رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(سعاد حسني).. صاحبة العيون الساحرة

(سعاد حسني).. صاحبة العيون الساحرة

(سعاد حسني).. صاحبة العيون الساحرة
حين تغني، فإن لصوتها نغمة غريبة ومميزة، نغمة مغلفة بحزن دفين
(سعاد حسني).. صاحبة العيون الساحرة
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي

من الصعب جداً أن تظل في حالة انتظار دائم لكل شيء، وكأن العالم الذي كنت تعتقد يوماً أنه يحتويك، وأنك امتلكت مقاليده بالكامل، بات يبتعد عنك رويداً رويداً، وكل شيء بالنسبة لك أصبح يبدو مشوشاً وضبابياً، وكأنه الوهم بعينه، إلا صورة (سعاد حسني) صاحبة العيون الساحرة التي يمكن أن تحتويك.

إن كل الألقاب البراقة التي حصلت عليها طوال مسيرتك لم تعد لها قيمة تُذكر في لحظات الصدق المعتمة، حتى تلك الجوائز الرفيعة والكؤوس اللامعة التي تملأ أرفف مكتبتك وتكاد تنطق بفخامتها، أصبحت تنظر إليها الآن كأنها مجرد أشياء صماء، جمادات باردة لا تقترب منك لتواسينك، لا تحاورك في ليلك الطويل، ولا تمنحك القدر الذي تستحقه حقاً من الاهتمام الإنساني الصادق والدافيء.

حين وقفت تتأمل وتتدبر مسيرة حياة (سعاد حسني) وهى تنظر بعيون ملؤها الأسى إلى كمِّ ما قدمته وبذلته من عمل، وجدت أن الجميع قد أخذ واستنزف من عمرها وسنوات شبابها، بل وهناك من استغل طيبة قلبها المفرطة ونقاء سريرتها.

لقد قدمت للاخرين الكثير دون حساب، وقدم الآخرون لها أيضاً الكثير، ولكن الحقيقة المرة هي أن كل ما كان يُعطى في ذلك الوسط البراق كان من أجل إثبات الذات فحسب، وكل ما كان يُؤخذ منها كان يُرد باضعاف ما أُخذ من جهد وأعصاب ومشاعر.

وحين سُئلت (سعاد حسني) يوماً في حوار صريح عن ماذا ترغبين أن تكوني في حقيقتك؟.. أو ما هو اللقب الأثير الذي ترين أنه الأفضل والأقرب لقلبك من كل تلك الألقاب الفنية الكبيرة التي تمنيتها وحققتيها؟ قالت بعفوية تامة وبصوت يحمل شجناً دفيناً: (أتمنى أن يقال عني إنني (ست كُمَّل) في الثقافة العربية أو المصرية).

(سعاد حسني).. صاحبة العيون الساحرة
هى تلك السيدة الفاضلة التي تمتلك فيضاً من المشاعر الأنثوية الساحرة والنادرة التي لا تتكرر

مشاعر أنثوية ساحرة

والست الكُمَّل – في العرف والوعي الشعبي – هى تلك السيدة الفاضلة التي تمتلك فيضاً من المشاعر الأنثوية الساحرة والنادرة التي لا تتكرر، والتي يصعب الحصول عليها في زمننا هذا، كما أنها تمتلك مخزوناً لا ينضب من الحب والحنان والمحبة الخالصة، وتمتلك فوق كل ذلك العقل الراجح، والحكمة والرزانة، والقيم الإنسانية السامية التي يسعى أغلب الناس ويبحثون عنها لتكون موجودة في سيدة بيوتهم.

لقد كانت تتمنى ببساطة شديدة أن تكون إنسانية طبيعية، يراها الناس بعيون المحبة والاحتياج النفسي المتبادل، لا مجرد نجمة ساطعة في السماء يعتقد الجميع أنها مكتفية بذاتها ولا تحتاج إلى غيرها من البشر.

وهنا يكمن مربط الفرس كما يقولون في الأمثال؛ إذ يعتقد الغالبية العظمى من الناس أن من يصل إلى مرحلة النجومية الشاهقة أو يحقق النجاح المبهر والساحق، لم يعد في حاجة إلى أي شيء آخر في هذه الدنيا، فبنظرهم، هو الآن يمتلك المال الوفير، والشهرة العريضة، ومحبة الجماهير، والناس كلها تسعى لخطب وده والاقتراب منه.

