من تدريب النجوم إلى إنقاذ اليائسين.. حكاية (أحمد كمال) مع الفن والإنسان

كتبت: سدرة محمد
في زمن أصبح فيه اسم الفنان يُقاس بعدد المتابعين، ومساحة ظهوره على الشاشات، وحجم الضجيج المحيط به، هناك فنانون اختاروا طريقًا آخر؛ طريقًا أكثر هدوءًا، لكنه أكثر رسوخًا في ذاكرة المهنة، ومن هؤلاء يأتي (أحمد كمال)، الممثل ومدرب التمثيل.
لم تكن علاقته بالفن مجرد وقوف أمام الكاميرا، وإنما رحلة طويلة مع الممثل نفسه: كيف يتعلم؟.. كيف يشعر؟.. كيف ينصت؟.. وكيف يحول تجاربه الإنسانية إلى أدوات فنية؟
وفي ظهوره الأخير ببرنامج (معكم منى الشاذلي) لم يكن (أحمد كمال) يحكي فقط عن (منة شلبي أو نيللي كريم أو محمود حميدة)، وإنما كان يفتح صفحات من تاريخ طويل قضاه داخل (المطبخ) الحقيقي للتمثيل، حيث لا توجد أضواء النجومية، وإنما التدريب والانضباط والبحث عن الصدق.
(أحمد كمال) واحد من الأسماء التي ارتبطت في مصر بتدريب الممثلين، وهى مهمة لا تقل صعوبة عن التمثيل نفسه؛ لأن المدرب لا يقدم شخصيته، وإنما يساعد آخرين على اكتشاف شخصياتهم.
وعبر سنوات طويلة، جمع (أحمد كمال) بين العمل ممثلًا وبين الاهتمام بالتدريب، وأصبح اسمه مرتبطًا بفكرة أن الممثل لا يمكن أن يعتمد على الموهبة وحدها، وأن الجسد والصوت والخيال والانضباط والقدرة على الإنصات كلها أدوات تحتاج إلى تدريب مستمر.
ومن هنا جاءت علاقته بـ (ستوديو الممثل)، الذي أصبح واحدًا من المساحات المهمة التي مر بها عدد من الوجوه التي أصبحت لاحقًا أسماء بارزة في السينما والدراما المصرية.

علاقته بمنّة شلبي
من أجمل الحكايات التي رواها أحمد كمال علاقته بمنّة شلبي.. لم يتحدث عنها باعتبارها نجمة كبيرة فحسب، وإنما استعادها من بداياتها عندما كانت واحدة من المتدربين في (ستوديو الممثل).. يقول إنه أحب العمل معها، وهى أيضًا أحبته، قبل أن تتحول العلاقة مع الزمن إلى واحدة من أكثر العلاقات الإنسانية خصوصية بين الفنان وتلميذته.
والدليل جاء أثناء تصوير مسلسل (حارة اليهود).. في بعض المشاهد الصعبة التي جمعت منة شلبي بإياد نصار، لم يكن (أحمد كمال) موجودًا باعتباره ممثلًا في المشهد، لكنها كانت تطلب منه الوقوف بجوار الكاميرا.
لماذا؟: لأن وجوده كان يمنحها شعورًا بالأمان، يقول كمال إنه كان يقف لها (كأب)، فتراه ثم تعود إلى الشخصية وتستكمل أداءها.. وهنا تكمن قيمة الحكاية؛ فالممثل في أكثر لحظاته احتياجًا لا يبحث دائمًا عن المخرج أو عن كلمات التشجيع، وإنما يبحث عن شخص يثق به، شخص يعرف ضعفه قبل قوته.
ويرى (أحمد كمال) أن منة شلبي قطعت رحلة طويلة من التطور، حتى أصبحت واحدة من الممثلات القادرات على الاختيار والتدقيق في أدوارهن.
أما نيللي كريم، فكانت حكايتها مختلفة.. كانت راقصة باليه قبل أن تصبح ممثلة، وهو ما ترك أثرًا واضحًا على أدائها في البدايات.. لكن (أحمد كمال) لا ينظر إلى ذلك بوصفه عيبًا، بل يرى أن الراقصة تمتلك ثروة مهمة جدًا بالنسبة للممثل: الوعي بالجسد.
فالممثل لا يمثل بوجهه فقط، وإنما بجسده كله.. الحركة، الوقفة، الإيقاع، المسافة بينه وبين الشخصية الأخرى، وحتى طريقة التنفس، كلها أدوات في صناعة الشخصية، ولهذا يرى كمال أن تدريب الممثل على الباليه يمكن أن يمنحه إحساسًا أعمق بجسده، وقدرته على التحكم فيه، والتفاعل مع الموسيقى والإيقاع.
واللافت أن نيللي كريم نفسها استطاعت مع الوقت أن تتخلص من أثر الباليه المباشر على أدائها، لتبني لغة تمثيلية خاصة بها، وتتحول من راقصة محترفة إلى واحدة من أبرز نجمات الدراما والسينما المصرية.
لكن أحمد كمال لديه حكاية أخرى.. أكثر إنسانية.. بعيدًا عن التمثيل والتدريب والنجوم، كشف أحمد كمال عن تجربة ربما لا يعرفها كثيرون: في بداية التسعينيات، وتحديدًا عامي 1992 و1993، شارك متطوعًا في نشاط يهدف إلى مساندة أشخاص يمرون بأزمات نفسية شديدة، ومن بينهم أشخاص كانوا يفكرون في الانتحار.

