


بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
كيف يمكن للإبهار البصري أن يتحول إلى أداة لترويج سرديات تاريخية مغلوطة؟، هذا التساؤل طرأ على ذهني في أثناء مشاهدتي فيلم (أسد)، ولتجسيد هذا المفهوم بدقة، قام صناع الفيلم بتصميم هذه الصورة التي تمثل مشهدا سينمائيا فخما، تظهر فيه مزارع شاسعة مزدهرة بالقطن الأبيض وأهرامات الجيزة في الخلفية، بينما يساق العمال قسرا لجمع المحصول.
هذه الصورة هى ترجمة بصرية لما يسمى بالـ (الملحمة المزيفة)، حيث تم استخدام جودة التصوير، وفخامة الديكور، والملابس المصممة بعناية لصناعة مشهد جذاب، لكنه ينقل في جوهره تاريخا غير موجود في مصر.
وظني أن وصف فيلم (أسد) بـ (الملحمة) هو في الواقع نوع من التزييف المتعمد، بل هو التوصيف الفني والدقيق الذي يلخص أزمة الفيلم بشكل كامل، فالمزيج الذي قدمه العمل خلق نوعا من (الانفصام الدرامي)، حيث وظف عناصر الإنتاج الضخم والإخراج البصري المبهر لصناعة غلاف ملحمي يبدو في ظاهره براقا، لكنه في الجوهر يرتكز على عمود فقري مشروخ وتاريخ مُختلق.يخالف البيئة المصرية.
هذا التزييف الملحمي يتجلى بوضوح في عدة نقاط نسفت منطق العمل: الإبهار البصري كـ (أداة تخدير) يقد بها (ديكتاتورية الصورة)، حيث اعتمد الفيلم على ما يمكن تسميته بـ (ديكتاتورية الصورة)، كادرات سينمائية تبدو للسذج بأنها ساحرة، بينما هى تعكس روح وتكنيك بعض أفلام السينما العالمية ذات الصلة بالملاحم، فضلا عن إضاءة مدروسة بعناية إلى حد ما، وموسيقى تصويرية تصنع حماسا مصطنعا بالضرورة.
الأزمة هنا تكمن في هذا الإفراط في (الاستايلستك) والجماليات البصرية لم يكن هدفا لخدمة النص، بقدر كان وسيلة للتغطية على ضعف البناء الدرامي وغياب التأسيس المنطقي للقصة.. المخرج استخدم الإبهار البصري ليخطف عين المشاهد ويمنعه من التساؤل: على أي أساس بُنيت هذه الأحداث؟


استعراض للقوة والحركة (الأكشن)
غياب (المنطق السردي) في تصاعد الأحداث الملحمية الحقيقية في تاريخ السينما تنبع من صدق المعاناة وارتباطها بالواقع، في (أسد) جاء تصاعد الأحداث مفتقرا للمنطق: كيف لمجتمع كامل أن يتبنى منظومة عبودية شاملة وفجائية لم يذكرها التاريخ، فقط لأن قراصنة أجانب جلبوا بعض الأرقاء؟
هذا الخلل جعل الصراع يبدو مقحما ومفتعلا، وكأن الشخصيات تتحرك في (فراغ تاريخي) لا يمت للبيئة المصرية بصلة، مما أفقد العمل عاطفته الحقيقية، وتحول إلى مجرد استعراض للقوة والحركة (الأكشن).
النهاية المفتوحة والهروب من المواجهة: عندما يواجه النص مأزقا تاريخيا ومنطقيا صنعه بنفسه، غالبا ما يلجأ إلى (النهايات المفتوحة) أو الهروب نحو الغموض، ومن ثم ففيلم (أسد) لم يمتلك الشجاعة لتقديم دلالات منطقية أو حلول متماسكة للحبكة الدرمية المفتعلة التي ورط نفسه فيها، فجاءت النهاية باهتة لا تقدم إجابات حقيقية، تاركة المشاهد في حالة من عدم الرضا بعد كل هذا الحشد البصري.
