رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(شيرين).. انهيار (الفراندا البحرية) بصُناعها!

(شيرين).. انهيار (الفراندا البحرية) بصُناعها!
الذائقة الواعية لا تطلب من الفنان المستحيل، بل تطالبه أن يكون صادقاً مع المساحة التي رسمها لنفسه
(شيرين).. انهيار (الفراندا البحرية) بصُناعها!
وائل شفيق

بقلم الكاتب والسيناريست: وائل شفيق

عادت (شيرين).. وكفى بالعودة خبراً يجعل الوطن العربي كله يصمت وينصت،  بعد كل ما مرت به من عثرات، وبعد كل الأخبار التي تداولتها الصحف والمواقع عن حياتها الشخصية، لم يطلب منها عشاقها إلا شيئاً واحداً فقط: أن تعود لفنها.

(شيرين) التي تنافس على لقب (صوت مصر) ليس مجاملة، بل استحقاقاً.. لأن صوتها ليس مجرد حنجرة قوية، بل هو حالة وجدانية كاملة.. صوت يهبط من الأذن مباشرة إلى القلب، دون استئذان.. صوت جعل من أغنياتها جزءاً من ذاكرة جيل كامل.. أغنيات لم تكن تُسمع فقط، بل كانت تُعاش في لحظات الفرح والحزن والانتظار.

ولأن الحب كان بهذا الحجم، كان الانتظار أعظم منه. وكان من الطبيعي والمنطقي أن ينتظر الوطن العربي كله حدثاً استثنائياً يناسب هذه العودة.. لم يكن أحد ينتظر مجرد أغنية جديدة تُضاف إلى قائمة.. كنا ننتظر معنىً يسمو بالروح، ولحناً يستحق تاريخاً طويلاً من الإبداع، عملاً يعيش في الذاكرة كما عاشت روائعها السابقة. كنا ننتظر إعلاناً يقول: شيرين عادت، وعادت بقوة.

لكن ما حدث كان صدمة.. والصدمة لم تبدأ مع أول نغمة في أغنية (بحرية)، بل بدأت قبل ذلك، بسؤال جوهري بسيط: ما الفكرة؟ 

فكل فنان كبير لا يصنع أغنيات فقط، بل يصنع لنفسه هوية ومساحة فنية يعرفه بها المتلقي ويحبه من أجلها.. والذائقة الواعية لا تطلب من الفنان المستحيل، بل تطالبه أن يكون صادقاً مع المساحة التي رسمها لنفسه.

الأمر يشبه صدمة المستمعين لو استيقظوا يوماً ليجدوا أم كلثوم تغني (ما تزوقيني يا ماما) الأغنية جميلة، وخفيفة، ومناسبة جداً عندما تغنيها مها صبري.. لأن مها صبري اختارت لنفسها مساحة فنية معينة، ونجحت فيها وتركت بصمتها.

لكن تخيل معي أم كلثوم وهي تغني نفس الكلمات.. ستكون الصدمة مدوية، ليس لأن الأغنية سيئة، بل لأنها لا تناسبها.. لأن قامة أم كلثوم ارتبطت في وجدان الناس بالمعاني الكبيرة، بالروائع، (مصر تتحدث عن نفسها، أنت عمري، الأطلال) وغيرها.

(شيرين).. انهيار (الفراندا البحرية) بصُناعها!
المفردات التي قدمها عزيز الشافعي في (بحرية) ربما تناسب فنانة شابة في بداية طريقها

لا تناسب عصرنا أصلاً

الناس رسمت لها في أذهانهم مكانة، وانتظروا منها ما يستحق تلك المكانة.. وبنفس الميزان العادل نقيس هنا.. المفردات التي قدمها عزيز الشافعي في (بحرية) ربما تناسب فنانة شابة في بداية طريقها، تبحث عن جملة خفيفة تلتصق بالأذن بأي طريقة.

رغم أن مفردات مثل (فراندا بحرية) و(شاي العصرية) لا تناسب عصرنا أصلاً، لأنها من زمن الأبيض والأسود.. لكنها لا تناسب أبداً ثقل (شيرين). لا تناسب تاريخ صوت غنّى عن الحب الكبير والفراق الموجع.. ولا تناسب قيمة حماقي، الفنان الذي تخطى مرحلة الغناء لفترة الخطوبة والشبكة منذ سنوات طويلة.

إذن، العيب لم يكن في اللحن ولا في الكلمة فقط.. العيب وقع في لحظة الاختيار الأولى على الطاولة.. كان الأجدر بعد كل هذا العمر الفني، وبعد كل هذا النضج، أن يغنيا عن المعاني التي تستحق تاريخهما.. لكن الاختيار الخاطئ جرّ خلفه كل شيء، من الكلمة إلى اللحن إلى رد الفعل.

