رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(كلوديا حنا) تفتح صندوق أسرار الكلدان.. من (أور الكلدانيين) إلى بابل والشتات

(كلوديا حنا) تفتح صندوق أسرار الكلدان.. من (أور الكلدانيين) إلى بابل والشتات
كلوديا تعيد الجمهور إلى واحدة من أكثر صفحات تاريخ العراق إثارة للجدل والفضول

كتبت: صبا أحمد

لم تكن إطلالة النجمة العراقية (كلوديا حنا) هذه المرة مجرد حديث عن الفن والنجومية، وإنما بدت كأنها تفتح صندوقًا قديمًا مليئًا بالأسرار، لتعيد الجمهور إلى واحدة من أكثر صفحات تاريخ العراق إثارة للجدل والفضول.. تاريخ الكلدان.

وخلال ظهورها في برنامج Tareq Ismail Program، الذي يقدمه الإعلامي طارق إسماعيل، تحدثت (كلوديا حنا) عن جذورها الكلدانية، مستعرضة تاريخ شعب ارتبط ببلاد الرافدين، وبابل، واللغة والهوية والتراث، وصولًا إلى وجود الكلدان في العالم اليوم.

الحلقة سرعان ما تحولت إلى حديث واسع على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما وجد الجمهور نفسه أمام حكاية تتجاوز النجمة العراقية نفسها، لتفتح نافذة على تاريخ طويل من الحضارة والهجرة والهوية.

بحسب الروايات التاريخية، ظهر الكلدان كجماعات سامية في جنوب بلاد ما بين النهرين خلال أوائل الألف الأول قبل الميلاد، وتحديدًا في حدود القرن التاسع قبل الميلاد، وتركز وجودهم في جنوب العراق القديم والمناطق المحيطة ببابل، وخلال الحلقة، تحدثت (كلوديا حنا) عن جذورها، مشيرة إلى الامتداد التاريخي للكلدان في بلاد الرافدين، وإلى ما تمثله هذه الجذور بالنسبة للهوية التي يعتز بها أبناؤها.

ومع مرور الوقت، توسع نفوذ الكلدان، وظهرت إمارات قوية مثل (بيت دكوري وبيت ياقين وبيت شيلاني)، قبل أن يدخلوا في صراعات مع الإمبراطورية الآشورية الحديثة حول السيطرة على بابل، المدينة التي كانت واحدة من أهم مراكز القوة السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية في العالم القديم.

(كلوديا حنا) تفتح صندوق أسرار الكلدان.. من (أور الكلدانيين) إلى بابل والشتات
أكثر النقاط إثارة التي ارتبطت بحديث (كلوديا حنا)، العلاقة التاريخية والروائية بمدينة أور

العلاقة التاريخية والروائية بمدينة أور

ومن أكثر النقاط إثارة التي ارتبطت بحديث (كلوديا حنا)، العلاقة التاريخية والروائية بمدينة أور في جنوب بلاد الرافدين، المعروفة في الرواية الكتابية باسم (أور الكلدانيين)، وترتبط هذه المدينة في التقليد الديني بخروج النبي إبراهيم عليه السلام، وإن كان تحديد المقصود تاريخيًا بـ (أور الكلدانيين) وعلاقتها بالكلدان الذين ظهروا في الألف الأول قبل الميلاد، لا يزال موضع نقاش بين الباحثين.

وهنا تصبح الحكاية أكبر من مجرد اسم مدينة.. إنها نقطة تتقاطع عندها الرواية الدينية مع التاريخ القديم، وتتشابك فيها الأسئلة حول الجغرافيا والهجرة والهوية.

بلغ نفوذ الكلدان واحدة من أبرز مراحله مع نابوبولاسر، الذي قاد عام 626 قبل الميلاد ثورة ضد الآشوريين، وأسهم في تأسيس الإمبراطورية البابلية الحديثة، التي ارتبطت تاريخيًا بالسلالة الكلدانية، ثم جاء ابنه نبوخذ نصر الثاني، الذي حكم بين عامي 605 و562 قبل الميلاد، لتصل بابل في عهده إلى واحدة من أزهى مراحل قوتها.

