رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

تشكيل عصابي في (كأس العالم) !

* حققنا أول فوز مصري في تاريخ المونديال… فماذا فعلنا؟

* ذبحنا الفرحة، ودنّسنا قميص المنتخب، ورقصنا على الانحلال

تشكيل عصابي في (كأس العالم) !
تحول المجد إلى فضيحة.. تحول أول انتصار إلى أول وصمة
تشكيل عصابي في (كأس العالم) !
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

حقق المنتخب المصري انتصاره التاريخي على نيوزيلندا في (كأس العالم)، كان المفترض أن يرى العالم تحضّرنا، وأن يرتفع فننا، وأن تهتز الأرض تحت أقدام أكثر من مئة مليون مصري يهتفون باسم الوطن، لكن الكاميرات لم تنقل لنا تحضراً ولا فناً.. نقلت لنا لاعبي المنتخب المصري يرقصون على تسجيل صوتي كارثي يقول: (بعد دقيقة فاتت قاله دي ماتت.. البت بقت جثة).

تحول المجد إلى فضيحة.. تحول أول انتصار إلى أول وصمة.. رقص لاعبو المنتخب الوطني على كلمات مهرجان صدر عام 2019 لفرقة اسمها (تشكيل عصابي، شواحة وحلقولو.. رقصوا على اختطاف.. رقصوا على اغتصاب.. رقصوا على مخدرات).

ولمن يسأل: ما المشكلة؟ هذه كلمات الأغنية التي هزّوا لها أكتافهم:

بنت فلكة ماشية وسكرانة قولنا خالصة ناخدوها معانا

هات لي فركة دور غرقانة خالصة ده أنا هخوش أدوس

راح زميلي قال لي أنا الأول ربع ساعة جوة مش هطول

خد له نص تامول وإتحوّل فضل يحضن يبوس

دخل خدها جوة يعمل نوة قالها يلا يا موزة

بعد دقيقة فاتت قال له دي ماتت البنت بقيت جثة”

لا أستطيع فهم معظم هذه المفردات المنحطة، لأن لا نشأتي ولا تربيتي تؤهلاني لفهم هذه الألفاظ القذرة، لكن ما فهمته يقيناً أنها ليست كلمات، بل اعتراف بجرائم: سُكر، وتعاطٍ، واغتصاب، وموت.. مجموعة جرائم مغلفة بلحن.. فكيف يتحول وصف الجريمة إلى احتفال رسمي في (كأس العالم)؟.. وكيف يُسمح بتشغيل هذا الإسفاف، ويرقص عليه من يرتدي قميص المنتخب؟

الكارثة أننا أمام تحريض صريح على جريمة يعاقب عليها القانون.. وصف التعاطي والاغتصاب ليس فناً، بل جريمة توازي الجريمة.. وأمام تطبيع بشع للوحشية.. حين تتكرر عبارة (دي ماتت البنت بقت جثة).

تشكيل عصابي في (كأس العالم) !
يموت الضمير قبل الضحية، وتصبح الجريمة إفيهاً، ويصبح الدم قافية

لا صوت للضحية، ولا للقانون

على دقات الدي جي، يموت الضمير قبل الضحية، وتصبح الجريمة إفيهاً، ويصبح الدم قافية.. وأمام رواية قذرة بطلها الوحيد هو المجرم.. لا صوت للضحية، ولا للقانون، ولا للعدالة.. المجرم يشرب، ويغتصب، ويقتل، ثم يهرب… والجمهور يصفّق.

ويخرج علينا من يبرر ويقول: (اللعيبة مش فاهمة الكلام، هيصة ومزيكا وخلاص) كذب.. هذه ليست غفلة.. هذه خيانة.. اللاعبون الذين ظهروا في ذلك الفيديو ارتكبوا جريمة في حق قميص حملوه، وفي حق وطن مثلوه.. هذا المشهد وصمة لن تُمحى، ولن يغسلها فوز، ولن يطهرها هدف.. لأنهم لم يعودوا أفراداً، صاروا عنواناً. والعنوان إذا سقط سقطت معه هيبة البلد كله.

الكارثة أن ثقافة تبرير الجريمة كانت موجودة قبل أن تُعزف النغمة.. قبل السفر إلى أمريكا، حملت البعثة معها لاعباً وُجه إليه اتهام في قضية اغتصاب، فكان الرد الرسمي: (هذا مجرد اتهام، لا إدانة بعد).. فسافر، واحتفل ورقص على أنغام جريمة اغتصاب.. كأن شيئاً لم يكن.