معروف أن السينما الحقيقية لا تحتاج إلى تزييف هوية مجتمع لصناعة بطل، وكان من الأجدى بصناع العمل الاستثمار في المعارك والمظالم الحقيقية التي عاشها الوجدان الشعبي المصري (وهى مليئة بالملامح الملحمية الصادقة)، بدلا من استيراد كتل درامية غريبة وتركيبها عنوة وبطريقة غير احترافية بالمرة.
فببساطة: عندما تسقط الواقعية والمنطقية من النص، تسقط معها صفة (الملحمة) لتصبح مجرد استعراض سينمائي فارغ من المضمون، رغم رصد ميزانية ضخمة لإنتاجه، والتشدق بعبارة أنه (فيلم عالمي) بتقنية مبتكرة لم تحدث في المنطقة العربية من قبل، وهذا في حد ذاته نوع من التعمية المقصودة.
وبقرءاة متأنية يمكنني القول بأن العمق النفسي غاب تماما، فقد حاول (محمد رمضان) جاهدا في فيلم (أسد) استغلال الفيلم كفرصة ذهبية للهروب من نمطية (أدوار البلطجة) أو (البطل الشعبي الخارق)، والتحول نحو أداء ذي أبعاد مركبة وسيكولوجية أعمق تحت إدارة مخرج غرق في التقليد لتيمات غربية ونقلها بالمسطرة من أفلام (قلب شجاع، المصارع، آلام المسيح).


أداء (رمضان) عانى الانفصام الدرامي
ورغم امتلاكه الملامح الشكلية والبنية الجسدية القوية لتجسيد شخصية (المتمرد)، إلا أن أداء (رمضان) عانى من (انفصام درامي)، فالشخصية مكتوبة بلسان وبيئة تبعد تماما عن الهوية المصرية؛ مما جعل انفعالاته وثورته تبدو وكأنها مستوردة من سينما هوليوودية عن العبودية الأمريكية، وليست نابعة من شجن ومظلومية حقيقية يعيشها الوجدان الشعبي الحقيقي.
الأداء الرصين من جانب ماجد الكدواني في (أسد) كان محاولة إنقاذ المنطق الدرامي: كعادته، قدم الفنان ماجد الكدواني أداء رصينا ومحكما، محاولا بث بعض (المنطقية) والعمق الإنساني في المشاهد التي يظهر بها، مستندا إلى خبرته الكبيرة في تجسيد الشخصيات ذات الأبعاد النفسية المعقدة، لكنه أخفق في توضيح وجهة النظر تلك جراء ارتباك وضعف السيناريو.
وعلى ما يبدو لي أن (الكدواني) كان ضحية النص: رغم تميزه الفردي، ظل أداءه مكبلا بنص يفتقر إلى التأسيس التاريخي المتماسك؛ فالممثل مهما بلغت براعته لا يمكنه إقناع المشاهد بصراع مبني على أسس وهمية وخلق واقع موازٍ يناقض الواقع.
التوجيه البصري الصارم يظهر من كواليس العمل (كما في الصورة)، فقد حاول المخرج توظيف أجساد الممثلين والمجاميع كجزء من (الديكور البصري)، تم توجيه تعبيرات وجوههم وحركتهم وسط مزارع القطن، وملابسهم البالية بعناية فائقة لصناعة الكادر الساحر الذي ظنه هو نفسه.
ومع ذلك فقد جاء الاستعراض على حساب الصدق: هذا الإفراط في (الاستايلستك) جعل أداء المجاميع يبدو أقرب إلى لوحات استعراضية مرسومة بدقة، بدلا من تعبير تلقائي وصادق عن معاناة إنسانية حقيقية.. الإبهار هنا كان وسيلة لتخدير عين المشاهد ومنعه من التساؤل عن تزييف الحقائق.
ولهذا أقول براحة تامة: وقع الأداء التمثيلي في فيلم (أسد) ضحية لـ (ديكتاتورية الصورة) وثغرات السردية المفتعلة، فحتى مع وجود طاقات تمثيلية قوية ورغبة جادة من الأبطال في تقديم سينما مغايرة، ظل الأداء عاجزا عن انتزاع التعاطف الحقيقي أو تحقيق (الصدق الفني)، لأن الرسائل الإنسانية العظيمة لا يمكن تمريرها بأداء يتحرك في فراغ تاريخي ومنطقي مخترع بالأساس، وليس قائما على أساس علمي.
