدير الفنان سيف الخلايلة الصوتيات، ويتولى الفنان قيس حكيم ملف السوشيال ميديا، ويشرف محمد العقيل على الحركة والنقليات، بينما يتولى حسام المصري الاستقبال.
أما التصوير الفوتوغرافي والفيديو فيديره علاء القداح، ويتولى يوسف الصرايرة إدارة التصميم والمطبوعات، وهى تفاصيل قد لا يراها الجمهور عندما يجلس لمشاهدة العرض، لكنها في الحقيقة جزء أساسي من صناعة المهرجان.
ربما تختصر عبارة (مسرح لكل الناس) جوهر هذه الدورة أكثر من أي وصف آخر، فالمسرح هنا لا يريد أن يبقى نخبة مغلقة على نفسها، ولا أن يعيش داخل قاعات بعيدة عن الناس، وإنما يحاول أن يقترب منهم، وأن يذهب إليهم، وأن يستعيد دوره باعتباره مساحة للحوار والدهشة والأسئلة.
ولهذا فإن الدورة الخامسة من (مسرح الرحالة) تبدو وكأنها تسير في اتجاهين متوازيين: عين على المستقبل من خلال المواهب والورش والتجارب الجديدة، وعين على الذاكرة من خلال الاحتفاء بسهيل الياس وتكريم رموز الفن الأردني، وبين الاثنين، تتحرك عمّان خلال أيام المهرجان كمدينة مفتوحة على المسرح.