إنسان يستمع إلى إنسان آخر
كانت الوسيلة آنذاك هى الهاتف الأرضي، وكانت المهمة تعتمد بصورة أساسية على الاستماع.. لا طبيبًا نفسيًا.. ولا صاحب نصائح جاهزة.. ولا شخصًا يدعي امتلاك الحلول.. فقط إنسان يستمع إلى إنسان آخر في لحظة انهيار.
وكان كمال يتلقى تدريبًا على كيفية التعامل مع هذه المكالمات، التي قد تمتد من دقائق إلى نصف ساعة أو أكثر، ويترك فيها المتصل ما بداخله دون خوف من الحكم عليه.. هذه التجربة تبدو اليوم شديدة الأهمية في فهم شخصية أحمد كمال؛ لأن الممثل الحقيقي هو في الأصل مراقب للإنسان ومستمع له.. ومن يستمع إلى وجع الآخرين يستطيع أن يفهم الشخصيات بصورة أعمق.
ثم تأتي حكاية محمود حميدة، وربما كانت واحدة من أهم الشهادات التي قدمها (أحمد كمال).. يقول إن حميدة أسس (ستوديو الممثل) في منتصف التسعينيات، وكان حلمه أن يكون هناك مكان حقيقي لتدريب الممثلين، وليس مجرد ورشة عابرة.. والأهم أن المشروع لم يكن قائمًا على تحقيق الأرباح.
كان المكان في شقتين كبيرتين بالمهندسين، وكانت رسوم التدريب زهيدة، لأن الهدف الأساسي كان صناعة ممثلين.. ومن هنا مر عدد من الأسماء التي أصبحت لاحقًا من نجوم السينما والدراما.
لكن حكاية حميدة لا تتوقف عند الاستوديو.. فبحسب شهادة كمال، كان حميدة يدعم فرق المسرح الهواة، وعندما يعرف أن فرقة فقيرة تحتاج إلى المال، كان يرسل المساعدة إليها سرًا، ويرفض أن يعرف أحد أنه وراءها.
وهنا تظهر المسافة بين (النجم) و(الفنان) النجم يبحث عن الصورة.. أما الفنان الحقيقي فقد يبحث أحيانًا عن ألا يعرف أحد ما فعله.. يذهب إلى المسرح حيث لا تذهب الكاميرات، ومن أكثر التفاصيل دلالة أن (أحمد كمال) تحدث عن ذهاب محمود حميدة إلى عروض مسرحية في أماكن بعيدة، في قرى ونجوع، لمشاهدة فرق هواة فقيرة.

ممثل كبير يجلس بين الجمهور
لا سجادة حمراء.. لا كاميرات.. لا مؤتمر صحفي.. ولا خبر في الصفحة الأولى.. فقط ممثل كبير يجلس بين الجمهور ليرى مجموعة من الشباب يحاولون أن يصنعوا مسرحًا بإمكانات محدودة.. هذه العلاقة بالمسرح تكشف أن حميدة لم يكن يرى الفن باعتباره صناعة نجومية فقط، وإنما باعتباره حالة ثقافية تستحق الرعاية.
ولم يكن تأسيس (ستوديو الممثل) المشروع الوحيد، فقد أصدر محمود حميدة مجلة (الفن السابع)، في محاولة لتقديم مساحة ثقافية تهتم بالسينما والفن، بعيدًا عن منطق المجلات الفنية التجارية التقليدية.. وبذلك تصبح الصورة التي رسمها أحمد كمال أكثر اكتمالًا: ممثل، ومدرب، ومؤسس، وداعم للهواة، ومهتم بالمسرح والثقافة.
أحمد كمال.. الفنان الذي اختار الصف الثاني ليصنع الصف الأول.. وربما تكون هذه هي المفارقة الأجمل في حكاية أحمد كمال.. فهو لم يطارد طوال مسيرته فكرة أن يكون (البطل الأول)، وإنما اختار أن يكون قريبًا من الممثل، من لحظة التدريب وحتى لحظة الوقوف أمام الكاميرا.
وهذا يفسر لماذا تظهر علاقته بالنجوم مختلفة عن العلاقات المعتادة.. فهو لا يتحدث عن منة شلبي بوصفها (نجمة)، وإنما عن فتاة تدربت معه ثم أصبحت ممثلة كبيرة.. ولا يتحدث عن نيللي كريم باعتبارها نجمة جماهيرية، وإنما يتذكر جسد الراقصة الذي كان يبحث عن طريقه إلى التمثيل.
ولا يتحدث عن محمود حميدة باعتباره واحدًا من أهم نجوم السينما، وإنما عن رجل كان يحلم بإنشاء مدرسة للممثلين ويساعد فرق الهواة في الخفاء.
وفي النهاية، تبدو حكاية (أحمد كمال) أكبر من مجرد سيرة فنان؛ إنها حكاية جيل كان يرى أن الفن صنعة تحتاج إلى المعرفة، وأن النجومية نتيجة وليست هدفًا، وأن أهم ما يمكن أن يتركه الفنان ليس عدد الأدوار التي لعبها، وإنما عدد الفنانين الذين ساعدهم على اكتشاف أنفسهم.
وهنا تحديدًا يصبح (أحمد كمال) واحدًا من أولئك الذين قد لا تصرخ أسماؤهم من فوق الملصقات، لكن آثارهم تظهر في وجوه كثيرة نراها اليوم على الشاشة.