رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

مسلم يفتح دفتر الحنين بـ (واحشاني).. أغنية تضع الغياب في مواجهة القلب

مسلم يفتح دفتر الحنين بـ (واحشاني).. أغنية تضع الغياب في مواجهة القلب
يبدو أن (مسلم) قرر هذه المرة أن يقترب أكثر من مشاعر الإنسان بعد الفراق

كتبت: صبا أحمد

لم يكن اختيار المطرب (مسلم) لأغنية (واحشاني) لتكون عنوان ألبومه الجديد مجرد اختيار عابر، فالأغنية تبدو وكأنها مفتاح هذا المشروع الغنائي الذي يراهن فيه على منطقة شديدة القرب من جمهوره.. منطقة الوجع والاشتياق والذكريات التي لا تعرف كيف تغادر القلب حتى بعد رحيل أصحابها.

ومن هنا أطلق (مسلم) أحدث أعماله الغنائية المصورة (واحشاني)، عبر موقع يوتيوب وجميع المنصات الرقمية ومحطات الراديو، لتكون الأغنية السادسة التي يطرحها من ألبومه الجديد الذي بدأ إصدار أغنياته في مارس الماضي، ويضم 10 أغنيات متنوعة في أنماطها الموسيقية ومضامينها العاطفية.

ويبدو أن (مسلم) قرر هذه المرة أن يقترب أكثر من مشاعر الإنسان بعد الفراق، فـ (واحشاني) ليست مجرد أغنية عن شخص غائب، وإنما عن إنسان يحاول أن يتصالح مع نسخة قديمة من نفسه، تلك النسخة التي كانت موجودة قبل أن يرحل الحبيب.

منذ الجملة الأولى: (عندي سؤال إزاي قدرتي تكوني أقرب في الغياب)، يدخل (مسلم) مباشرة إلى قلب الحكاية، دون مقدمات طويلة أو استعراضات لغوية.

السؤال هنا ليس عن الحبيبة فقط، وإنما عن المفارقة التي يصنعها الفراق؛ فبعض الأشخاص يصبحون أكثر حضورًا بعد رحيلهم، وتتحول صورهم وذكرياتهم وأصواتهم إلى تفاصيل يومية تطارد صاحبها في كل مكان.

ويزداد هذا المعنى وضوحًا عندما يقول: (واحشاني.. وواحشني نفسي اللي كانت معاكي زمان)، وهى واحدة من أكثر جمل الأغنية تعبيرًا عن طبيعة الفقد، لأنها لا تتحدث فقط عن الاشتياق إلى الآخر، وإنما عن الاشتياق إلى الذات التي كانت تعيش معه.

وهنا تكمن قوة الأغنية الأساسية؛ في أن مسلم لا يقدم الفراق باعتباره نهاية علاقة عاطفية فقط، بل باعتباره خسارة لجزء من الشخصية نفسها.

مسلم يفتح دفتر الحنين بـ (واحشاني).. أغنية تضع الغياب في مواجهة القلب
يختار (مسلم) أن يقدم وجهًا أكثر درامية وهدوءًا من بعض أعماله السابقة

من الرومانسية إلى الدراما

في (واحشاني) يختار (مسلم) أن يقدم وجهًا أكثر درامية وهدوءًا من بعض أعماله السابقة، مستندًا إلى كلمات وألحان كتبها بنفسه، بينما تولى إسلام الأزرق التوزيع الموسيقي، وأخرج الكليب عمر زكي.

وتأتي الموسيقى في خدمة الحالة الشعورية، فلا تحاول أن تنافس الكلمات على البطولة، وإنما تمنحها المساحة الكافية لكي تصل إلى المستمع.

وهذا أمر مهم في تجربة (مسلم)، الذي بات خلال السنوات الأخيرة واحدًا من الأصوات التي استطاعت أن تصنع لنفسها حضورًا واضحًا لدى جمهور الشباب، من خلال المزج بين الحس الغنائي الحديث والموضوعات العاطفية القريبة من تفاصيل الحياة اليومية.

(واحشاني) هى الأغنية السادسة في ألبوم مسلم، الذي اختار أن يطرحه على مراحل بدلًا من تقديمه دفعة واحدة، وهي استراتيجية أصبحت أكثر حضورًا في سوق الموسيقى الرقمية.

وبدأ (مسلم) مشروعه بأغنية (سحابة صيف) من كلمات محمود عادل، وألحان كريم نيازي، وتوزيع وميكس وماستر إسلام الأزرق.

ثم طرح (بنلف وندور) من كلماته وألحانه، وتوزيع مهيب سليط، قبل أن يقدم (ماتتحبيش)، من كلمات حسام سعيد، وألحان عمرو الشاذلي، وتوزيع وميكس وماستر محمد ياسر.

