رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود عطية يكتب: (المشخصاتية).. والبحث عن الحصانة! 

محمود عطية يكتب: (المشخصاتية).. والبحث عن الحصانة! 
درجة التبجح التي وصل إليها بعض (المشخصاتية) تجاوزت حدود المعقول

بقلم المستشار: محمود عطية

في وقت اختلطت فيه الأدوار وتبدلت فيه الأولويات أصبحنا أمام مشهد عجيب يستحق أن نتوقف أمامه طويلا، لا لأن ما يحدث جديد تماما، ولكن لأن درجة التبجح التي وصل إليها بعض (المشخصاتية) تجاوزت حدود المعقول حتى أصبح المواطن المصري مطالبا بأن يسمع كل يوم مطالبة جديدة بحماية فئة من يفترض أنها هي التي تقدم شيئا للمجتمع لا أن تطلب من المجتمع أن يحميها من نتائج ما تقدمه أو من نظرة الناس إليها.

والأعجب من ذلك أن يظهر المشخصاتي و(المشخصاتية) وكأنهما من أصحاب الرسالات الكبرى وأن المجتمع لا يستطيع الاستمرار بدونهما وأنهما يمثلان القوة الناعمة لمصر.

وكأن مجرد الوقوف أمام كاميرا وتحريك بعض الملامح وإلقاء بعض الجمل يمنح صاحبه حصانة اجتماعية أو سياسية أو أمنية، وكأن النجم الذي تراه الشاشة يصبح تلقائيا فوق النقد وفوق المساءلة وفوق القانون.

يا سادة لقد وصل السيل الزبى وأصبح المواطن المصري طهق بالفعل من هذا النوع من الخطاب الذي يريد أن يقنعه بأن (المشخصاتية) حالة استثنائية، وأن على الدولة أن توفر له حماية، خاصة وأن على الوزير بلا حقيبة أن يتدخل من أجل توفير فرص حماية لهذا المجتمع الذي يبدو أن مشكلته الوحيدة في نظر البعض هي أن المشخصاتية غير محميين بما يكفي

ولعل أكثر ما يثير الدهشة أن حجتهم الجاهزة دائما هى القوة الناعمة، فكلما انتقد الناس مستوى ما يقدمونه خرج علينا من يقول نحن القوة الناعمة لمصر، وكأن كلمة القوة الناعمة أصبحت كلمة سحرية تفتح أبواب الحصانة وتغلق أبواب النقد، وأنا هنا أتساءل بمنتهى الصراحة: أي قوة ناعمة هذه التي يتحدثون عنها ونحن نرى بأعيننا حالة الاضمحلال التي أصابت جزءا كبيرا من المشهد الفني.

وأي قوة ناعمة هذه التي أصبح عنوان جانب كبير من التشخيص فيها هو البلطجة والمخدرات والعنف والابتذال والحكايات المتشابهة التي تتكرر حتى أصاب المشاهد الملل.

محمود عطية يكتب: (المشخصاتية).. والبحث عن الحصانة! 

محمود عطية يكتب: (المشخصاتية).. والبحث عن الحصانة! 
تحول الجريمة إلى بطولة وكيف تقدم شخصية الشرير دون أن تجعل البلطجي بطلا شعبيا يحتذى به

البلطجي بطلا شعبيا يحتذى به

لقد كانت مصر في يوم من الأيام تصدر الفن والفكر والثقافة إلى محيطها العربي، وكانت الأعمال المصرية تحمل قيمة وتترك أثرا وتقدم نموذجا للإنسان المصري بما له وما عليه، وكانت الشاشة تعرف كيف تضحك الناس دون أن تهينهم وكيف تناقش قضايا المجتمع دون أن تحول الجريمة إلى بطولة وكيف تقدم شخصية الشرير دون أن تجعل البلطجي بطلا شعبيا يحتذى به.

أما اليوم فقد أصبحنا أمام صناعة في قطاعات منها لا تحتاج إلى كثير من البحث كي تكتشف أن الوصفة واحدة تقريبا شاب خارج عن القانون فتاة في أزمة مخدرات سلاح مشاجرة ابتزاز، ثم مجموعة من الصراخ والشتائم وبعد ذلك يخرج لنا أحدهم ليحدثنا عن القوة الناعمة، وكأن المواطن الذي يدفع من جيبه ثمن التذكرة أو الاشتراك أو فاتورة المنصة مطالب أيضا بأن يصفق لهذا التدهور خوفا من أن يتهم بأنه ضد الفن.

والحقيقة أن الفن الحقيقي لا يخاف من النقد والفنان الحقيقي لا يطالب بحماية من الجمهور، لأن الجمهور هو صاحب الحكم الأول والأخير، وهو الذي بفضله جعل الله سببا في ملايينكم، وللاسف على ما يقدم له، ومن يريد أن يكون نجما فعليه أن يقبل أن يكون مسؤولا عن نجوميته وعن أثرها في الناس، ولا يجوز أن يتحول لقب فنان إلى بطاقة مرور فوق النقد أو إلى مظلة تمنع المجتمع من إبداء رأيه.

