رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(أولادنا).. حين يعبر الفن 70 عامًا من الجسور المصرية الصينية إلى العالم

(أولادنا).. حين يعبر الفن 70 عامًا من الجسور المصرية الصينية إلى العالم
ترفع مؤسسة (أولادنا)، برئاسة سهير عبد القادر، شعار الدورة الجديدة (ملتقى أولادنا.. الفن يجمعنا)

* 54  دولة في الدورة العاشرة.. 79 فيلمًا طلابيًا و23 فيلمًا دوليًا وملتقى يؤكد أن الإبداع لا يعرف حدودًا ولا إعاقات

كتب: صبا أحمد

سبعون عامًا من العلاقات المصرية الصينية ليست مجرد رقم يُكتب في بيانات المناسبات، ولا محطة دبلوماسية تُضاف إلى سجل العلاقات بين دولتين؛ إنها حكاية طويلة من التبادل الثقافي والإنساني، ومن هنا تبدو الدورة العاشرة من ملتقى (أولادنا) الدولي لفنون ذوي القدرات الخاصة، التي تقام خلال الفترة من 17 إلى 24 سبتمبر المقبل، وكأنها تختار أفضل لغة للاحتفال بهذه الرحلة: لغة الفن.

فحين ترفع مؤسسة (أولادنا)، برئاسة سهير عبد القادر، شعار الدورة الجديدة (ملتقى أولادنا.. الفن يجمعنا)، فإنها لا تقدم شعارًا احتفاليًا فقط، وإنما تضع أمام العالم فلسفة الملتقى منذ تأسيسه: أن الفن قادر على هدم الحواجز التي تعجز السياسة أحيانًا عن تجاوزها، وأن الإنسان يستطيع أن يلتقي بالآخر من خلال الموسيقى والمسرح والسينما والاستعراض، قبل أن تلتقي به عبر البيانات والبروتوكولات.

واللافت أن هذه الدورة تأتي في لحظة تحمل أكثر من دلالة؛ فهي تحتفل بعقد كامل من عمر (أولادنا)، وبسبعة عقود من العلاقات المصرية الصينية، بينما تفتح أبواب الملتقى أمام 54  دولة عربية وأجنبية، في واحدة من أوسع المشاركات الدولية في تاريخه.

منذ انطلاقه، حاول ملتقى (أولادنا) أن يخرج بقضية ذوي القدرات الخاصة من دائرة التعاطف التقليدي إلى مساحة أكثر اتساعًا: الاعتراف بالموهبة والحق في التعبير والمشاركة وصناعة المشهد الثقافي.

وهنا تكمن قيمة التجربة.. فالطفل أو الشاب من ذوي القدرات الخاصة لا يظهر باعتباره حالة تستحق الشفقة، وإنما باعتباره فنانًا لديه ما يقدمه، وجمهورًا لديه الحق في أن يراه ويستمع إليه ويكتشف موهبته.. ولهذا أصبح الملتقى، مع مرور السنوات، مساحة تلتقي فيها عروض فنية وأفلام وورش عمل وتجارب إنسانية من ثقافات مختلفة.

(أولادنا).. حين يعبر الفن 70 عامًا من الجسور المصرية الصينية إلى العالم
تستعيد المناسبة محطات من التعاون الثقافي بين البلدين، من بينها تدشين (حجر الثقافة الصيني)

الأرقام وحدها تكشف حجم الدورة

والدورة العاشرة تبدو وكأنها تريد أن ترفع سقف الطموح أكثر.. 54  دولة.. والعالم يدخل إلى القاهرة، ولعل الأرقام وحدها تكشف حجم الدورة.. المشاركات الدولية تتوزع بين 23  فيلمًا، و16 فرقة فنون استعراضية، و11 فرقة مسرحية، و7 ورش عمل، و3 ماستر كلاس.

لكن الأهم من الأرقام هو تنوع الخريطة الجغرافية.. فالسينما تأتي بأفلام من جنوب أفريقيا وفرنسا ومارتينيك وألمانيا والولايات المتحدة والسويد وإيطاليا، بينما تستقبل خشبة العروض فرقًا من الأرجنتين وبلغاريا ومقدونيا وتنزانيا والصين وروسيا والولايات المتحدة ومصر.

