وفاء لفنان من زمن الكبار.. (حضور السيرة) يعيد (عبد العزيز مخيون) إلى خشبة المسرح

كتب: مروان محمد
لم يكن (عبد العزيز مخيون) من الفنانين الذين صنعوا مجدهم بالضجيج، بل كان واحدًا من أولئك الذين آمنوا بأن الموهبة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب، وأن الفنان يبقى بما يتركه من أثر، لا بما يحيط به من أضواء.
كما يجدر الإشارة إلى أن هناك فنانون لا يرحلون، لأن أعمالهم تتحول إلى ذاكرة، وأصواتهم تبقى شاهدة على زمن صنعوا فيه قيمة حقيقية للفن، هكذا يبدو اسم (عبد العزيز مخيون)، الذي يعود إلى خشبة المسرح القومي، ليس ممثلًا هذه المرة، بل بطلًا لليلة وفاء تستعيد سيرة فنان عاش للمسرح، وآمن بأن الفن رسالة قبل أن يكون مهنة.
لذلك، وبعد أربعين يومًا على رحيله، يعود اسمه إلى الواجهة من جديد، ليس بخبر عن عمل جديد، بل باحتفالية تليق بمسيرة امتدت لأكثر من خمسة عقود، صنعت فيها الموهبة والالتزام واحدًا من أهم نجوم الفن المصري.
وعلم (شهريار النجوم) أن المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، بالتعاون مع نقابة المهن التمثيلية والمركز القومي للسينما، ينظم احتفالية خاصة بعنوان (عبد العزيز مخيون.. حضور السيرة)، وذلك في الثامنة والنصف مساء الثلاثاء 21 يوليو، على خشبة المسرح القومي بالعتبة، في أمسية تستعيد رحلة فنان ظل حاضرًا في وجدان الجمهور، حتى بعد إسدال الستار على آخر فصول حياته.
وتأتي الاحتفالية برعاية وزارة الثقافة المصرية، في إطار مشروعها لتوثيق مسيرة رموز الفن المصري الذين تركوا بصمات راسخة في المسرح والسينما والدراما، لتكون الأمسية رسالة وفاء لفنان لم يتعامل يومًا مع الفن باعتباره وسيلة للشهرة، بل رسالة حملها بإخلاص طوال حياته.

مخيون.. حضور السيرة
وتتضمن الاحتفالية تقديم عرض فني بعنوان (عبد العزيز مخيون.. حضور السيرة)، من تأليف الدكتور محمد أمين عبد الصمد، وألحان أحمد الناصر، وإخراج ماهر محمود، بمشاركة الفنانة القديرة وفاء الحكيم والفنان ياسر عزت، حيث يستعرض العمل أهم المحطات الفنية والإنسانية في حياة الراحل، ويعيد إحياء لحظات صنعت تاريخه داخل المسرح وخارجه.
وأكد المخرج عادل حسان، مدير المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، أن الاحتفالية تأتي متزامنة مع ذكرى الأربعين لرحيل الفنان الكبير، مشيرًا إلى أن المبادرة جاءت من أبناء الراحل، الذين شاركوا في إعداد برنامج الاحتفال، بدعم كامل من الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، والدكتور أيمن الشيوي، رئيس قطاع المسرح، في إطار استراتيجية تستهدف الحفاظ على الذاكرة الفنية المصرية وتوثيق مسيرة رموزها.
ولد (عبد العزيز مخيون) عام 1943 في مركز أبو حمص بمحافظة البحيرة، وسط بيئة ريفية مصرية غرست فيه قيم البساطة والانتماء، قبل أن تقوده موهبته إلى القاهرة، حيث التحق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، وتخرج فيه ليبدأ رحلة مختلفة عن كثير من أبناء جيله.
ولم يكتفِ بالدراسة الأكاديمية داخل مصر، بل سافر إلى فرنسا، حيث درس الإخراج المسرحي، وعاد محملًا بثقافة مسرحية واسعة انعكست على اختياراته الفنية، ليصبح واحدًا من أكثر الممثلين وعيًا بقيمة النص، وأهمية الشخصية، واحترام عقل المشاهد.