هذا الحكم هو في الواقع المفتاح النقدي الأدق لتفكيك العمل بكامله، وهو يختصر كل الجدل المثار حول فيلم (أسد) في أنه لا يستند إلى وقائع تاريخية حقيقية، بل هو عمل يقوم على (الفانتازيا التاريخية) وخلق واقع موازٍ، حيث استخدم جغرافيا مصر وزمنا افتراضيا كمسرح ومجرد خلفية بصرية لتقديم ثيمة درامية مستوردة بالكامل.
وعندما يسقط (الاستناد التاريخي) من عمل ملحمي، تترتب على ذلك عدة نتائج فنية موضوعية: منها أن الفيلم لا يمكن تصنيفه كعمل تاريخي توثيقي؛ فالدراما التاريخية – حتى وإن نسجت شخصيات خيالية – يجب أن تحترم المنطق العام والعلاقات الاجتماعية والاقتصادية للحقبة التي تتناولها في سياق الأحداث.

ضعف البناء المنطقي
أما خلق منظومة عبودية عرقية شاملة في بيئة لم يعرفها المصريون على مدار تاريخهم، فهو يجعل العمل ينتمي لفئة (التاريخ البديل)، وكان من الأنسب لصناع العمل التنويه عن ذلك بوضوح لمنع تضليل المشاهد بتلك المشاهد التي تجتر العنف والأسى والمظلومية المفقودة.
عندما يختار الكاتب الهروب من الوقائع الحقيقية لصناعة (حبكة مصنوعة) فإنه يقع تلقائيا في فخ ضعف البناء المنطقي مثل: تصاعد الأحداث، ودوافع الشخصيات، ومن هنا جاءت المواجهات في الفيلم تنبدو في كثير من الأحيان مقحمة؛ لأنها لا تنبت من جذور الأرض التي تدور عليها، بل تتحرك وفقا لـ (كتالوج) سينمائي جاهز ومستنسخ من تجارب سينمائية غربية.
غياب السند التاريخي الحقيقي جعل الإبهار البصري الطاغي في التصوير، والديكور، والملابس، والموسيقى يبدو وكأنه (أداة تعويضية).. المخرج حاول استخدام الفخامة الإنتاجية لتعويض الفراغ الذي تركه غياب النص المتماسك والمنطقية التاريخية، ليتأكد المبدأ النقدي بأن جماليات الصورة لا يمكنها أبدا أن تصنع صدقا دراميا إذا كان الأصل مبنياً على زيف للحقائق التاريخية الثابتة.
صحيح أن السينما تمتلك كامل الحرية في الخيال، لكن عندما تتعرض لتاريخ وهوية مجتمعات حية، فإن إسقاط وقائع غير حقيقية يفقد العمل شرعيته الإنسانية، القيمة الفنية لسينما الملاحم تكمن في نبش المعاناة الحقيقية للشعوب، وتزييف الواقع لم يكن يوما طريقاً لصناعة رسالة نبيلة وصادقة كما جاء في فيلم (أسد).
مشكلة فيلم (أسد) أنه وقع في اختيار سياقا تاريخي حساس ويمس الهوية الوطنية، لا يمكن عزله في زاوية واحدة؛ بل يتم الحكم عليه ومحاكمته نقديا عبر ثلاثة مسارات متداخلة:(تاريخيا، وسياسيا، وفنيا).
وما يؤكد ذلك غياب المرجعية والمنطق: ذلك هو التقييم العلمي الصارم للعمل، وهنا يسقط الفيلم في اختبار المصداقية، حيث لجأ تزييف الواقع الاجتماعي: المحاكمة التاريخية تحكم على الفيلم بأنه يقدم (تاريخا بديلا)، أو فانتازيا لا صلة لها بالواقع، لأن مصر لم تشهد نظام العبودية العرقية المؤسسية في مزارعها أو مظاهر لحياة المصريين في تلك الفترة الزمنية التي وقعت فيها الأحداث.
