
بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
قبل أن يعرفها المصريون مطربة تهز وجدانهم فى ساعات الحرب، وقبل أن يعرفها النواب سيدةً اعتادت مقاعد البرلمان حتى صارت جزءًا من ذاكرته، كانت (فايدة كامل) مجرد طفلة تركض فى شوارع حى الخليفة.
هناك، حيث لا تسير الأزقة في خط مستقيم، بل تلتف كما لو كانت تحفظ أسرار قرون طويلة، وحيث تتعالى المآذن فوق البيوت القديمة، وتراقب القباب المارة فى صمت يشبه الحكمة، بدأت الحكاية.
كان حى الخليفة في ذلك الزمن مدينةً صغيرة داخل القاهرة؛ يعرف الجار اسم جاره، وتتشابك الأيدى قبل أن تتشابك الطرق، وتختلط أصوات الباعة بتلاوة القرآن، ثم ينتهي النهار على وقع حكايات الجدات عن الأولياء والسلاطين الذين مروا من هنا، تاركين للمكان هيبته التى لم يبددها الزمن.
في هذا العالم فتحت (فايدة كامل) عينيها على الحياة.. ولعل المدينة القديمة كانت أول معلم للفن في وجدانها؛ فمن يعيش بين هذا الجمال لا بد أن يحمل في داخله شيئًا من الموسيقى، حتى قبل أن يتعلمها.
ولم يطل انتظار القدر.. وصل صوت الطفلة إلى الإذاعة المصرية، ولم تكن قد تجاوزت سنواتها الأولى، فوجدت نفسها أمام ميكروفون أكبر منها حجمًا، لكنه بدا وكأنه ينتظرها منذ زمن. هناك أدركت أن للصوت وطنًا آخر غير الحنجرة، وأن الكلمة إذا خرجت صادقة تستطيع أن تصل إلى ملايين القلوب.
كبرت الفتاة، ودخلت معهد الموسيقى العربية، ثم المعهد العالى للفنون المسرحية والغنائية، بينما كانت تدرس الحقوق في الوقت نفسه، كأنها كانت تستعد لحياتين لا لحياة واحدة؛ حياة يغلب عليها اللحن، وأخرى تحكمها الكلمة والقانون.

لم تحمل فايدة كامل بندقية
وفي أروقة الإذاعة التقت (فايدة كامل) شابًا نحيلًا يحمل أحلامًا أكبر من عمره، اسمه (بليغ حمدي) لم يكن أحد يعرف يومها أن ذلك الشاب سيصبح أحد عمالقة التلحين، لكنها آمنت بموهبته، ومنحته صوتها قبل أن يمنحه الزمن مجده، فكانت من أوائل من فتحوا أمامه أبواب النجاح.
ثم جاء عام 1956.. كانت مصر كلها تقف على حافة النار، وكانت مدافع العدوان الثلاثى تبحث عن وطن ينكسر.. وفي تلك الأيام، لم تحمل فايدة كامل بندقية، لكنها حملت ما كان أشد وقعًا على النفوس.
وقفت أمام الميكروفون، وأطلقت أغنية (دع سمائي).. لم تكن تغنى وحدها، بل بدا وكأن القاهرة كلها تغنى معها، وكأن أصوات المآذن فى الخليفة، وأجراس الزمن فى القاهرة القديمة، خرجت جميعها من حنجرتها عبر الأثير، تجاوز صوتها المدن والحدود، وصار جزءًا من معركة الوطن، حتى التصق بها اللقب الذي لم يفارقها بعد ذلك (صوت الشعب).
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد (فايدة كامل) مطربة تؤدى الأغنيات، بل أصبحت واحدة من الأصوات التى ارتبطت بالذاكرة الوطنية.
غنت للحرية، وللوحدة، وللسد العالى، وللانتصار، وللسادات ايضا حتى صار حضورها فى المناسبات الوطنية جزءًا من صورة مصر نفسها.. لكن الشهرة لم تنزع عنها بساطة ابنة الخليفة.
وحين اقترنت بالسيد النبوي إسماعيل، الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للداخلية، لم تغيّرها المكانة، ولم تغرها الأضواء.. كانت تدرك أن المناصب عابرة، أما الناس فهم الباقون.. ولهذا، عندما قررت دخول الحياة السياسية، لم تبحث عن دائرة انتخابية تصنع لها نصرًا سهلًا، بل عادت إلى المكان الذي خرجت منه.
عادت إلى الخليفة.. هناك، بين البيوت التي تعرف خطاها، وقفت تطلب ثقة الناس، لا إعجاب الجمهور.

أطول المسيرات البرلمانية
وكانت المفاجأة أن أبناء الحى لم يروا فيها الفنانة الشهيرة، بقدر ما رأوا ابنتهم التى كبرت بينهم، فحملوها إلى مجلس الشعب، ثم أعادوها إليه مرة بعد أخرى، حتى أمضت تحت قبته أربعة وثلاثين عامًا، في واحدة من أطول المسيرات البرلمانية في تاريخ مصر.
لم تكن تحب الخطابة بقدر ما كانت تحب أن ترى أثر العمل.. كانت تعرف الشوارع كما يعرفها سكانها، وتعرف البيوت التى تنتظر مياهًا نظيفة، والأطفال الذين يحتاجون مدرسة، والشباب الذين يحلمون بمركز رياضى والمسنين الذين يبحثون عن رعاية تحفظ كرامتهم.. لذلك لم يكن مقعد البرلمان بالنسبة إليها نهاية الرحلة، بل بدايتها الحقيقية.
وبينما كان المصريون يصفقون لها فوق المسرح، كان أبناء الخليفة ينتظرونها فى الأزقة نفسها التى لعبت فيها طفلة، يطرقون بابها، ويجدونها كما كانت دائمًا؛ قريبة منهم، تعرف أسماءهم أكثر مما تعرف ألقابهم.
ورحلت (فايدة كامل) في أكتوبر عام 2011، لكن بعض الناس لا يرحلون تمامًا.. يكفي أن تسير اليوم في حى الخليفة، وهو يستعيد وجهه الجميل مع مشروعات تطوير القاهرة التاريخية، حتى تشعر أن المكان يستحضر أبناءه الذين أحبوه. فالجدران التي استعادت لونها، والقباب التي استعادت هيبتها، والأزقة التى عاد إليها الضوء، كلها تروى الحكاية نفسها.
حكاية فتاة خرجت من قلب القاهرة القديمة، فحملت وطنًا كاملًا في صوتها، ثم حملت حيها في قلبها.. وربما لهذا لم يكن اسم (فايدة كامل) مجرد اسم مطربة أو نائبة برلمان.. كان، وسيظل، واحدًا من الأسماء التى كلما ذُكر حى الخليفة، حضر معها، كما تحضر رائحة التاريخ كلما هبت نسمة بين مآذنه العتيقة.