

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
في كل الأمم التي أدركت قيمة الإنسان قبل قيمة الحجر، لم تكن الجامعة مجرد مكان لتدريس المقررات أو منح الشهادات، بل كانت فضاءً رحبًا لصناعة الشخصية وبناء الوعي واكتشاف المواهب في (المسرح الجامعي)، فالطالب لا يتعلم داخل قاعة المحاضرات فقط، بل يتعلم أيضًا في الملعب، وفي الندوة الثقافية، وفي المعرض الفني، وعلى خشبة المسرح.
ويظل (المسرح الجامعي) أحد أهم أدوات التربية الحديثة وأكثرها تأثيرًا في تكوين الشباب، فهو ليس نشاطًا ترفيهيًا هامشيًا كما يتصور البعض، بل وسيلة تربوية وثقافية عميقة الأثر. فمن خلاله يتعلم الطالب الحوار، والعمل الجماعي، واحترام الرأي الآخر، والانضباط، وتحمل المسؤولية، والثقة بالنفس.
وعلى خشبة (المسرح الجامعي) يكتشف الشاب قدرته على التعبير، ويتخلص من الخوف والعزلة، ويتحول من متلقٍ إلى مشارك في صناعة الأفكار.
ومن الناحية النفسية، يمثل المسرح متنفسًا صحيًا لطاقات الشباب، ويساعدهم على تجاوز الضغوط اليومية، ويمنحهم شعورًا بالانتماء والإنجاز.. أما من الناحية الثقافية ، فإنه يساهم في تشكيل عقل نقدي قادر على التفكير الحر ومناقشة القضايا العامة بعيدًا عن التعصب والانغلاق.
ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تنظر الدول الحديثة إلى الثقافة والفنون باعتبارها حائط صد، فالتطرف والإرهاب لا يزدهران في بيئة مفتوحة على الحوار والإبداع، وإنما ينموان حيث يسود الفراغ الثقافي والجمود الفكري.. وكلما اتسعت مساحات الفن والثقافة، ضاقت المساحات التي تتحرك فيها أفكار الكراهية والتشدد.
ومن هنا تبدو حالة القلق التي انتشرت مؤخرًا بين المثقفين والمهتمين بالشأن العام وأيضا الطلاب مفهومة ومبررة.. فخلال الفترة الماضية ترددت أحاديث عن تقليص بعض الأنشطة الطلابية أو الحد منها بدعوى الترشيد وخفض النفقات.
وقد تكون بعض هذه الروايات غير دقيقة أو مبالغًا فيها – وإن كنت أميل الى المثل القائل (لا دخان بلا نار).. لكن مجرد انتشارها يعكس وجود مخاوف حقيقية لدى قطاعات واسعة من افراد المجتمع بما فيهم الطلاب أنفسهم.

أدوات بناء شخصيته
وتزداد هذه المخاوف برغم تعارضها مع ما تعلنه الدولة باستمرار من اهتمام ببناء الوعي ومكافحة التطرف ودعم الأنشطة الثقافية والفنية داخل الجامعات.. فكيف يمكن الحديث عن بناء الإنسان دون الاستثمار في أدوات بناء شخصيته؟.. وكيف يمكن مواجهة الفكر المتطرف دون دعم الفنون والآداب والثقافة؟
كما أن كثيرًا من الطلاب يتساءلون: إذا كانت الأنشطة الطلابية جزءًا أصيلًا من الحياة الجامعية، وإذا كان الطلاب يسددون رسومًا تخصص ضمن موازنات الخدمات والأنشطة، فهل يجوز أصلًا أن تكون هذه الأنشطة أول ما يتأثر بأي إجراءات لترشيد الإنفاق؟ أليس الأولى النظر إليها باعتبارها استثمارًا في الإنسان لا عبئًا ماليًا يمكن الاستغناء عنه؟
في هذا المناخ المتوتر و المتربص جاءت أزمة العرض المسرحي (الدحديرة) بكلية الحقوق جامعة العاصمة، لتتحول خلال أيام قليلة إلى قضية رأي عام طلابية وثقافية.
وانتشرت روايات متضاربة حول أسباب ما حدث، قال البعض ان الأزمة بسبب موقف من إدارة الكلية تجاه كل الأنشطة، وقال البعض الآخر أن الامر يتعلق بطالبين فقط ضمن الفريق شاركا في النشاط برغم قرار مسبق بمنعهم.. وعلى الفور غادرت الأزمة حدود الكلية، وأصبحت محل نقاش واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وفي وسائل الإعلام.
لكن اللافت في هذه الأزمة أن الصورة لم تكن أحادية ، فبينما تعرضت الكلية لانتقادات واسعة من جانب بعض الطلاب والمهتمين بنشاط (المسرح الجامعي)، بدا أن إدارة الجامعة كانت هي الأكثر حرصًا على احتواء الموقف وإنهاء الأزمة من إدارة الكلية.. فقد سعت رئاسة الجامعة إلى معالجة تداعيات الواقعة واحتواء الغضب الذي تصاعد بين الطلاب، وصولًا إلى إنهاء الأزمة واستمرار النشاط.
وربما كان ذلك طبيعيًا إذا تذكرنا أن رئيس الجامعة الأستاذ الدكتور (السيد قنديل) ليس مجرد إداري أكاديمي، بل هو أحد الفنانين التشكيليين البارزين في مصر، ومن الشخصيات التي ارتبط اسمها بالحركة الفنية والثقافية.. ولذلك كان كثيرون ينتظرون منه موقفًا داعمًا للنشاط الفني، وهو ما ظهر واضحا في الجهود التي بُذلت لاحتواء الأزمة ومنع تحولها إلى صدام دائم بين الطلاب وإدارة الجامعة.

