(نادي سينما المرأة).. حين تصبح الكاميرا صوتًا لمن لا يسمعهم أحد


كتبت: سدرة محمد
هل تحتاج السينما دائمًا إلى أسماء كبيرة حتى تستطيع أن تقول شيئًا مهمًا؟.. تجربة (نادي سينما المرأة) الذي أقامه المركز القومي للسينما بسينما الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تقول العكس تمامًا.
فهنا لم تكن الأضواء موجهة إلى نجوم شباك التذاكر، ولا إلى مخرجين صنعت أسماؤهم شهرة مسبقة، وإنما إلى مجموعة من الأفلام التي خرجت من رحم مدرسة السينما والتليفزيون برئاسة المخرجة الدكتورة منى الصبان، حاملة معها أفكارًا شابة، وأسئلة إنسانية، ومحاولات تبحث عن مكان لها على خريطة السينما.
فعالية (نادي سينما المرأة) التي أقيمت برئاسة الدكتور أحمد صالح، وأدارتها الناقدة السينمائية شاهنده محمد علي، لم تكن مجرد برنامج عرض أفلام قصير، بل بدت أقرب إلى كشف حساب لمواهب تتعلم كيف تنظر إلى المجتمع من خلال العدسة، وكيف تحول التفاصيل اليومية إلى حكايات قابلة لأن تعيش على الشاشة.
تضمنت الأمسية عرض مجموعة من المشروعات التي تنوعت موضوعاتها وزواياها، لكنها التقت جميعًا عند أسئلة الإنسان والمرأة والأسرة والهوية.
البداية جاءت مع فيلم (راضية) تأليف وإخراج منى إبراهيم خضري، الذي يقترب من معاناة المرأة العربية المغتربة، بكل ما تحمله الغربة من إحساس بالعزلة والارتباك ومحاولات الحفاظ على الذات بعيدًا عن الوطن.
ثم جاء (نص حالة) من إخراج محمد حافظ، ليذهب إلى منطقة أكثر تعقيدًا تتعلق بالهوية، وبالصراع بين الحقيقة والوهم، في محاولة لفتح سؤال مهم حول الصورة التي نصنعها عن أنفسنا، والصورة التي يفرضها علينا الواقع.
أما (زواج صامت)، من إخراج منى حافظ، فيضع العلاقات الزوجية تحت المجهر، من خلال تأثير المسؤوليات اليومية والضغوط المتراكمة التي قد تجعل الصمت أحيانًا لغة بديلة للحوار.
وفي (بالطو)، سيناريو وإخراج مدحت الشاعر، تعود المرأة إلى مساحة التضحية، وإلى ذلك الدور الذي تتحمل فيه فوق طاقتها من أجل الأسرة، وكأن الفيلم يطرح السؤال القديم الجديد: إلى متى تظل المرأة مطالبة بأن تدفع فاتورة الجميع؟
بينما يذهب فيلم (الدروج) إخراج حميد بن سعيد عامري، إلى مساحة أكثر حساسية مرتبطة بالأم وحقها في رعاية طفلها، في مواجهة ضغوط أسرية واجتماعية قد تحول الأمومة نفسها إلى معركة.

