
بقلم الكاتب والناقد: ناصر العزبي
في الفن، كما في الحياة، هناك شخصيات لا يمكنك رصدها عبر سرد أرقام أو قائمة أعمال، لأنها تتجاوز الورق لتسكن الوجدان.. رسم بورتريه للفنان القدير (يحيى الفخراني) يعني محاولة الإمساك بروح متجددة، وقراءة ملامح وجه فني تشكلت عبر عقوداً من الزمان، لتصل اليوم إلى ذروة نضجها الفني، والبصمة الخاصة ذات الهيبة.
ابن (دلتا النيل) المولود بمحافظة الدقهلية، لم يدخل معاهد الفنون من بابها الواسع، بل غزا الفن من نافذة كلية الطب بجامعة عين شمس في أواخر الستينيات.
وهناك، بين علوم الطب وفهم النفس البشرية والتحليل للتمكن من دقة التشخيص، ظهر ميله للمسرح واهتمامه بتحليل النصوص وأبعادها، والتعامل مع الكلمة لضبط نبضها، ليبث الروح فيها بما يمنحها الحياة.. تلك البداية منحت الفخراني ميزة فريدة: بين دقة الطبيب في تشخيص النفس البشرية ورسالته الإنسانية، وروح الفنان ومعايشته لها وتأديتها.



تعدد المسارات وتسجيل البصمة
عندما نتأمل ملامح (يحيى الفخراني) الفنية، ندرك أنها لم تُرسم بلون واحد، ولم يحدها إطار يحد من مسارها، بل نجدها تتسع وتتشعب مكونة بصمة متفردة عبر مسارات فنية متعددة.. ففي السينما، أثرى الفخراني السينما بأكثر من 40 فيلماً سجل بهما حضورًا بارزًا.
استقر اثنان منها ضمن قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية هما (للحب قصة أخيرة، وخرج ولم يعد)، وفي الدراما التلفزيونية، تفوق في تجسيده أدوارًا بأداءاتٍ لا تُنسى؛ وقد عرفه الجمهور من خلال مسلسل (أبنائي الأعزاء شكراً) الذي كان مفتاح لشهرته.
مروراً بـأعمال كثيرة ناجحة منها؛ (ليالي الحلمية، زيزينيا، يتربى في عزو، ونوس)، وصولاً إلى (عباس الأبيض، شيخ العرب همام، نجيب زاهي زركش، وعتبات البهجة).
لم تتشكل ملامحه فقط عبر الصورة، بل تشكلت عبر الصوت أيضًا، إذ سجل به بصمة خاصة لها تواجد مميز لم يغب عن هذا البورتريه. إذ ارتبط صوت الفخراني بأعمال للأطفال، بمسلسلات الكارتون والدبلجة؛ مثل تأديته لشخصية (وودي) في فيلم (حكاية لعبة) بجزءيه، وتأديته أعمالاً للأطفال عن قصص من القرآن الكريم.
وأخرى عن عجائب القصص، وقصص النساء، وقصص الإنسان، وقصص الحيوان.. في هذا التنوع الصوتي للفخراني، تتجلى مرونة فنية لا تعرف الجمود، ليرسم بصوته ملامح إضافية في بورتريه تفيض بالدفء والقرب من القلوب.