يعتقد الناس واهمين أن أي شخص وصل إلى مرحلة متقدمة من مراحل الشهرة -سواء أكان طبيباً بارعاً، أم فناناً ملهماً، أم مهندساً عبقرياً، أم موسيقياً فذاً – قد وصل بالضرورة إلى مرحلة الكمال الإنساني المطلق، حتى أن الجمهور في كثير من الأحيان يرفض ويستنكر أن يرى هذا النجم يكبر في السن، أو يعجز، أو يستند في مشيته على عكاز يداري به وهن جسده.

يرفض المجتمع تماماً أن يرى شعر ذلك النجم وقد غطاه الشيب، أو يرى عيونه وقد تكونت تحتها تلك الهالات السوداء الناتجة عن السهر والأرق والهموم؛ إنه لا يتخيل أبداً أن النجم الذي يحبه ويعشقه يمكن أن يشيخ، أو يكتئب، أو يتعب، أو يمرض.

لقد كان الكل يراها دائماً في صورة (السندريلا) الحالمة، تلك المرأة المعجزة التي تمثل الجمال في أبهى وأصفى صوره، الفنانة الاستثنائية التي لا تتكرر عبر العصور.

وهل كان يمكن لعشاقها أن يتخيلوها غير ذلك؟.. إنها (سعاد حسني) صاحبة العيون الساحرة التي تعبر عن آلاف المشاعر، وتجعلك تسرح وتبحر بمجرد النظر إليها في عالم من السحر والجمال الخالص، كأنها ملكة متوجة أتت من عصور قديمة، أو خرجت لتوها من نقوش المعابد كملكة من عهد الفراعنة العظام.

وحين تغني، فإن لصوتها نغمة غريبة ومميزة، نغمة مغلفة بحزن دفين، حتى وهى تشدو بأغاني الفرح والسعادة والبهجة؛.. هناك شيء ما غامض في بحة صوتها يأخذك بعيداً، ويجعلك تتساءل في دهشة: لماذا؟ لماذا تبدو دائماً في كل لقطة وحركة كأنها تبحث بشغف وضياع عن شيء ما مفقود لا تجده؟

(سعاد حسني).. صاحبة العيون الساحرة
حسن ونعيمة
(سعاد حسني).. صاحبة العيون الساحرة
أميرة حبي أنا
(سعاد حسني).. صاحبة العيون الساحرة
خلي بالك من زوزو

صدمة هزت الوجدان

ليفجأ الجميع بعد ذلك، وفي صدمة هزت الوجدان، بأن سندريلا الشاشة الجميلة قد سقطت، وسقط مع سقوطها المفجع كل ما كان يفكر فيه الجمهور من أساطير وخيالات حول حياة النجوم المخملية. وفجأة، استيقظ الجمهور على الحقيقة العارية واكتشف أن نجمته المحبوبة، التي كانت تعيش في خياله حياة مليئة بالمرح، والسعادة، والرقص، والغناء، كانت في حقيقتها تعاني الأمرين.

كانت (سعاد حسني) تعاني من الوحدة القاتلة، ومن ألم الفقد المرير، وتجرع غصص الحرمان من مشاعر حقيقية وصادقة قد تكون بحثت عنها طويلاً وفشلت في إيجادها في كل كلمة نطقتها، وفي كل مشهد مثلته، وفي كل غنوة شدتها.

لنكتشف جميعاً، وبكثير من الأسى، أن الفنان الحقيقي يظل يعاني من الألم طوال مسيرته، يخطو بثبات نحو نهايته المحتومة وهو لا يدرك أنه يحترق ببطء كالشمعة.

إنه يبحث عن ذاته الضائعة وحقيقته الغائبة في كل سيناريو يقدمه له المبدعون والكتاب، لذلك تراه يرفض هذا النص بشدة، ويصر على ذاك النص الآخر؛ إنه في حقيقته يبحث عن التحدي الإنساني والفني، وكأنه يقول لنفسه في تحدٍّ داخلي: (الآن سأقدم ما لم يقدمه الآخرون قط)، ثم يفاجأ بعد العرض وبمرور الوقت أن هناك ما هو أكبر وأقوى، فيقرر أن يبدأ دائماً من جديد في حلقة مفرغة من السعي والركض.