أي أن القاهرة لن تكون خلال أيام الملتقى مجرد مدينة تستضيف عروضًا فنية، وإنما ستتحول إلى نقطة التقاء ثقافي حقيقية، لكن الحضور الصيني هذه المرة يحمل خصوصية مختلفة.. فالاحتفاء بمرور 70 عامًا على العلاقات المصرية الصينية يمنح الدورة العاشرة بعدًا يتجاوز البرنامج الفني.

وتستعيد المناسبة محطات من التعاون الثقافي بين البلدين، من بينها تدشين (حجر الثقافة الصيني) خلال الدورة الأولى من مهرجان الفنون والفلكلور الأفروصيني عام 2016 بدار الأوبرا المصرية.

وهنا يبدو (أولادنا) وكأنه يواصل خيطًا بدأ منذ سنوات، لكن من زاوية أكثر إنسانية، فالعلاقات بين الشعوب لا تُقاس فقط بعدد الاتفاقيات، وإنما بما تتركه في وجدان الناس من صور وذكريات وتجارب مشتركة.. والفن، في هذه الحالة، يصبح أرشيفًا حيًا للعلاقة.

من أجمل تفاصيل الدورة مشاركة السودان ببرنامج خاص يضم الحرف اليدوية والفنون التشكيلية والاستعراضات وورش العمل، وهذه المشاركة تحمل قيمة رمزية إضافية؛ لأنها تضع الثقافة في مواجهة الصور النمطية التي تصنعها الأزمات… فالسودان هنا لا يظهر من خلال الأخبار السياسية فقط، وإنما من خلال الفنان والحرفي والمبدع.

وهذه واحدة من أهم وظائف المهرجانات الثقافية: أن تمنح الشعوب فرصة لأن تقدم نفسها بعيدًا عن الصورة التي تصنعها نشرات الأخبار، كما تشارك الهيئة العامة لقصور الثقافة بأربعة عروض فنية ومسرحية من القاهرة وعدد من المحافظات، وهذه المشاركة مهمة لأنها تؤكد أن قضية الدمج الثقافي لا ينبغي أن تبقى حبيسة العاصمة.

(أولادنا).. حين يعبر الفن 70 عامًا من الجسور المصرية الصينية إلى العالم
إعلان عن أن (أولادنا) لا يريد أن يعيش على فكرة الاحتفاء بالماضي، وإنما يبحث عن صناع المستقبل

الوصول إلى هذه المواهب

فالموهبة موجودة في القاهرة والإسكندرية وأسوان والمنيا والمنوفية وغيرها، وربما يكون أحد أهم أدوار المؤسسات الثقافية هو الوصول إلى هذه المواهب قبل أن تختفي في الزحام، لكن ربما يكون الرقم الأكثر إثارة في الدورة العاشرة هو مشاركة 79 فيلمًا من إنتاج طلاب كليات ومعاهد الإعلام الحكومية والخاصة.

هذا ليس مجرد رقم كبير.. إنه إعلان عن أن (أولادنا) لا يريد أن يعيش على فكرة الاحتفاء بالماضي، وإنما يبحث عن صناع المستقبل، وتأتي مشاركة طلاب من جامعات ومعاهد مثل القاهرة وعين شمس وبنها والنهضة والأهرام الكندية وMSA والجلالة وCIC ومعهد الإسكندرية العالي للإعلام والأكاديمية الدولية للهندسة وعلوم الإعلام، لتكشف عن مساحة واسعة من التفاعل بين الملتقى والمؤسسات التعليمية.

والأهم أن هؤلاء الشباب لا يقدمون أنفسهم فقط كطلاب يتعلمون صناعة الفيلم، وإنما يدخلون إلى مساحة تتيح لهم الاحتكاك بفنانين وصناع سينما وتجارب دولية.. وهنا يتحول المهرجان من منصة عرض إلى مدرسة مفتوحة.