وحين جاءت لحظة المواجهة الحتمية، سقطت آخر الأقنعة.. والقاعدة تقول: إن الذائقة لا تنتقد الفنان الكبير إلا لأنها تراه كبيراً وتطمع أن تنهل من إبداعه.. النقد هنا ليس كراهية، بل هو حب في صورة غضب.. والرد الطبيعي لأي فنان واثق من تاريخه هو أن يقول: وصلت رسالتكم، عندكم حق، والقادم سيكون أفضل وأجدر بكم.

لكن رد الفعل جاء على غير المتوقع تماماً.. فبدلاً من مناقشة العمل فنياً، خرج الأستاذ عزيز الشافعي مرتدياً عباءة المظلومية ومتحدثاً عن الإيذاء النفسي الذي يتعرض له كمبدع، ولوّح باللجوء إلى القضاء ضد كل من تجرأ وانتقد.. وبهذا الرد أعلن ضمناً للمتلقين أن هذا هو سقف الإبداع المتاح، ومن يطالب بأكثر من ذلك إنما يطالبه بما لا يملك ولا يستطيع.

وزاد الأمر وضوحاً وانكشافاً حين لاحظ المستمعون تشابهاً كبيراً بين أغنية عزيز (بحرية) وبين أغنية سابقة للمطربة فيروز كراوية، فبدلاً من الاعتراف بالخطأ أو التوضيح، تم تحويل النقاش بالكامل من ساحة الفن إلى ساحة المظلومية، ومن سؤال مشروع عن الجودة إلى تهديد صريح لمن يسأل.

وهنا انكشفت الحقيقة كاملة بلا تجميل.. ردود الأفعال فضحت جوهر الأزمة الحقيقية: الناس ترى المشاركين في هذا العمل فنانين كباراً لهم تاريخ، وتطالبهم باستمرار بما يستحق هذا التاريخ. بينما حمل رد الفعل معنى واحداً واضحاً: (لا تحاربونا في أكل عيشنا).

(شيرين).. انهيار (الفراندا البحرية) بصُناعها!
عندما يتحول العمل الفني من رسالة إلى مجرد مصدر رزق، يصبح من الطبيعي والمتوقع أن يغضب صاحبه

سقط القناع الأخير تماماً

وهنا انقسم المشهد نصفين لا ثالث لهما، ولا منطقة رمادية بينهما:

النصف الأول يرى أن الفن رسالة سامية يجب أن ترتقي بالذوق العام، وأن الفنان أمين على وجدان الناس. 

والنصف الثاني يرى أن الفن مجرد مصدر رزق، فدعونا نعيش ونأكل عيش، بلا فن بلا رسالة بلا عناء التفكير والإبداع.

وعندما يتحول العمل الفني من رسالة إلى مجرد مصدر رزق، يصبح من الطبيعي والمتوقع أن يغضب صاحبه كلما سأله أحد سؤالاً بسيطاً: أين الفن في هذا العمل؟

ثم فضحت المعركة وجهاً آخر للأزمة لم نكن نريد رؤيته.. حين انتقد المستمعون العمل بصدق، لم يخرج أحد من المتضامنين مع عزيز ليدافع عنه بالحجة والتحليل والذوق.. لم نسمع رداً فنياً واحداً يقول: انظروا إلى عبقرية اللحن هنا، أو إلى عمق المعنى في تلك الجملة.

كل ما سمعناه ورأيناه كان هجوماً مباشراً على من تجرأ وسأل.. كان قلباً للطاولة على المنتقد بدلاً من الدفاع عن العمل الفني.

وهنا سقط القناع الأخير تماماً.. اتضح أن المشكلة ليست في أغنية ضعيفة تمر وتمضي وينساها الناس.. المشكلة الأكبر في منطق يريد أن يُسكت السؤال إلى الأبد.. منطق يريد أن يحول الفن إلى سلعة تُباع ثم تُرمى، ثم يتهم من يكشف عيوب هذه السلعة بأنه حاقد وكاره للنجاح.

وهذا المنطق أخطر على الفن والمجتمع من العمل الضعيف نفسه.. العمل الضعيف يموت وحده مع مرور الوقت ولا يترك أثراً.. أما منطق إسكات السؤال فهو الذي يقتل الذائقة العامة، ويقتل المعيار الفني، ويقتل الفن على المدى البعيد جيلاً بعد جيل.