متابعة الأنشطة الطلابية والثقافية
ومن الإنصاف أيضًا الإشارة إلى أنه عقب الازمة شهدنا نشاطًا ملحوظًا من إدارة العلاقات العامة بجامعة العاصمة في متابعة الأنشطة الطلابية والثقافية والإعلان عنها ونشر أخبارها بصورة أوسع، وهو ما اعتبره كثيرون مؤشرًا إيجابيًا على إدراك أهمية التواصل مع الرأي العام وإبراز ما يجري داخل الجامعة من فعاليات و أنشطة.
كما لا يمكن تجاهل الدور الذي قام به الدكتور (أشرف زكي)، نقيب المهن التمثيلية، الذي تدخل وساهم في تقريب وجهات النظر وتجاوز الأزمة، وهو تدخل حظي بتقدير واسع داخل الوسط الثقافي والفني ، برغم أن النقابة لا ناقة لها ولا جمل في تلك الأزمة.
وفي المقابل، طرحت الأزمة تساؤلات عديدة حول دور الجهات المعنية مباشرة بالنشاط الطلابي.. فقد تساءل كثير من المتابعين عن سبب غياب موقف معلن من الجهات المسؤولة عن رعاية الأنشطة الطلابية على المستوى الأوسع، فلم نسمع تعليقا لوزارة التعليم العالى ينفى تقليص النشاط الجامعى بسبب الترشيد أو ينفى تدخل جهات أخرى غير الرقابة على المصنفات الفنية في نوعية العروض المقدمة داخل الجامعة.
كما صمتت أيضا وزارة الشباب وهى الوزارة التي تتبعها إدارات رعاية الشباب في الجامعات، وحتى لو كانت لا تتبعها فهى الوزارة المكلفة بكل شئون الشباب من أنشطة وفعاليات!!.. حتى المجلس الأعلى للثقافة الذى من حقه مناقشة تلك الأزمة بحكم قانون إنشائه لم يتحرك!!
ألا تعلم كل تلك الجهات أن هناك احتياج شديد إلى رسائل أكثر وضوحًا تطمئن الطلاب إلى أن الأنشطة الثقافية والفنية ستظل جزءًا أصيلًا من الحياة الجامعية ولن تكون ضحية لأي اعتبارات مالية أو إدارية؟.. وأنها ستقام في مناخ حر بلا تسلط او تغول ما دامت في حدود القانون؟
لقد انتهت أزمة (الدحديرة)، لكن الأسئلة التي أثارتها لا تزال قائمة.. فالمسرح الجامعي ليس مجرد عرض ينتهي بإسدال الستار، بل هو مساحة لتشكيل الوعي وصناعة الشخصية وتحصين العقول ضد التطرف والانغلاق.. ولذلك فإن حماية النشاط الطلابي ودعمه ليست مهمة ثقافية فقط، بل هي مهمة تربوية و قومية في المقام الأول.
إن بناء الجامعات لا يقاس بعدد المباني الجديدة وحدها، وإنما يقاس أيضًا بعدد المسارح المضيئة، وعدد المواهب التي تجد من يحتضنها، وعدد الطلاب الذين يتعلمون كيف يعبرون عن أنفسهم بالفن والفكر والإبداع.. فحين تضاء خشبة المسرح يضاء معها جزء من عقل الوطن، وحين تنطفئ يخسر الجميع أكثر مما يظنون.