والقضية هنا ليست عداء للفن ولا خصومة مع الفنانين (المشخصاتية)، فمصر تحتاج إلى الفن وتحتاج إلى الفنان المحترم وتحتاج إلى صناعة قوية، ولكن الفرق كبير بين أن نحمي صناعة الفن وأن نحمي بعض العاملين فيها من النقد والنتائج الطبيعية لما يقدمونه، فالذي يطلب الاحترام عليه أن يقدم ما يستحق الاحترام والذي يطالب بمكانة القوة الناعمة عليه أولا أن يثبت أنه يقدم قوة ناعمة بالفعل.

ولنتذكر كيف كانت أقصى أماني هذا المجتمع في سنوات سابقة أن يتم إلغاء الإجراءات التي كانت تلاحق (المشخصاتية)، بوجوب  الحصول علي تصريح من مباحث الآداب  (ويليته دام) عند السفر، وأن يتوقف التعامل مع كل فنان وكأنه مشروع أزمة عند كل رحلة خارج البلاد.

أما اليوم فقد انتقلنا من مرحلة المطالبة بتخفيف الإجراءات إلى مرحلة غريبة يريد فيها البعض حماية خاصة وكأن النجومية تمنح صاحبها حقا إضافيا على حساب بقية المواطنين، ويكفي المنظرة الكذابة والاستعلاء علي الجمهور الذي صنعكم، ولا أنكر أن بعض الجماهير تتصرف ببلاهه و(غلاسه وتطفل) مع البعض، ولكن نعود ونقول على المشهور أن يتحمل ضريبة شهرته.

محمود عطية يكتب: (المشخصاتية).. والبحث عن الحصانة! 
أين المواطن من حساباتكم، وهل دخلتم البرلمان لكي تكونوا نوابا عن الوسط الفني فقط

أين المواطن من حساباتكم

وهنا لا بد من سؤال واضح إلى بعض النواب الذين يبدو أن شغلهم الشاغل أصبح مجاملة زملائهم من (المشخصاتية): أين المواطن من حساباتكم، وهل دخلتم البرلمان لكي تكونوا نوابا عن الوسط الفني فقط أم أنكم نواب عن الشعب كله بكل فئاته وأطيافه ومهنه ومشكلاته؟

النائب المحترم ليس دوره أن يصفق لزميل أو يبحث له عن امتياز أو يطالب له بمعاملة خاصة، وإنما دوره أن ينقل صوت الناس وأن يدافع عن مصالحهم وأن يسأل الحكومة عن الأسعار وعن التعليم وعن الصحة وعن المواصلات وعن الأجور وعن المعاشات وعن الأمن وعن كل ما يمس حياة المواطن اليومية

فإذا كان المواطن يواجه ارتفاعا في الأسعار ويكابد أعباء المعيشة ويبحث عن فرصة عمل ويقف طويلا أمام المصالح الحكومية، ويحسب مصروف بيته بالجنيه ثم يجد نائبا لا يجد ما يشغله سوى حماية (المشخصاتية) من الانتقاد أو المطالبة له بامتيازات خاصة، فمن حق المواطن أن يسأل ماذا تفعلون في البرلمان ومن تمثلون؟

يا سادة لا أحد فوق الشعب ولا أحد فوق القانون ولا أحد فوق النقد، وهذه قاعدة يجب أن يفهمها الجميع مهما كان اسمه، ومهما بلغ عدد متابعيه ومهما كانت صورته معلقة على واجهة إعلان أو ظهرت صورته في مسلسل أو فيلم.

أما حكاية الوزير بلا حقيبة الذي يراد له أن يتحول إلى مسؤول عن حماية (المشخصاتية) فهي واحدة من أكثر المفارقات إثارة للسخرية، لأن المجتمع لا يحتاج إلى وزير يحرس نجوم الشاشة بقدر ما يحتاج إلى مسؤولين يحرسون مصالح الناس، ويحفظون حقوقهم ويواجهون المشكلات الحقيقية التي أصبحت تثقل كاهل المواطن.

وليس معنى ذلك أن الفنان لا يستحق الحماية إذا تعرض لتهديد حقيقي فكل مواطن يستحق حماية الدولة إذا تعرض للخطر، ولكن الحماية شيء والامتياز شيء آخر والعدالة شيء والتمييز شيء مختلف تماما، ومن الخطأ أن تتحول الشهرة إلى معيار للحصول على ما لا يحصل عليه المواطن العادي.

لقد آن الأوان أن نعيد تعريف القوة الناعمة بعيدا عن الشعارات، فالقوة الناعمة ليست عدد المسلسلات ولا عدد الممثلين ولا حجم الدعاية ولا عدد الصور على مواقع التواصل.. القوة الناعمة هى أن تنتج عملا يحترمه الناس في الداخل والخارج، وأن تقدم ثقافة وفنا يستطيعان أن يجعلا الآخرين ينظرون إلى مصر بإعجاب وأن يعرفوا أن هذا البلد ما زال قادرا على صناعة القيمة.