غياب المنطق السردي ظهر واضحا في غياب الاستناد إلى وقائع حقيقية جعل البناء الدرامي وتصاعد الأحداث يبدو مفتعلا ومقحما، فالشخصيات تتحرك في فراغ تاريخي، مما يفقد العمل عاطفته وصداقته الفنية ويحوله إلى مجرد استعراض للحركة (الأكشن).
الحكم السياسي بدا واضحا في صراع الهوية والتمويل: عندما يسقط المنطق التاريخي، يفتح العمل الباب تلقائيا للمحاكمة السياسية، حيث يتم التعامل مع هذا التزييف بوصفه أداة لأجندات أوسع بشكل متعمد.

في خدمة (الأفروسنتريك)
ولعلنا نلحظ أن فيلم (أسد) صب في خانة خدمة قضية (الأفروسنتريك)، بمعنى أنه يتم الحكم على الفيلم سياسيا بأنه يوظف القصة – سواء كان ذلك بوعي أو دون وعي – لصالح حركات تسعى لتجريد مصر من هويتها وصناعة مظلومية تاريخية بديلة.
وما ساهم في ترسيخ هذه الفكرة هو سلطة رأس المال والتمويل الخارجي، لذا يُنظر إلى الفيلم سياسيا وثقافيا في سياق الصراع على الريادة الفنية في المنطقة من جانب (بيج تايم) الجهة المنتجة؛ حيث يرى المنتقدون أن التمويل الضخم يستخدم أحيانا لفرض معايير ثقافية غريبة، وتمرير سرديات مغلوطة تضعف الصلابة التاريخية للهوية الوطنية المصرية استرضاء للمنصات العالمية التي تلعب على أوتار الهوية.
وبالنظر إلى الحكم الفني والجمالي، نلمح على الفور (ديكتاتورية الصورة):هنا يحاكم فيلم (أسد) بناء على أدواته السينمائية وكيفية توظيفها، فتبدو الصورة كوسيلة تعمية: فنيا، يتم تقييم الإبهار الطاغي في التصوير، والديكورات الفخمة، والملابس، وأداء المجاميع الصارم، على أنه (أداة تعويضية) استخدمها الإخراج لتغطية ضعف النص وثغرات السردية المفتعلة، بهدف تخدير عين المشاهد ومنعه من التساؤل عن منطقية الأحداث.
الأداء التمثيلي المأزوم: حتى محاولات الممثلين مثل (محمد رمضان في محاولته لتغيير جلده الفني، أو ماجد الكدواني برصانته المعهودة) تظل محكومة بالفشل الفني؛ لأن الممثل لا يمكنه انتزاع تعاطف حقيقي أو تحقيق (الصدق الفني) إذا كان يتحرك داخل حبكة مبنية على أسس وهمية.
الخلاصة: لا يمكن الفصل بين الجانبين؛ (التاريخ) هو الذي يكشف الزيف العلمي في النص، و(السياسة) هى التي تحلل أبعاد وخلفيات النوايا والتمويل وراء هذا الزيف الملحمي الرجيم، بينما الفن هو الأداة البصرية (الملحمة المزيفة) التي أُخرجت لتمرير هذا كله، فالعمل المتكامل هو الذي يحترم خصوصية وتاريخ مجتمعه، لأن الرسائل الإنسانية النبيلة لا تحتاج أبداً إلى تزييف الوعي لتثبت صحتها في محاولة للي عنق الحقائق والتاريخ.
أخطأ (تركي آل شيخ) عندما أراد النيل من مصر مرة ثانية بعد كارثة فيلم (الست)، ونسي أن السعودية رفضت عرض فيلم (حياة الماعز) باعتباره مناهض للعنصرية التي رسخ لها فيلم (أسد)، وفي إطار الشفافية أطالب السلطات المصرية بإعادة عرض فيلم (موت أميرة – 1980) الذي تسبب في أرمة سياسية بين السعودية وبريطانيا، بحيث يأتي كنوع من المكايدة التي يصر عليها صناع الفن والترفيه في السعودية.