ثم تمر عليه بعد ذلك مرحلة صعبة، ينطفئ فيها بريقه ويتألم في صمت قاتل حين لا يتذكره أولئك الذين كانوا يبحثون عنه ليل نهار ويملأون الدنيا باسمه.

وعندما تجلس السندريلا (سعاد حسني) لتنظر إلى ما قدمته طوال تاريخها بكل دقة وتأمل، تمر أمام عينيها شريط الذكريات وروائع السينما: (حسن ونعيمة، لاشروق وغروب، الزوج على الطريقة الحديثة، الكرنك، الزوجة الثانية، أميرة حبي أنا، خلي بالك من زوزو، السادة الرجال، موعد على العشاء، الدرجة الثالثة، الراعي والنساء).

كأنها تضع كل ما قامت به من جهد وعمر أمامها الآن، وتفكر بعمق: هل ما قدمته للفن وللناس كان كافياً وشافياً، أم أن هناك ما هو أقوى وأبقى كان ينبغي أن تفعله؟

تنظر بشجن إلى أفيش فيلم (المشبوه)، وتتأمل كل لحظة مرت فيه وكل لقطة صُوِّرت، ثم تنتقل بذاكرتها إلى فيلم (حب في الزنزانة) وتبتسم ابتسامة باهتة حزينة، كأنها تتذكر نفسها وتستدعي تلك اللحظات؛ إنها في هذا الفيلم بالذات كانت تستدعي إحساسها الحقيقي والواقعي بالوحدة والاضطهاد.

كانت تتمنى من أعماق قلبها المتعب أن تحصل على حب حقيقي وصادق، حتى ولو كان ذلك الحب من وراء القضبان الحديدية الباردة.. إنها كانت دائماً وأبداً تسعى إلى الكمال الإنساني والفني، ولكن المفارقة الحزينة أنه في طريقها الطويل والوعر نحو هذا الكمال المنشود، كانت تحترق وتذوب دون أن تشعر.

بعيداً عن كل تلك الأضواء

لم تكن (سعاد حسني) تبحث عن الشهرة، فقد امتلكتها بالفعل.. ولم تكن تبحث عن المال، فقد عرفت طريقه مبكراً.. ولم تكن تبحث عن الألقاب، فقد أغرقها الجمهور بها حتى أصبحت جزءاً من اسمها.. لكنها كانت تبحث عن شيء أكثر بساطة وأكثر صعوبة في الوقت نفسه: أن تجد نفسها بعيداً عن كل تلك الأضواء.

ربما لهذا السبب بقيت (السندريلا) حاضرة في وجدان الناس حتى اليوم. لم تكن مجرد ممثلة جميلة أو مطربة موهوبة، بل كانت مرآة لإنسان يبحث عن الحب والخوف والأمان والاعتراف. كانت تضحك على الشاشة بينما تحمل في أعماقها حزناً لا يراه أحد، وتمنح الملايين البهجة بينما تخوض معاركها الخاصة في صمت.

إن مأساة الانسان  أنه يظل طوال حياته يطارد صورة مثالية لا يستطيع الوصول إليها أبداً، وكلما اقترب منها اكتشف أن هناك قمة أخرى تنتظره، وهكذا يستمر في العطاء والبحث والتجريب حتى يستهلكه الطريق نفسه، وعندما ينطفئ الضوء أخيراً، لا يبقى من كل ذلك الصخب سوى الأعمال التي صنعها، والذكريات التي تركها، والأسئلة التي لم يجد لها إجابة.

وربما كان السؤال الأكبر الذي تركته لنا (سعاد حسني) هو: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن تنتهي الشهرة؟ وهل يمكن للنجاح أن يعوض غياب الطمأنينة؟

أسئلة لم تجب عنها السندريلا، لكنها ما زالت تتردد في أفلامها وأغانيها ونظرات عينيها حتى اليوم.

 وللحديث بقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.