أما أن ننتج أعمالا متشابهة ثم نغضب من الجمهور لأنه انتقدها فهذه ليست قوة ناعمة وإنما محاولة للهروب من الحقيقة، والقوة لا تحتاج إلى أن تطلب من الناس السكوت عليها والقيمة لا تحتاج إلى نائب يشرح للناس لماذا يجب أن يحترموها.

محمود عطية يكتب: (المشخصاتية).. والبحث عن الحصانة! 

محمود عطية يكتب: (المشخصاتية).. والبحث عن الحصانة! 
لقد بلغ السيل الزبى والمواطن بالفعل طهق ومن حقه أن يقول كفى!

صك ملكية للمجتمع

والمؤسف أن بعض (المشخصاتية) أصبحوا يتعاملون مع الشهرة وكأنها صك ملكية للمجتمع، وكأن الناس مطالبة بتوفير كل شيء لهم من الحماية إلى المجاملة إلى الدعم إلى المساحات الإعلامية، ثم إذا قال مواطن كلمة نقد خرجت عليه كتيبة من المدافعين ليقولوا له انتبه هذا فنان وهذه قوة ناعمة.

لا يا سيادة الفنان مواطن قبل أن يكون فنانا، والنائب نائب عن المواطن قبل أن يكون صديقا للمشخصاتي، والمسؤول مسؤول عن الدولة كلها قبل أن يكون مسؤولا عن مجموعة من أصحاب الشهرة والمصالح

ولذلك فإن الرسالة التي يجب أن تصل واضحة هي أن المجتمع المصري ليس ضد الفن، ولكنه ضد الاستعلاء باسم الفن وليس ضد الفنانين، ولكنه ضد تحويل بعض الفنانين إلى طبقة فوق المجتمع، وليس ضد النواب ولكنه ضد أن يتحول النائب إلى مندوب علاقات عامة لزملائه

لقد تعب المواطن من هذه الصورة ومن هذا الخطاب ومن محاولة إقناعه بأن مشكلته الكبرى هى حماية (المشخصاتية)، بينما هو يبحث عن حياة كريمة وعن خدمات أفضل وعن أسعار يستطيع تحملها وعن مستقبل أكثر استقرارا لأبنائه.

فكفى مجاملات وكفى شعارات وكفى استخداما لمصطلح القوة الناعمة في غير موضعه، وإذا كانت هناك قوة ناعمة حقيقية فلتظهر في جودة العمل وفي احترام عقل المشاهد، وفي تقديم فن راق وفي صناعة قادرة على المنافسة لا في المطالبة بحصانة معنوية أو حماية استثنائية.

لقد بلغ السيل الزبى والمواطن بالفعل طهق ومن حقه أن يقول كفى، فليس من المعقول أن يصبح المشخصاتي هو المواطن المدلل، بينما المواطن نفسه آخر من يسأل عنه أحد، وليس من المقبول أن يتحول البرلمان إلى منصة للمجاملات ولا أن تصبح الشهرة طريقا إلى امتيازات لا يحصل عليها غير المشهور.

مصر أكبر من أن تختصر قوتها الناعمة في مجموعة من الوجوه، وأكبر من أن يكون مستقبل فنها رهنا بشعارات تكرر نفسها، وأكبر من أن يسمح أحد بأن يتحول الفن إلى جواز مرور فوق النقد، وأكبر من أن ينسى بعض النواب أنهم أقسموا على خدمة الشعب كله.

فيا حضرات (المشخصاتية) خذوا النقد كما يأخذ الفنان الحقيقي التصفيق، وخذوا الشهرة ومعها مسؤوليتها، واعلموا أن المجتمع ليس عدوا لكم ولكنه أيضا ليس خادما عندكم.. ويا حضرات النواب تذكروا أن مقاعد البرلمان ليست مقاعد للمجاملة، وأن أصوات الناخبين ليست شيكات على بياض، وأن المواطن الذي أتى بكم إلى البرلمان ينتظر منكم أن تنحازوا إليه لا إلى أصحاب الشهرة.

أما مصر فلا تحتاج إلى حماية (المشخصاتية) بقدر ما تحتاج إلى حماية قيمة الفن وهيبة القانون وحق المواطن في أن يقول رأيه دون أن يشعر أنه أقل شأنا من أي مشهور، وهذه هى القوة الحقيقية التي تستحق أن ندافع عنها.

وتلك هى الرسالة التي يجب أن يفهمها كل من يخلط بين الشهرة والمسؤولية وبين الفن والحصانة وبين النيابة عن الشعب ومجاملة الاصدقاء والزملاء، ولعل العضو يتذكر الكومارس التي كتبت تقول للجمهور احنا أسيادتكم  

* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.