ولهذا جاءت ردود الأفعال فاضحة وكاشفة.. كأن أكل العيش عند البعض لا يتم ولا يستمر إلا بتمرير الرداءة والتسليم بها.. وكأن الفنان الكبير الذي كان يوماً صاحب رسالة صار تاجراً يخشى سؤال الزبون البسيط: أين الجودة؟

وحين يصبح السؤال جريمة يعاقب عليها، وحين يصبح النقد خيانة تستوجب التهديد، وحين يصبح المستمع الواعي الذي يحلل ويفكر هو العدو الأول، فاعلم يقيناً أننا أمام أزمة معايير كاملة، لا أزمة أغنية واحدة.

ومن هنا فقط، وبعد كل هذا الكشف، نفهم لماذا (بحرية) ليست مجرد أغنية عابرة، بل هى مرآة صادقة كشفت حقائق مؤلمة عن جزء كبير من صناعتنا الفنية اليوم.

(شيرين).. انهيار (الفراندا البحرية) بصُناعها!
الفنان في كثير من الحالات تحول إلى موظف في فخ البزنس والتسليمات

البلع السريع بلا تذوق

أظهرت أن بعض الأعمال اليوم لا تُكتب لتعيش في الوجدان وتبقى، بل تُكتب لتمر مرور الكرام وتحقق مشاهدات سريعة.. فالهدف لم يعد المعنى العميق الذي يتعب الكاتب، بل جملة تلتصق بالأذن ولو كانت فارغة من أي مضمون.. المتلقي لم يعد يُربّى على الاستماع والتذوق، بل يُدرّب يوماً بعد يوم على البلع السريع بلا تذوق ولا هضم.

وأبانت أن الفنان في كثير من الحالات تحول إلى موظف في فخ البزنس والتسليمات.. المهمة تغيرت تماماً من (أبدع وأمتع) إلى (سلّم الشغل في الميعاد).. نجح العمل أم فشل لم يعد مهماً في الحسابات، المهم هو البند في العقد والمبلغ الذي سيُقبض.. والفنان الذي ينتج عملاً كل أسبوعين تحت هذا الضغط، من المؤكد أن واحداً منها على الأقل سيخرج خاوياً بلا روح ولا معنى، لأنه ببساطة لم يأخذ وقته في النضج.

كما كشفت دكتاتورية النموذج الواحد التي تُفرض على الجميع فرضاً.. بعض جهات الإنتاج الكبرى تريد أن تكون كل الأعمال نسخاً مكررة متشابهة حتى يسهل تسويقها وتقليل المخاطرة.. وعندما تتشابه كل الأغاني في اللحن والكلمة والإيقاع، يتوقف المتلقي تدريجياً عن المقارنة وعن السؤال وعن البحث عن الأفضل والأجمل.

وهنا تحدث الكارثة الحقيقية: يغيب الوعي ويتحول المتلقي من إنسان له ذوق إلى مستهلك بلا ذاكرة ولا معيار ولا رأي.

وأخيراً كشفت عن أخطر مشروع على الإطلاق: مشروع التغييب المتعمد.. أخطر سلاح في يد أي سلطة أو منظومة هو أن تجعل الناس لا تسأل ولا تفكر، وهذا بالضبط ما يحدث الآن.

لا يريدون مستمعاً يقيم ويحلل ويسأل بذكاء: لماذا هذا العمل موجود على الساحة بينما غيره مهمش؟ يريدون مستمعاً طائعاً يصفق فقط عند الإشارة.. أول ما تبدأ تفكر وتقول بصدق “هذا لا يناسب”، تكون قد خرجت عن الدور المرسوم لك في المسرحية، وتصبح خطراً يجب إسكاته.

وفي النهاية، وبعد كل ما قيل، يبقى السؤال الأهم الذي يجب أن نجيب عليه بصدق.. المتلقي لا يهاجم (شيرين) لأنه يكرهها أو يتمنى لها الفشل.. الغضب سببه الحب.. عودة انتظرها طويلاً جاءت بأقل بكثير من قيمتها الحقيقية، باختيار فني لا يناسب تاريخها ولا مكانتها في قلوبنا.

(بحرية) ليست أغنية عادية تُسمع وتُنسى.. إنها اختبار كبير وواضح.. اختبار لنا جميعاً: هل ستصفق وأنت صامت ومستسلم؟.. أم ستسأل بشجاعة: هل هذا يستحق تاريخ هذا الصوت الذي نحبه؟

إن سكتنا اليوم فقد نجحوا في خطتهم.. وإن تكلمنا وانتقدنا بموضوعية فلا يزال هناك أمل كبير.. لا يزال هناك فنانون يخافون على تاريخهم ويحترمون من يستمع إليهم.

فالسؤال لم يعد: أين (شيرين)؟.. السؤال صار: أين نحن من الفن؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.