كما طرح (على كل حال) من كلمات زياد ياسر، وألحان مصطفى يسري، وتوزيع وميكس وماستر تيام طارق، ثم (طال بعدك)، من كلمات أحمد عزب، وألحان كامل الجندي، وتوزيع إسلام شوقي، وإخراج كريم رفعت.

وبذلك تتضح صورة ألبوم لا يعتمد على لون موسيقي واحد، وإنما يتحرك بين أكثر من حالة، مع احتفاظ مسلم بخيط عاطفي واضح يربط أجزاء المشروع.

الفيديو كليب الذي أخرجه عمر زكي يواكب طبيعة الأغنية التي تتحرك داخل مساحة من الذكريات والغياب، لتتحول العلاقة المنتهية إلى حضور دائم في الذاكرة.

واللافت أن الكلمات نفسها تقدم مجموعة من الصور الدرامية القابلة للتحويل بصريًا؛ صورة الحبيب الذي يمسك صورًا قديمة، والليل الطويل، وانتظار رسالة، والخوف من النسيان، ومحاولة الهروب من الأيام.

وعندما يقول مسلم: (ماسك صور لينا بنضحك وسط الناس)، فإن الصورة هنا تصبح أكثر من مجرد ذكرى؛ إنها دليل على حياة انتهت لكنها ما زالت معلقة داخل الذاكرة، ثم تأتي واحدة من أكثر الصور قسوة: (غرقان وأنا ما بعرفش أعوم)، ليتحول الفراق إلى بحر لا يعرف صاحبه كيف يخرج منه.

مسلم يفتح دفتر الحنين بـ (واحشاني).. أغنية تضع الغياب في مواجهة القلب
اختيار (واحشاني) عنوانًا للألبوم يمنح المشروع بأكمله هوية عاطفية واضحة

عنوان يحمل الحكاية كلها

اختيار (واحشاني) عنوانًا للألبوم يمنح المشروع بأكمله هوية عاطفية واضحة، فالكلمة البسيطة تحمل أكثر من معنى؛ يمكن أن تكون موجهة إلى حبيب، أو إلى زمن، أو إلى شخص رحل، أو حتى إلى نسخة قديمة من الإنسان نفسه.

وهذه المساحة المفتوحة في معنى العنوان ربما تكون أحد أسباب قدرته على الاقتراب من جمهور واسع؛ لأن كل شخص تقريبًا لديه (واحشاني) خاصة به، حتى لو اختلفت الحكاية.. ويبدو أن مسلم يراهن في هذا الألبوم على هذه المنطقة تحديدًا: الأغنية التي تقول ما يعجز كثيرون عن قوله.

مع طرح الأغاني تباعًا، يبدأ المستمع في اكتشاف ملامح المشروع بصورة أكبر، فإذا كانت (سحابة صيف) تحمل حالة مختلفة، وإذا كانت (بنلف وندور، وماتتحبيش، وعلى كل حال، وطال بعدك) تقدم مساحات متنوعة من العلاقات والمشاعر، فإن (واحشاني) تبدو أكثر وضوحًا في مواجهة سؤال الفقد.

وهنا تظهر قيمة طرح الألبوم على مراحل؛ إذ لا يتلقى الجمهور عشر أغنيات دفعة واحدة، وإنما يعيش مع كل أغنية كأنها فصل مستقل من كتاب طويل.

يذكر أنه خلال السنوات الماضية استطاع (مسلم) أن يثبت أن وجوده لم يعد مرتبطًا بأغنية بعينها أو موجة موسيقية مؤقتة، وإنما أصبح لديه جمهور ينتظر أعماله ويتابع تطوره.

والتحدي الحقيقي أمامه الآن ليس فقط تحقيق النجاح الجماهيري، وإنما أن يحافظ على قدرته على التجدد دون أن يفقد بصمته الخاصة.. وفي (واحشاني) يبدو أنه اختار الطريق الأصعب: أن يترك مساحة أكبر للمشاعر، وأن يسمح للأغنية بأن تتنفس بعيدًا عن فكرة الاستعراض.

ومع اكتمال طرح أغنيات الألبوم العشر، سيكون الحكم الحقيقي على التجربة كلها، لكن المؤكد أن (واحشاني) نجحت في فتح باب جديد داخل المشروع، باب عنوانه الحنين، ومفتاحه صورة قديمة، ونهايته سؤال لا يجد صاحبه له إجابة: كيف يمكن أن ينسى القلب شخصًا ما زال حاضرًا في كل شيء؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.