

بقلم الكاتب الصحفي: رسمى فتح الله
حين يقترب موسم الحج، وتبدأ القلوب في التطلع نحو مكة والمدينة، يعود صوت (ليلى مراد) ليملأ الذاكرة العربية دفئًا وحنينًا وهي تغني: (يا رايحين للنبي الغالي.. هنيالكم وعقبالي).
وما إن تنساب الكلمات حتى يشعر المستمع أنه لا يسمع أغنية فحسب، بل يعيش حالةً روحية كاملة، تمتزج فيها رهبة الرحلة المقدسة بشوق الإنسان البسيط إلى الرحمة والمغفرة والنور.
هذه الأغنية التي كتب كلماتها أبو السعود الإبياري، ولحنها العبقري رياض السنباطي، لم تكن مجرد عمل فني ناجح، حتى صار صوت (ليلى مراد) يأتي كل عام كأنّه بشارةٌ روحية تعلن اقتراب الأيام المباركة.
في مصر القديمة، كان الحج حلمًا كبيرًا يسكن البيوت البسيطة.. لم تكن الرحلة سهلة كما هى اليوم، بل كانت سفرًا طويلًا يودّع فيه الناس أحبابهم بالدموع والدعوات.
كانت الأم تقف عند الباب تحمل المصحف، والأب يوصي المسافر بالدعاء، والجيران يلتفون حول الحاج يطلبون منه السلام عند قبر الرسول الكريم.
وفي تلك اللحظات، كان الراديو العتيق يصدح بالأغنية، فتتحول الأزقة الشعبية إلى ما يشبه موكبًا من الحنين.
(يا ريتني كنت وياكم..).


رحلة حب إلى الله
جملة قصيرة، لكنها تختصر مشاعر الملايين الذين لم يستطيعوا الوصول بعد إلى المسجد الحرام، وظلوا يحلمون بالطواف حول الكعبة، والوقوف بعرفات، والسير بين جموع الحجيج وهم يرددون: (لبيك اللهم لبيك).
ولعل أعظم ما في أغنية (ليلى مراد) أنها تحدثت عن الحج بلسان القلب، لا بلغة الوعظ أو الشرح.
لم تصف المناسك كطقوس جامدة، بل رسمتها كرحلة حب إلى الله.. فعندما تقول: (وأحج وأطوف سبع مرات وألبي وأشوف منى وعرفات) فإن المستمع يرى المشهد بعينيه؛ ملايين الأرواح جاءت من كل فج عميق، لا فرق بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي، الجميع يرتدون الثوب الأبيض ذاته، وكأن البشرية كلها تعود إلى أصلها الأول: إنسان ضعيف يقف أمام خالقه طالبًا الرحمة.
الحج ليس مجرد انتقال من بلد إلى بلد، بل رحلة يتخفف فيها الإنسان من أثقال الدنيا.
هناك، أمام الكعبة، تتساقط الأقنعة، ويكتشف المرء حقيقته العارية أمام الله.. ولذلك ظل الحج عبر القرون أعظم مشهد للمساواة الإنسانية؛ الملوك والفقراء يقفون في الصف نفسه، ويرفعون الدعاء نفسه، وتذوب بينهم كل الفوارق التي صنعتها الحياة.
ومن أرقّ ما حملته أغنية (ليلى مراد) ذلك الشوق الجارف إلى زيارة المسجد النبوي، حيث الراحة التي لا تشبه شيئًا آخر.. تقول الكلمات: (وأروح للهدى وأزوره وأبوس من شوقي شباكه).
إنها كلمات خرجت من قلب محب، لا من شاعر يكتب فحسب.. فزيارة النبي محمد بالنسبة للمسلمين ليست مجرد زيارة مكان، بل اقتراب روحي من سيرة الرجل الذي أضاء للعالم طريق الرحمة والعدل والتسامح.
ولهذا يشعر الزائر للمدينة المنورة أن السكينة هناك مختلفة، وأن القلب يصبح أكثر هدوءًا وصفاءً.
وكان لصوت (ليلى مراد) أثرٌ خاص في خلود الأغنية.. فالفنانة التي وُلدت لأسرة يهودية ثم أعلنت إسلامها، غنت للحج بإحساس صادق جعل الناس ينسون كل شيء إلا حرارة المشاعر في صوتها.


الوصول مباشرة إلى القلب
لم يتوقف الجمهور يومًا أمام خلفيتها العائلية، لأن الفن الصادق قادر دائمًا على تجاوز الحواجز الضيقة والوصول مباشرة إلى القلب.
وربما كان هذا أحد أسرار بقاء الأغنية حيّة حتى اليوم؛ فقد غُنّيت بمحبة حقيقية لا يمكن اصطناعها.
أما ألحان رياض السنباطي فجاءت كأنها ابتهال طويل يرتفع تدريجيًا نحو السماء.. لم يعتمد السنباطي على الصخب الموسيقي، بل صنع لحنًا هادئًا مهيبًا يشبه خطوات الحجاج وهم يمضون بخشوع نحو بيت الله.. لذلك بقيت الأغنية قادرة على لمس المشاعر رغم مرور عقود طويلة على إنتاجها.
ومع الزمن، أصبحت (يا رايحين للنبي الغالي) أكثر من أغنية؛ صارت جزءًا من ذاكرة المواسم الدينية في مصر.
يسمعها الناس فيشعرون برائحة السفر، وصور الحجاج بثياب الإحرام، ودعوات الأمهات، ودموع المودعين، وزغاريد العائدين بعد أداء الفريضة.
إنها تختصر صورة مجتمع كامل كان يرى في الحج ذروة الأمل الروحي، وحلم العمر الذي ينتظره الإنسان سنوات طويلة.
وربما لهذا السبب لا تزال الأغنية تعيش حتى اليوم، لأنها لم ترتبط بزمن معين، بل ارتبطت بمعنى خالد: الشوق إلى الله.
ذلك الشوق الذي يجعل الإنسان، مهما أثقلته الدنيا، يحلم بلحظة يقف فيها أمام الكعبة، رافعًا يديه بالدعاء، أو يقف في المدينة المنورة أمام المسجد النبوي، ممتلئًا بالسلام.
وحين ينتهي صوت (ليلى مراد) من ترديد: (هنيالكم وعقبالي)، يبقى الصدى طويلًا داخل القلب، كأن الأغنية لا تنتهي أبدًا، لأنها في الحقيقة ليست مجرد لحن وكلمات، بل حكاية روح تتمنى الوصول.. وتؤمن أن الطريق إلى الله يبدأ دائمًا بالشوق.