
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
أظن أنه بعد انتهاء الهوجة الإعلامية على استضافة مدرب ولاعبي المنتخب، ونشر الفضائح الأسرية والزوجية على الملأ بكل فخر، علينا أن نتوقف جميعا لنبحث عن إجابة لسؤال، كيف تحول الإعلام المصري من الصالونات الثقافية والمكتبات، إلى (إعلام غرف النوم).
وأدعو الصديقين ضياء رشوان وزير الدولة للإعلام، وأحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام لتبني إقامة جلسات (عصف ذهني) بين المعنيين بالمهنة، تحاول الوصول إلى الأسباب التي جعلت البرامج تتبارى في الكشف عن أسرار البيوت والأزواج، ولا تبالي بترقية أذواق المشاهدين كما كان يحدث في الماضي.
هل المشكلة في أن الجمهور عايز كده، كما كان المنتجون السيئون يبررون أفلام المقاولات والأغاني الهابطة التي اجتاحت المجتمع المصري في ذروة عصر الانفتاح؟!.. أم أن المشكلة في أن سوق الإعلام نفسه تعرض للغزو من غير المتخصصين ولا الدارسين، وعاد مثلما بدأ قبل ما يقرب من قرن ونصف القرن، مهنة من لا مهنة له؟! أو أن هناك أسباب اخرى لا نعلمها؟!
الأمر الذي أعرفه أن الفضول كان سمة بشرية منذ بداية الخليقة، والنميمة صفة إنسانية ظهرت منذ أن عرف البشر الكلام، لكن الجديد (السيء) أن الإعلام الذي كان أحد أدواره تهذيب السلوك الإنساني والارتقاء بأذواق المشاهدين، اكتشف أن الفضول يمكن أن يتحول إلى بيزنس ناجح، وأن أسرار البيوت تدر مشاهدات، ومن ثم أرباح أكثر بكثير مما تدره البرامج الجادة التي تناقش حياة الناس وهمومها الحقيقية.
صحيح أن المجتمع يتحمل النصيب الأكبر من المسؤولية، وصحيح أنه بات عقيما عن تقديم نجوم في الفكر والثقافة بقيمة طه حسين والعقاد، ثم نجيب محفوظ ويوسف إدريس، ولا يوجد مقدمو برامج بوزن مصطفى محمود وحامد جوهر.

الذين أدركوا (سر الصنعة)
لكن لا يمكن أن أعفي الضيوف من المسؤولية، خاصة المتداولين حاليا في الفضائيات الذين أدركوا (سر الصنعة)، وأن إقبال البرامج على استضافتهم ليس وفقا لقيمة ما يطرحونه من أفكار وإنما بما يسببونه من جدل.
تعلمنا من أساتذتنا أن الإعلام في أي دولة تحترم نفسها، ليس مجرد وسيلة للتسلية، وإنما رسالة حتى قبل أن يكون مهنة، وأن وظيفته ليست فقط أن يعرف الناس ما يريدون معرفته، وإنما أحيانًا أن يعرفهم ما يحتاجون إلى معرفته.
لكن أن ينزلق الحوار بين مذيع وزميلته ليتبادلا الغزل على الهواء وأنه كان يحلم بالزواج منها منذ شبابه، وترد هي بانه انتظرته طويلا، فهذا سلوك شائن لا يمت للإعلام بصلة، ومحاولة رخيصة لاثارة الغيرة من شخصين تجاوزا بعقود مرحلة المراهقة.
ربما تأثر الإعلام بقيم زمن التابلويد والـ infotainment أي دمج المعلومة مع الترفيه، بالحكمة البشرية القديمة التي تقول أن الطريق الى قلب الرجل معدته، وعرف القائمون على الإعلام أن الطريق إلى جيب المعلن يمر عبر فضول المشاهد، فكلما زاد الجدل ارتفعت المشاهدات، وكلما ارتفعت المشاهدات زاد اقبال المعلنين ومن ثم زادت أرباح القناة.
لا أبرئ المجتمع من المسؤولية أيضا، إذ أن الكثيرين باتوا مشغولين بمعرفة أسرار الناس، مشاهير وغير مشاهير، وأصبح الاقبال على متابعة فيديوهات وصور الناس داخل بيوتهم من خلال (إعلام غرف النوم)، أكثر انتشارا على الفضائيات ووسائل التواصل الاجتماعي من أي مشاهد جادة.
بل إن فيديوهات جنازات المشاهير تلقى إقبالا ملحوظا من المشاهدين لتتحول من مناسبات للموعظة وإدراك نهاية كل انسان مهما بلغت شهرته ونفوذه، إلى مناسبات للكشف عمن حضر من المشاهير، وكيف كانت حالتهم وهم يصافحون أهل المتوفي، وماذا فعلوا في الجنازة.

صناعة الإعلام تغيرت
ليس مهما بالنسبة لصناع هذا النوع من (إعلام غرف النوم)، أنه لا يترك وراءه أثرا يذكر، فبعد أسبوع أو شهر، لن يتذكر أحد ماذا قالت زوجة هذا اللاعب، أو ماذا كشف ذلك الفنان عن حياته الخاصة، بينما لا نزال نتذكر باعجاب وانبهار، ذلك البرنامج الذي استضاف عدد من الروائيين والأدباء الشباب في صالون طه حسين، رغم مرور ما يزيد على ستين عاما على تقديمه.
لا أنكر أن صناعة الإعلام نفسها تغيرت، وأصبح معيار النجاح هو عدد المشاهدات لا قيمة ما يقدم، لكن هذا المنطق يمكن أن يطبق في الإعلام الخاص الذي يستهدف الربح، لكن عندما يسير إعلام الدولة على نفس الطريق، فنحن أمام غياب في الرؤية، وكارثة في الفكرة.
لأن الأصل في الإعلام كما تعلمنا أن يقود المجتمع لا أن ينجر وراء صرعاته، أن ينير الطريق ويناقش القضايا التي تهم حياة الناس، وحين يتراجع ذلك المفهوم ويسمح بأن تصبح غرف النوم هى المحتوى، فلا تتساءل كثيرًا عن حال الإعلام، وانما تأسى على أحوال المجتمع الذي سمح بذلك.