قضايا المرأة.. شعارات جاهزة
المثير في هذه التجارب أنها لم تتعامل مع قضايا المرأة باعتبارها شعارات جاهزة، وإنما حاولت أن ترى المرأة في تفاصيل حياتها.. وهذا فارق مهم، فالسينما التي تتحدث عن المرأة بشكل مباشر قد تقع بسهولة في الخطابة، لكن السينما التي تراقب تفاصيلها وتتناول مخاوفها وصراعاتها وتناقضاتها، تستطيع أن تترك أثرًا أعمق.
وهنا يبدو أن طلاب مدرسة السينما والتليفزيون يحاولون الاقتراب من المنطقة الصعبة: كيف تجعل القضية إنسانية قبل أن تجعلها نسوية؟
فالمرأة المغتربة إنسانة قبل أن تكون حالة اجتماعية، والزوجة التي تكابد المسؤوليات ليست مجرد (رمز)، والأم التي تصارع من أجل طفلها ليست عنوانًا لقضية، وإنما شخصية كاملة لها مشاعرها وخوفها وحقها في أن تُرى وتُسمع.
بعد انتهاء عروض الأفلام، لم تنتهِ الفعالية، بل بدأت المرحلة الأهم، فقد أُقيمت ندوة أدارتها الناقدة السينمائية شاهنده محمد علي، بحضور الدكتورة منى الصبان وصنّاع الأفلام، لتفتح مساحة للنقاش حول ما شاهد الجمهور، وحول التجربة التعليمية نفسها.. وهنا تحولت الشاشة إلى مرآة.
فلم يعد السؤال فقط: (ما الذي قاله الفيلم؟)، وإنما أصبح أيضًا: لماذا اختار المخرج هذه القضية؟ وكيف صاغها؟ وما الذي واجهه أثناء تنفيذها؟.. كما تناول النقاش نشأة مدرسة السينما والتليفزيون، وتجربة الطلاب داخلها، والمراحل التي تمر بها المشروعات قبل أن تصل إلى الشاشة.
وهذا النوع من الحوار ربما يكون أهم من التصفيق نفسه، لأنه يمنح المخرج الشاب فرصة لسماع الأسئلة النقدية مبكرًا، قبل أن يتحول إلى اسم كبير يجد حوله من يجاملونه أكثر ممن يناقشونه.. وهنا تظهر أهمية مدرسة السينما والتليفزيون برئاسة المخرجة الدكتورة منى الصبان.. فالمؤسسات التي تعلم السينما لا تُقاس فقط بعدد الدارسين الذين يمرون من أبوابها، وإنما بقدرتها على إطلاق صوت جديد.
وشاهنده محمد علي شددت على أهمية المدرسة في دعم المواهب الشابة وإتاحة الفرصة أمامها للتعلم والممارسة، بما يسهم في إعداد جيل جديد من السينمائيين القادرين على تقديم رؤى مختلفة ومواصلة مسيرة صناعة السينما.

مخرج يتعلم كيف يرى
وهذه الفكرة في حد ذاتها تستحق التوقف، فصناعة السينما لا تحتاج فقط إلى إنتاج أفلام، وإنما تحتاج قبل ذلك إلى صناعة سينمائيين.. إلى مخرج يتعلم كيف يرى، وكاتب يتعلم كيف يروي، ومصور يعرف أن اللقطة يمكن أن تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.. ونقاد يستطيعون مناقشة التجربة دون قتلها.
الفعالية أيضًا تؤكد الدور الذي يمكن أن تلعبه الأندية السينمائية عندما تتعامل مع السينما باعتبارها مساحة للحوار لا مجرد تسلية، ففكرة (نادي سينما المرأة) لا تتمثل فقط في اختيار أفلام تتناول قضايا النساء، وإنما في منح هذه الأفلام فرصة لأن تجد جمهورًا، وأن تخضع للنقاش، وأن تخرج من حدود الفصل الدراسي أو العروض المغلقة إلى مساحة عامة.
وهذا ربما يكون أخطر جزء في التجربة، لأن الموهبة التي لا تجد من يشاهدها تناقش نفسها في الفراغ، أما عندما يخرج الفيلم إلى الجمهور، فتبدأ الرحلة الحقيقية.
هل نحن أمام جيل جديد من صانعات وصنّاع السينما؟.. ربما يكون من المبكر إطلاق أحكام نهائية على هذه التجارب، فهي في النهاية مشروعات مرتبطة بطلاب ومرحلة تعليمية، لكن أهم ما فيها أنها تكشف عن رغبة حقيقية في الكلام.
الكلام عن الاغتراب.. عن الزواج.. عن الأمومة.. عن الهوية.. عن التضحية.. عن المساحات الرمادية التي تتحرك فيها المرأة كل يوم.. وهذا وحده مؤشر صحي، فالسينما الشابة لا تحتاج أن تكون كاملة من أول محاولة؛ تحتاج أن تكون صادقة، جريئة في السؤال، وقابلة للتطور، وهذه الأفلام تبدو وكأنها تقول شيئًا واضحًا: هناك جيل جديد لا يريد فقط أن يتعلم كيف يصنع فيلمًا، بل يريد أن يعرف ماذا يقول بهذا الفيلم.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل ما حدث في ليلة الهناجر أن المرأة لم تكن هذه المرة مجرد شخصية أمام الكاميرا.. كانت هناك في الكادر، وفي الفكرة، وفي القضية، وفي النقاش، وفي مقعد المتفرج، بل وحتى في الحلم بأن تكون لها كلمة جديدة في سينما الغد.
ومن هنا تأتي قيمة (نادي سينما المرأة)، لأنه لا يكتفي بعرض أفلام عن المرأة، وإنما يفتح الباب أمام سينما تبحث عن أصوات جديدة.. وتراهن على أن الكاميرا حين تقع في اليد الصحيحة، تستطيع أن تجعل قضية صغيرة تبدو كأنها قضية العالم كله.