


بقلم الدكتورة: شيماء سعيد
منذ اللحظة الأولى للإعلان عن فيلم (7 Dogs) بدا واضحًا أن الجمهور أمام تجربة مختلفة على مستوى الإنتاج البصري وحجم التنفيذ، حملات دعائية ضخمة، نخبة من أبرز النجوم العرب والعالميين، ومشاهد أكشن توحي بأن السينما العربية تحاول الاقتراب أكثر من النموذج العالمي لأفلام الحركة.
لذلك دخل كثير من المشاهدين إلى قاعة السينما بتوقعات مرتفعة جدًا، منتظرين عملًا استثنائيًا يجمع بين المتعة البصرية والعمق الدرامي، فهل خذل الفيلم توقعاتهم؟
تعتمد أفلام الأكشن في الأساس على الإيقاع السريع، والمطاردات، والإبهار البصري، وصناعة المتعة اللحظية للمشاهد، لذلك لا تكون القصة عادة العنصر الأهم فيها بالدرجة نفسها الموجودة في الأعمال الدرامية، كما أن الجمهور يدخل هذه النوعية من الأفلام وهو ينتظر جرعة مكثفة من الحركة والإثارة أكثر من انتظاره لتعقيدات درامية عميقة.
لكن أزمة (7 Dogs) لم تكن في بساطة قصته، بل في شعور واضح بأن الفيلم يتحول أحيانًا إلى حالة من (فرد العضلات) السينمائية والاستعراضية المبالغ فيه أكثر من كونه عملًا متوازنًا يعرف متى يتصاعد، ومتى يمنح شخصياته وأحداثه مساحة للتنفس.
فهناك فارق كبير بين فيلم يستخدم الإبهار لخدمة الحكاية، وآخر يبدو وكأنه يسعى طوال الوقت لإثبات قوته التقنية وضخامة إنتاجه.
تدور أحداث (7 Dogs) حول (خالد العزازي/ أحمد عز)، عميل الإنتربول، الذي يجد نفسه مضطرًا للتعاون مع (غالي أبو داود/ كريم عبد العزيز) أحد أعضاء عصابة الكلاب السبعة وذلك بعد مرور عام على حبسه في السجن.

مخدر ذو مفعول قوي
ويتعاون (خالد) مع (غالي) في مهمة مشتركة لمكافحة تجارة المخدرات كونه يعرف العصابة من الداخل، بعد أن عادت العصابة لأنشطتها الإجرامية بتوزيع مخدر ذو مفعول قوي يعرف باسم (Pink Lady) في منطقة الشرق الأوسط، وذلك يضعهما في مواجهة سلسلة من التحديات والمخاطر، في محاولة للسيطرة على التهديد المتصاعد.
ويعد (7 Dogs) من أضخم الإنتاجات العربية بميزانية تتجاوز 40 مليون دولار، ويشارك في بطولته (ناصر القصبي، سيد رجب، هنا الزاهد، تارا عماد، منة شلبي)، إلى جانب ضيوف الشرف العالميين( مونيكا بيلوتشي، سلمان خان، سانجاي دوت، مارتن لورانس، وجيانكارلو إسبوزيتو).
وإخراج عادل العربي وبلال فلاح، أما القصة فتستند إلى فكرة المستشار ترك آل الشيخ، والسيناريو والحوار لمحمد الدباح.
الفيلم يمتلك كل عناصر الإبهار تقريبًا: مطاردات متقنة، تصوير احترافي، إيقاع سريع، وميزانية واضحة على الشاشة، ومع ذلك يشعر المشاهد بعد فترة قصيرة أن كل هذه العناصر تتحرك فوق أرضية درامية ضعيفة وغير متماسكة.
فالقصة تبدو أحيانًا مجرد خيط رفيع تم تصميمه فقط كي يربط بين مشهد انفجار وآخر، أو بين مطاردة وأخرى، دون بناء حقيقي يجعل المتفرج متعلقًا بالشخصيات أو مهتمًا بمصيرها، حتى الخطوط الدرامية الفرعية جاءت ضعيفة للغاية.
إذ بدت غير مُفعّلة بشكل حقيقي داخل البناء السردي، وظهرت شخصيات عديدة مثل (هنا الزاهد وهالة صدقي)، كان من الممكن أن تضيف عمقًا إنسانيًا وعاطفيًا للأحداث، لكنها مرّت سريعًا وبمساحات محدودة، ما جعلها تبدو أقرب إلى حضور عابر أو غير مؤثر داخل الحكاية.
ويعود الفنان السعودي (ناصر القصبي) إلى السينما بعد غياب دام 35 عاماً من خلال فيلم (7 Dogs) مجسداً شخصية مسؤول أمني سعودي في الإنتربول، في دور لم يكن موفقاً بالشكل الكافي من حيث الاختيار أو التوظيف الدرامي.
حيث لا يبدو متناسباً بشكل قوي مع طبيعة الشخصية، كما يظهر دور الفنان (سيد رجب) بشكل باهت نسبياً داخل العمل، دون مساحة درامية كافية تسمح بإبراز قدراته التمثيلية أو تعزيز حضوره ضمن الأحداث.