عشقه للمسرح
مع كل نجاحاته التلفزيونية والسينمائية بل والإذاعية، ورغم الإغراءات الكبيرة للشاشة، إلا أن المسرح ظل هو عشقه وملاذه، والذي يسجل الملمح الأبرز في بورتريه نجمنا.. فهو على الخشبة، لا يؤدي الشخصية من الخارج، بل يعايشها من الداخل، وينفخ فيها من روحه ما يكسب أدائه مصداقيه ينفذ من خلالها إلى أفئدة الجمهور.
عشق (يحيى الفخراني) للمسرح ليس مجرد انتماء وظيفي، بل إنه مكان يفرض عليه التزامًا طقسيًا مقدسًا بمجرد دخوله قبل بدء العرض بوقت كافي؛ فهو يتهيأ للعرض في كل ليلة جديدة يلتقي فيها بالجمهور، وعيًا منه باختلاف جمهور كل ليلة عن الأخرى، ما يجعله يتحسب اختلاف التلقي وردود الفعل بين جمهور ليلة وأخرى، متحسبًا للكبار والأطفال على حد سواء.
عشقه للمسرح أمده بطاقة حيوية جعلته يبدو على الخشبة بشغف الشباب الدائم. وفي مسيرة حافلة بالخبرة، التقى هذا الشغف بحكمة النضج، ليمنحانه كاريزما خلاقة أكسبت أداءه عمقًا وواقعية.. ويكتمل هذا المشهد بـمعايشته التامة للدور، وبحضوره الطاغي، وسرعة البديهة.
إلى جانب فخامة الأداء التي تبرز جماليات اللغة وتمكنه الإبداعي في الإلقاء؛ لتتضافر كل تلك العناصر فيتحول العرض إلى معزوفة حية نابضة بالإيقاع الجاذب. ومع احترامه العميق للجمهور، تتلاقى كل هذه السمات فتجعل المتلقي يعيش حالة من الامتلاء الوجداني والعمق الإنساني.


التتويج في (الملك لير)
واليوم، تتجلى كل الملامح الفنية للفنان القدير (يحيى الفخراني) في شخصية الملك (لير)، تلك الشخصية الاستثنائية التي تماست مع ملامحه وتقمصها بصدق. ولم يكتفِ الفخراني بتقديمها مرة، بل لم يتردد في تجسيدها على مدار ثلاث فترات زمنية.
عبر ثلاث رؤى إخراجية: الأولى عام 2001 على خشبة المسرح القومي بإخراج أحمد عبد الحليم، والثانية عام 2019 بالقطاع الخاص بإخراج تامر كرم.. أما الرؤية الثالثة والأحدث، فقد انطلقت العام الماضي على خشبة المسرح القومي بإخراج شادي سرور.
وقد بلغ العرض ليلته رقم (200)، وهو ليس مجرد رقم، بل إنجاز غير مسبوق يعكس حالة (الاستغراق) التي يخلقها (يحيى الفخراني).. ويأتي هذا الإنجاز في الشهر ذاته الذي كرمته فيه لجنة الدراما باتحاد كتاب مصر، ومنحته درع الاتحاد، تقديرًا لمسيرته ولتفوقه في أدائه البارع لشخصية (الملك لير).
ما يلفت النظر هنا هو تكامل البورتريهين وتواؤمهما بين جبروته وحطامه؛ بين ظاهر (الملك لير) الذي يعيش الانهيار التدريجي لملك شديد البأس والقسوة، وبين طبيعة (يحيى الفخراني) الودودة الطيبة التي تتفق وباطن شخصية (لير) في فترة ضعفها وندمها وأبوتها.
هذا التمازج مكنه من تقديم أداء مُحكم أضاف إلى رصيده الفني، وبرز خبراته المهنية في مرحلة سنية تقترب من مرحلة الملك ذاته، حتى أدهش الجمهور بصدق تجسيد كل تحولات الشخصية عبر مسيرتها.

انتصار الفن الرفيع
نجاح (يحيى الفخراني) في (لير) هو انتصار للفن الرفيع، ورفض لمقولة (الجمهور عاوز كده)، فاستغراق الجمهور في الإنصات للغة الفصحى ومتابعة العرض يثبت أنه يُقدِّر الفن الذي يحترم عقله ووجدانه، هذا؛ وتثبت تجربة الفخراني أن الفنان الحقيقي يقود جمهوره ولا ينقاد له.
تحية إلى الدكتور (يحيى الفخراني)، الفنان الذي يقدّس الكلمة ويحترم النص، والذي لم يرسم بورتريهًا لشخصياته فحسب، بل نحت في وجداننا أثراً إنسانيًا يبقى نابضًا طويلًا بعد إغلاق الستار.