الأمر لم يبدأ بمهرجان.. الأمر بدأ حين علّمنا لاعبينا أن الخط الأحمر يمكن تجاوزه. بدأ حين قلنا لهم: (الملعب يغسل كل شيء)، فكان طبيعياً أن يأتوا اليوم ليغسلوا عاراً بهدف.

رحم الله هاني شاكر.. مات وحيداً وهو يحاول سد نهر من القذارة بيديه.. الرجل الذي وقف وحيداً يحارب الإسفاف، وأوقف 19 من مؤدي المهرجانات دفاعاً عن الذوق العام، مات فعاشت القذارة حتى وصلت للمحافل العالمية.

أين القانون؟.. أين النيابة؟.. كيف تمر سبع سنوات كاملة على نص يوثق اغتصاباً وقتلاً بالحرف، دون أن يقف كاتبه ومغنيه أمام قاضٍ؟.. الكلمة التي تصف الجريمة ليست حرية تعبير، بل هي شريك في الجريمة.. مكانها ليس المسرح، بل قفص الاتهام. الدولة التي تترك هذا المحتوى الإجرامي يُعرض على منصاتها لا يحق لها أن تعاتب شاباً يردده بلا وعي.

تشكيل عصابي في (كأس العالم) !
لن نقبل بأن نشارك في نشر ثقافة الشذوذ داخل المستطيل الأخضر

نشر ثقافة الشذوذ

ثم تأتي المفارقة التي تشعل الدم في العروق.. بعد أيام وقف المصريون وقالوا (لا) مدوية: لن نقبل بأن نشارك في نشر ثقافة الشذوذ داخل المستطيل الأخضر الذي نلعب عليه مع إيران.. (لا) صلبة، حاسمة، وطنية.. لكن هذه (اللا) جاءت متأخرة.. متأخرة جداً.. فقد سبقتها (نعم) خائنة خرجت من بعثة المنتخب.

نعم للمخدرات، نعم للاغتصاب، نعم للقتل.. صدرنا للعالم قبل أن نرفضه.. عرضنا عارنا قبل أن نطلب احترامنا، فكيف نطالب العالم باحترام خصوصيتنا، ونحن نعرض عليه احتفالنا بجريمة؟

ليست المرة الأولى، من قبل رقص لاعبو الأهلي على أغنية (سطلانة) المسفة بعد الفوز بدوري أبطال أفريقيا، وسكتنا، فتوحش الإسفاف.. فكانت النتيجة أن عدنا اليوم لنرقص على كارثة أخلاقية. إن لم نصرخ الآن، فمتى؟ إن لم نرفض الآن، فمتى؟ أينتظرون حتى يغني أبناؤنا غداً مهرجاناً يصف جريمة أبشع؟

كلمتان أخيرتان، ولا ثالث لهما:

الأولى للدولة والقانون: امنعوا نقابياً، وحاسبوا جنائياً.. من يتاجر بالدم تحت ستار الفن مكانه السجن، لا الاستوديو.. الكلمة التي توثق اغتصاباً وقتلاً ليست حرية تعبير، بل هي شريك في الجريمة.

والثانية لمسؤولي المنتخب في (كأس العالم): بعثة مصر ليست غرزة بلدي.. ضعوا لائحة تعاقب من يقترب من الإسفاف.. لا مقطع يدخل، ولا لحن يُعزف، إلا بعين ترى أن للصورة ألف حساب، وأن قميص مصر أمانة.

لكن قبل كل هذا، هناك سؤال واحد يجب أن يصرخ قبل أن يُغلق الملف: من؟.. من المسؤول عن هذه الفعلة الشنيعة؟.. من صاحب هذا العار الذي تجرأ فشغّل مهرجاناً يوثق اغتصاباً وقتلاً داخل بعثة المنتخب؟ من الذي استباح قميص الوطن وحوّل الفرحة إلى ترويج لوصف جريمة قتل؟

نريد اسمه كاملاً، نريد إعلان هويته للرأي العام.. هذا المسؤول عن ترويج ثقافة الإجرام ارتكب جريمة في حق مصر لا تقل عن جريمة كاتب الكلمات.. هو من شغّل المقطع داخل البعثة، وهو من لوّث اسم مصر أمام العالم.

لذلك نطالب بما لا يقبل المساومة: إعلان اسم مرتكب هذا الانتهاك فوراً، وإبعاده عن بعثة المنتخب فوراً.. من خان الأمانة لا يستحق شرف تمثيل مصر ثانية واحدة.. الحديث انتهى.. والقرار واحد: الطرد الفوري.

مئة مليون مصري قالوا (لا) لثقافة دخيلة. ومن حقهم اليوم أن يصرخوا (لا) في وجه جريمة مغلفة بلحن، وأن يروا المسؤول يُحاسب أمامهم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.