استثمار أسماء عالمية
اعتمد (7 Dogs) بشكل واضح على استثمار أسماء عالمية لتعزيز طابعه الضخم والعالمي، خصوصًا على مستوى الأكشن والشكل البصري العام، إلا أن هذا الحضور لم ينعكس بالقدر نفسه على التأثير الدرامي داخل الأحداث.
فمع محدودية العمق وتقلص المساحات الممنوحة لتلك الشخصيات، لم يترك معظمها بصمة تُذكر، وبدا بعضها أقرب إلى عنصر إضافي يرسّخ الطابع الإنتاجي للفيلم أكثر مما يسهم في تطور القصة أو إثرائها.
أما الفنانة الإيطالية بيلوتشي، فكانت الأكثر استفادة بين النجوم العالميين المشاركين من حيث مساحة الدور والحضور الدرامي، ما منحها تأثيرًا أوضح داخل الأحداث مقارنة ببقية الأسماء.
ورغم كل ذلك، لا يمكن إنكار أن الكيمياء بين (أحمد عز وكريم عبد العزيز) كانت من أفضل عناصر الفيلم وأكثرها جذبًا للمشاهد، وجودهما معًا خلق حالة من الحضور والكاريزما حافظت على جزء كبير من متعة المشاهدة، حتى في اللحظات التي كان السيناريو يضعف فيها، لكن على مستوى الأكشن تحديدًا.
بدا أحمد عز أكثر انسجامًا وراحة مع طبيعة الحركة السريعة والعنيفة، بينما ظهر كريم عبد العزيز أهدأ نسبيًا، وكأن طبيعة الأكشن المبالغ فيها لم تكن دائمًا مناسبة لإيقاعه التمثيلي المعتاد.
ومنذ الافتتاحية الأولى، كان واضحًا أن الفيلم يختار الدخول مباشرة إلى منطقة الحركة والأكشن دون مقدمات طويلة، وهيىخطوة جديدة نسبيًا، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن المشكلة الأساسية لاحقًا، وهي أن الفيلم لا يعرف كيف يهدأ، فالمود العام للعمل قائم بالكامل تقريبًا على الحركة المستمرة، حتى في المشاهد الحوارية نفسها.
وكأن كل شيء يجب أن يكون سريعًا وصاخبًا ومشحونًا بشكل مبالغ فيه، هذا الإيقاع المتوتر باستمرار جعل الفيلم يفتقد أحيانًا إلى ما يمكن تسميته بـ (الجسور الدرامية) بين مشاهد الأكشن، تلك اللحظات الهادئة التي تسمح للمشاهد بفهم الشخصيات أو التقرب منها أو حتى استيعاب ما يحدث.
لذلك بدت المطاردات أحيانًا وكأنها متصلة ببعضها بشكل ميكانيكي أكثر من كونها ناتجة عن تصاعد درامي حقيقي.


طغيان الطابع الأكشن
جاءت الكوميديا داخل العمل على شكل فواصل قصيرة جداً بين مشاهد الأكشن المتلاحقة، لكنها كانت محدودة وخفيفة إلى درجة أنها لم تنجح في كسر حدة الإيقاع أو تخفيف التوتر بشكل ملحوظ، وبقي تأثيرها بسيطاً وسريعاً وسط طغيان الطابع الأكشن، ولو تم إدخال مساحة أكبر من الدراما أو الكوميديا بشكل أعمق ومتوازن، لمنح الفيلم تنوعاً أفضل وإيقاعاً أكثر راحة للمشاهد.
جرعة (الأنيميشن والجرافيكس) في الفيلم كانت مكثفة بشكل واضح وقدمت مستوى بصري مبهر في بعض اللحظات، لكنها في أحيان كثيرة اندرجت تحت فكرة الاستعراض البصري أكثر من كونها جزءًا عضويًا يخدم السرد.
ورغم أن التنفيذ التقني كان قويًا ومثيرًا بصريًا إلا أن استخدامه جاء مبالغًا فيه في عدة مشاهد، ما جعل تأثيره الجمالي أحيانًا يطغى على الإحساس بالواقعية أو توازن الإيقاع داخل الفيلم.
وفي النهاية، يمكن القول إن فيلم (7 Dogs) يقدّم تجربة بصرية وإنتاجية طموحة للغاية، ويثبت أن هناك محاولة جادة لدفع سينما الأكشن العربية نحو مستوى أكثر عالمية من حيث الشكل والتقنيات.
لكنه في المقابل يكشف بوضوح أن التطور التقني وحده لا يكفي لصناعة فيلم متكامل، وأن غياب التوازن بين الإبهار البصري والعمق الدرامي يجعل التجربة، رغم قوتها اللحظية، أقل تأثيرًا على المدى الطويل، إنه فيلم يُشاهَد بإعجاب لحظي، لكن لا يترك بالضرورة أثرًا عميقًا بعد انتهاء عرضه.