مدينة ضخمة، عمارة مبهرة، معابد، شوارع احتفالية، وأسوار ومنشآت ارتبطت باسم بابل في الذاكرة الإنسانية.. ومن بينها بوابة عشتار وشارع الموكب، إلى جانب المعابد الكبرى المرتبطة بالإله مردوخ، كما ارتبط عهد نبوخذنصر بحملات عسكرية واسعة في بلاد الشام، وبسقوط القدس عام 586 قبل الميلاد، وما عُرف تاريخيًا بالسبي البابلي.

أما جنائن بابل المعلقة، التي ارتبط اسمها بهذه المرحلة، فما زال وجودها التاريخي وموقعها الدقيق محل نقاش بين الباحثين، لكن قصة بابل لم تكن قصة ملوك وجيوش فقط، فالعصر البابلي الحديث شهد تقدمًا لافتًا في العمارة، والفلك، والرياضيات والحساب، كما لعبت الكتابة المسمارية دورًا أساسيًا في تسجيل الأحداث والمعاملات والنصوص الدينية والإدارية.

وهكذا تحولت بابل إلى مركز سياسي وثقافي وديني بارز، قبل أن تسقط الإمبراطورية البابلية الحديثة عام 539 قبل الميلاد أمام قورش الثاني، ملك الفرس.. لكن سقوط الدولة لم يكن نهاية الحكاية.

من التاريخ القديم إلى الهوية المعاصرة.. هنا تنتقل قصة الكلدان من صفحات التاريخ القديم إلى واقع معاصر ما زالت فيه الهوية حاضرة بقوة، فالكلدان المعاصرون، وخاصة في إطار الهوية الكلدانية المسيحية، يحتفظون بتراث ولغة وطقوس وعادات ارتبطت تاريخيًا بالعراق وبلاد الرافدين.

(كلوديا حنا) تفتح صندوق أسرار الكلدان.. من (أور الكلدانيين) إلى بابل والشتات
في حوارها مع طارق إسماعيل وكأنها لا تتحدث فقط عن نسب أو جذور عائلية، وإنما عن ذاكرة شعب

خصوصية مناطق مثل سهل نينوى

ويتحدث كثير منهم بلهجات من الآرامية الحديثة المعروفة محليًا باسم (السورث)، وتستخدم الحروف السريانية في الكتابة الطقسية والأدبية، كما يحتفظون بألحان كنسية ومأكولات وأزياء وتراث اجتماعي يعكس خصوصية مناطق مثل سهل نينوى وشمال العراق.

ومع الهجرات والحروب والاضطرابات التي شهدها العراق، ولا سيما بعد عام 2003 ثم هجمات تنظيم داعش عام 2014، انتشر الكلدان في مناطق مختلفة حول العالم، وأصبحت الولايات المتحدة، خاصة ميشيغان ومنطقة ديترويت، من أبرز مراكز وجودهم خارج العراق، إلى جانب تجمعات في أستراليا وأوروبا.

في النهاية، بدت (كلوديا حنا) في حوارها مع طارق إسماعيل وكأنها لا تتحدث فقط عن نسب أو جذور عائلية، وإنما عن ذاكرة شعب يريد أن يظل حاضرًا في المشهد.. من بابل إلى الكنيسة، ومن اللغة إلى التراث، ومن العراق إلى بلاد الاغتراب، ظلت حكاية الكلدان تحمل سؤالًا أكبر: كيف يستطيع شعب أن يحافظ على هويته، مهما ابتعدت به المسافات وتغيرت الأزمنة؟

وهنا كانت رسالة (كلوديا حنا) واضحة.. التاريخ ليس مجرد ماضٍ محفوظ في الكتب، وإنما ذاكرة حية، والهوية التي لا يعرف أصحابها تاريخها قد تفقد يومًا القدرة على الدفاع عن وجودها.

أما النجمة العراقية، فاختارت أن تستعيد جزءًا من هذه الذاكرة أمام جمهور واسع.. لتثبت أن وراء كل نجمة حكاية، وأحيانًا تكون الحكاية الأهم هي تلك التي تبدأ قبل الشهرة بآلاف السنين.

👀 Views:

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.