الفن كدبلوماسية ناعمة.. ربما تكون هذه النقطة هي الأهم في الدورة الجديدة.. فمصر والصين تحتفلان بسبعة عقود من العلاقات، و(أولادنا) يحتفل بعشر سنوات من عمره، و54 دولة تلتقي في القاهرة.

لكن ماذا يجمع كل هؤلاء؟.. الفن.. وهنا تظهر القوة الناعمة في صورتها الأكثر صدقًا، فالموسيقى لا تحتاج إلى مترجم.. والصورة السينمائية تستطيع أن تصل إلى قلب المشاهد حتى لو لم يفهم لغة الحوار.. والاستعراض يمكن أن يجعل جمهورًا من قارات مختلفة يصفق في اللحظة نفسها.. ولهذا فإن شعار (الفن يجمعنا) يبدو في هذه الدورة أكثر من شعار؛ إنه بيان ثقافي صغير في مواجهة عالم يزداد انقسامًا.

(أولادنا) لا يحتفي بالإعاقة.. بل يهزمها، وهناك فارق كبير بين أن تقيم فعالية فنية (لذوي القدرات الخاصة)، وبين أن تجعل ذوي القدرات الخاصة جزءًا أصيلًا من المشهد الفني.

الملتقى، في أفضل تجلياته، يفعل الأمر الثاني.. إنه لا يقول للجمهور: انظروا إلى هؤلاء لأنهم مختلفون.. بل يقول: انظروا إلى ما يستطيعون أن يفعلوه.. وهذه النقلة في الخطاب شديدة الأهمية.. لأن المجتمع لا يحتاج فقط إلى قوانين الدمج، وإنما يحتاج أيضًا إلى تغيير الصورة الذهنية.. والفن أحد أقوى أدوات هذا التغيير.

(أولادنا).. حين يعبر الفن 70 عامًا من الجسور المصرية الصينية إلى العالم
الكشف عن أسماء الشخصيات والنجوم المكرمين، إلى جانب تفاصيل الفعاليات الفنية والثقافية والإنسانية

العلاقة بين الفن والإنسان

ومن المقرر أن يعقد الملتقى مؤتمره الصحفي يوم 29  أغسطس الجاري بمسرح الهناجر، للإعلان عن البرنامج الكامل للدورة، والكشف عن أسماء الشخصيات والنجوم المكرمين، إلى جانب تفاصيل الفعاليات الفنية والثقافية والإنسانية، وسيكون المؤتمر بمثابة اللحظة التي ستتضح فيها الصورة الكاملة للدورة العاشرة.

لكن من الآن، تبدو ملامحها واضحة: دورة تريد أن تقول إن عشر سنوات من (أولادنا) لم تكن مجرد عشر دورات، وإنما عشر سنوات من محاولة إعادة تعريف العلاقة بين الفن والإنسان.

(شهريار النجوم) يقول: يا سادة، ربما تكون أجمل مفارقة في الدورة العاشرة أن ملتقى يحتفي بذوي القدرات الخاصة، يجد نفسه في الوقت نفسه يحتفي بعلاقة عمرها سبعون عامًا بين مصر والصين.. وفي الحالتين هناك شيء واحد يجمع الحكايتين:

الجسر.. جسر بين إنسان وإنسان.. جسر بين طفل ومجتمع.. جسر بين فنان وجمهور.. وجسر بين ثقافتين وحضارتين.. وبينما تستطيع السياسة أن تتغير، والاقتصاد أن يصعد ويهبط، والظروف أن تتبدل، يبقى الفن قادرًا على الاحتفاظ بما هو أعمق: ذاكرة الشعوب.

ولهذا فإن الدورة العاشرة من (أولادنا) لا تبدو مجرد مهرجان جديد في أجندة سبتمبر.. إنها محاولة لأن تقول للعالم من القاهرة: نحن مختلفون.. لكننا نستطيع أن نلتقي.. نحن من بلدان ولغات وثقافات متعددة.. لكننا نستطيع أن نصفق للحن واحد.. وربما تكون هذه هي الرسالة التي تحتاجها العلاقات المصرية الصينية في عامها السبعين، ويحتاجها العالم كله الآن: حين يعجز الكلام عن صناعة الجسور.. دعوا الفن يتكلم.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.