(مجدي الحسيني) يحيي ذاكرة الطرب العربي في الدار البيضاء

الدار البيضاء: د. محمد سعد
في إحدى القاعات الفنية بمدينة الدار البيضاء، لم يكن الحضور على موعد مع ورشة موسيقية عادية في مهرجان (موزين) ، بل مع رحلة عبر الزمن قادها الموسيقار الكبير (مجدي الحسيني)، الذي حمل معه ذكريات عقود من الإبداع، وأعاد إلى الأذهان أجواء العصر الذهبي للأغنية العربية، في لقاء استثنائي جمع بين الخبرة المتراكمة وشغف الأجيال الجديدة.
جاءت هذه التظاهرة الفنية ضمن فعاليات الأسبوع الفني والثقافي والعلمي لعبد الحليم حافظ، الذي تنظمه أكاديمية حليم بالمغرب بشراكة مع الأخوين باهي، حيث تحولت ورشة الـ (ماستر كلاس) إلى مساحة حية للحوار والإبداع وتبادل الخبرات بين قامة موسيقية عربية كبيرة ومجموعة من الموسيقيين والعازفين والمهتمين بالفن الأصيل.
ومنذ اللحظات الأولى للقاء، بدا واضحاً أن الهدف يتجاوز حدود الدرس الموسيقي التقليدي، فبحسب البروفيسور الدكتورة أمل بورقية، رئيسة أكاديمية حليم، أصبحت (الماستر كلاس) اليوم إحدى أهم أدوات التكوين الفني الحديثة في العالم، لما توفره من فرصة نادرة للاحتكاك المباشر بأصحاب التجارب الفنية الكبرى والاستفادة من معارفهم وخبراتهم.
وسط ترحيب كبير من الحضور، افتُتحت الفعاليات بكلمة تعريفية بأهداف اللقاء، قبل أن ينساب اللحن الأول في القاعة من خلال فقرة موسيقية افتتاحية جمعت (مجدي الحسيني) بالأخوين باهي، في أداء مشترك جسّد روح التعاون الفني بين الأجيال، ومهّد لأجواء استثنائية من التفاعل والشغف.
لكن اللحظة الأكثر انتظاراً جاءت مع انطلاق فقرة (Master Class Talk)، حيث فتح (مجدي الحسيني) قلبه للمشاركين، مستعرضاً محطات من رحلته الطويلة في عالم الموسيقى، ومتحدثاً عن تجربته الثرية مع العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ، وكواليس صناعة الأغنية العربية، والذكريات التي صنعت جزءاً مهماً من تاريخ الفن العربي.

حوار مفتوح بين الفنان والحضور
ولم يقتصر اللقاء على الاستماع فقط، بل تحول إلى حوار مفتوح بين الفنان الكبير والحضور، الذين طرحوا أسئلتهم واستفساراتهم حول أسرار التلحين والعزف وتطور الموسيقى العربية، في نقاش تميز بالعمق والعفوية، وأضفى على الورشة قيمة معرفية وفنية كبيرة.
وفي مشهد حمل الكثير من الحنين، استضافت الورشة عدداً من العازفين الذين عاصروا مراحل مختلفة من تاريخ الأغنية العربية، حيث تبادلوا الذكريات مع (مجدي الحسيني)، واستعادوا عبر عزف حي ومقاطع موسيقية مختارة ملامح زمن لا يزال حاضراً في وجدان عشاق الطرب العربي.
ولأن الموسيقى لا تتوقف عند حدود الماضي، خصصت الورشة مساحة للحديث عن المستقبل، من خلال عرض تقني لجهاز حديث مخصص لآلة الأورغ، يتيح إمكانيات متطورة للتحكم بالأصوات وتنظيمها. وقدّم أحد الشباب المبتكرين شرحاً عملياً لآلية عمل الجهاز وخصائصه، مستعرضاً مدى انتشاره واعتماده من قبل عدد متزايد من الموسيقيين المحترفين حول العالم.
وشهدت الفعالية حضور نخبة من أبرز أساتذة وعازفي آلة الأورغ في المغرب، من بينهم عبد الكبير أهتار، وبوشعيب الراضي، وكريم عبده، الذين شاركوا في هذه اللحظة الفنية الخاصة التي جمعت الماضي بالحاضر، والخبرة بالشغف، والتراث بالتجديد.
ومع اقتراب ختام الورشة، اجتمع الجميع حول لغة واحدة لا تحتاج إلى ترجمة: لغة الموسيقى. ففي عزف جماعي مفعم بالمحبة والإحساس، اختتم المشاركون فعاليات اللقاء وسط تفاعل كبير من الحاضرين، الذين بدا عليهم التأثر بهذه التجربة الإنسانية والفنية الفريدة.
وأكدت البروفيسور أمل بورقية في ختام الفعالية أن نقل الخبرات وصون الذاكرة الموسيقية العربية وتعزيز التواصل بين رواد الفن والأجيال الجديدة يمثل ضرورة ثقافية وفنية، مشددة على أن الحفاظ على التراث لا يتحقق فقط بالاحتفاء بالماضي، بل أيضاً بتوريث المعرفة وخلق فضاءات مستمرة للإبداع والحوار.
وهكذا، نجحت أكاديمية حليم بالمغرب، بشراكة مع الأخوين باهي، في تقديم نموذج ثقافي يؤكد أن الفن الأصيل لا يشيخ، وأن تراث الموسيقى العربية يظل مدرسة متجددة، تنتقل من جيل إلى آخر، حاملة معها قيم الجمال والإبداع والهوية.