مدرسة خاصة في التمثيل
لم يكن (عبد العزيز مخيون) من نجوم (الشباك) بالمعنى التقليدي، لكنه كان دائمًا من نجوم الأداء، حيث امتلك قدرة نادرة على تجسيد الشخصيات المركبة، فكان حضوره الهادئ أكثر تأثيرًا من الانفعال، ونظرته أبلغ من عشرات الجمل الحوارية.
لذلك، أصبح أحد أكثر الممثلين الذين يلجأ إليهم كبار المخرجين عندما يبحثون عن ممثل يمنح الشخصية روحًا حقيقية، لا مجرد أداء تمثيلي.
على خشبة المسرح، قدم عشرات العروض التي رسخت مكانته بين كبار المسرحيين، وظل يعتبر المسرح بيته الأول، والمدرسة التي تعلم فيها معنى الانضباط والالتزام.
أما في السينما، فقد شارك في مجموعة كبيرة من الأفلام المهمة، متعاونًا مع كبار المخرجين.
وقدم شخصيات تركت أثرًا لدى الجمهور والنقاد، من بينها مشاركاته في أفلام مثل (إسكندرية… ليه؟، وداعًا بونابرت) مع المخرج العالمي يوسف شاهين، إلى جانب أعمال سينمائية أخرى أكدت قدرته على التنقل بين الشخصيات التاريخية والاجتماعية والإنسانية.




منح كل شخصية صدقًا وإنسانية
وفي الدراما التلفزيونية، كان عبد العزيز مخيون أحد الوجوه التي ارتبط بها الجمهور عبر أعمال بارزة، من بينها (ليالي الحلمية، المال والبنون، حديث الصباح والمساء، شيخ العرب همام، الجماعة، واحة الغروب)، وغيرها من المسلسلات التي رسخت مكانته كواحد من أهم ممثلي جيله، بفضل حضوره الهادئ وقدرته على منح كل شخصية صدقًا وإنسانية.
كما كان حاضرًا في أعمال تاريخية ودينية ووطنية عديدة، مؤكدًا أنه ممثل يجيد التنقل بين مختلف المدارس الفنية دون أن يفقد هويته الخاصة.
جدير بالذكر أنه عرفه المقربون باعتباره واحدًا من أكثر الفنانين شغفًا بالقراءة والمعرفة، وكان يؤمن بأن الممثل الحقيقي لا يكتفي بالموهبة، بل يبني أدواته بالثقافة والاطلاع، وهو ما انعكس على اختياراته التي اتسمت بالوعي والعمق، بعيدًا عن السعي وراء الانتشار السريع.
ولذلك، حظي باحترام الأجيال المختلفة، وظل نموذجًا للفنان الذي يضع قيمة العمل قبل حجم الدور، ويبحث عن البصمة لا عن البطولة.
وتوجه الجهات المنظمة الدعوة إلى جمهور المسرح ومحبي الفنان الراحل ووسائل الإعلام للمشاركة في هذه الأمسية، التي لا تمثل مجرد احتفال بذكرى فنان، بل احتفاء بتاريخ كامل من الإبداع المصري، ورسالة وفاء لمن جعل من الفن رسالة، ومن المسرح بيتًا، ومن كل دور يقدمه درسًا في الصدق والإتقان.
وفي ليلة تحمل عنوان (حضور السيرة) لن يكون عبد العزيز مخيون مجرد اسم يُذكر على خشبة المسرح، بل سيعود كما عرفه الجميع… فنانًا حاضرًا بأعماله، وقيمه، وتاريخه، ليؤكد أن المبدعين الحقيقيين لا يرحلون، لأن الفن الذي يخرج من القلب يبقى حيًا في ذاكرة الشعوب، مهما غاب أصحابه.