

بقلم الكاتب: أحمد السماحي
(نبيل الدسوقي).. أحد نجوم الفن الذين تعرضوا لظلم فادح من قبل وسائل الإعلام المختلفة، ومعظم مهرجانات مصر المسرحية، فرغم أنه لم يكن نجما لامعا من نجوم الفن في الزمن الجميل، لكنه كان رحمه الله فنانا أصيلا أجمع النقاد والمتخصصين على موهبته.
كما أكدوا على قدرته الفنية في التسلل إلى خفايا أي شخصية يقوم بتجسيدها، وتقديمها إلى المشاهد بطريقة (السهل الممتنع)، وذلك من خلال مشاركته في العديد من الأعمال الدرامية في مختلف القنوات الفنية (السينما، والمسرح، والتليفزيون، والإذاعة).
ويظل المسرح عشق (نبيل الدسوقي) الأكبر الذي وهبه حياته، لكن جماهيريته الكبيرة التى حصل عليها كانت من خلال أدواره التليفزيونية خاصة التى قدمها مع الكاتب الكبير (أسامة أنور عكاشه) الذي كان مؤمنا بموهبته، وكتب له العديد من الأدوار التى صنعت نجوميته.
بداية من مسلسل (الحصار) و(ريش على مافيش)، مرورا بـ (الفجر الأخير، المشربية، أبواب المدينة، وأدرك شهريار الصباح)، وصولا إلى (الشهد والدموع، ورحلة السيد أبوالعلا البشري، وعصفور النار، والراية البيضاء، وأرابيسك، وليالي الحلمية).
وكتب (نبيل الدسوقي) اسمه بحروف من ذهب في سجل الفن المصري من خلال تجسيده الرائع لبعض الأدوار التى شاهدنها له من خلال الدراما التليفزيونية، فهو (عبدالبديع أفندي) الموظف البسيط، الطيب، والزوج المغلوب على أمره، الذي تزوج من (الست إحسان) الغنية، في مسلسل (الشهد والدموع).
وكان شاهدا صامتا، هو وزوجته، على انحرافات ومؤمرات شقيق زوجته (حافظ رضوان) وزوجته (دولت) ضد (زينب) وأولادها.

الخواجة اليهودي (صروف)
وقدم (نبيل الدسوقي) أداءا متميزا للغاية من خلال شخصية التاجر اليهودي (صروف) في مسلسل الجاسوسية الشهير (رأفت الهجان)، ولعب بحرفية عالية شخصية المحامي (أنيس) في مسلسل (الراية البيضاء).
هذه ليست فقط ما يمكن أن نتوقف عندها من أعمال (نبيل الدسوقي) لكنها الأشهر، لأنه للأسف الشديد أعماله المسرحية التى كان يعتز بها جدا لا نراها ولا يمكن أن نراها لأن بعضها تم سرقته، والبعض الآخر تم التسجيل عليه في التليفزيون المصري، والبعض الثالث لم يصور من الأساس!
في كل دور كان يلعبه (نبيل الدسوقي)، ويسند إليه كان يقول: (أنا أشبه نفسي بالحرفي (الأويمجي) الذي يلتقط أي خشبة صغيرة فيحفر فيها بمهارة، ويزخرفها بإبداع حتى تتحول إلى تحفة، فأنا أفعل ذلك مع الدور الذي أقبله، وأرى أنه مكتوب بشكل جيد، وعلى الفور أتفرغ لدراسته حتى أصنع منه شيئا آخر.
ففي كل عمل يسند إلىّ أحاول الاجتهاد والتعامل معه بجدية، ولعل هذا يعود إلى ثقافتي الشخصية التى اكتسبتها في فترة الستينات، وبالتحديد من (سور الأزبكية)، الذي كان يصل ثمن أغلى كتاب فيه إلى عشرة قروش.
وعلى الرغم من ذلك وصلت مديونيتي فيه عام 1963 إلى 300 جنيه، فقد كنت قارئا نهما، وكانت حصيلتي من الكتب كبيرة.

درس الحقوق والتمثيل
قصة حياة (نبيل الدسوقي) وسيرته الذاتية قصة درامية مليئة بالمواقف والأحداث والمفارقات التى تؤكد موهبته الفنية، وعشقه للفن عامة، وللمسرح خاصة، حيث ولد لعائلة مصرية بسيطة من عائلات الطبقة المتوسطة.
وأحب الفن منذ طفولته، لكن نظرا لأن معظم العائلات المصرية في الخمسينات كانت تنظر للفن على أنه مهنة من لا مهنة له، درس في البداية في كلية (الحقوق) حتى حصل على ليسانس الحقوق.
وبعدها التحق بمعهد الفنون المسرحية، ودرس على يد أساتذة المسرح الكبار (زكي طليمات، نبيل الألفي، عبدالرحيم الزرقاني، حمدي غيث)، وكان زملاء دفعته الفنانيين (السيد راضي، حمدي أحمد، يوسف شعبان، حسن يوسف) وغيرهم.
وهو طالبا في السنة النهائية بمعهد الفنون المسرحية، صدر قرار بتعيينه بمسارح التليفزيون، وذلك في التاسع من مايو عام 1962، وفي هذه الفترة انشغل (نبيل الدسوقي) بالمنصب الإداري الذي أوكل إليه، فنسى نفسه كفنان.

الضحية وحركة ترقيات
كانت وجهة نظر (نبيل الدسوقي) في عمله الإداري تتلخص في أن ذلك هو دفاعه عن حقوق زملائه، وأنه يؤدي مهمة نبيلة يتوارى معه حبه لذاته وبحثه عن سبيل تحقيق مصلحته الخاصة، وأثناء ذلك وفي عام 1964 شاهده ملك الفيديو المخرج (نور الدمرداش) فأسند إليه أحد الأدوار الصغيرة وهو دور (حمودة) الفلاح البسيط، في مسلسل (الضحية) للكاتب عبدالمنعم الصاوي.
وفي هذه الفترة من نهاية الستينات قدم مجموعة من الأدوار المسرحية البسيطة التى لم تلفت الأنظار إليه من هذه الأعمال مسرحية (حركة ترقيات) تأليف قاسم وجدي، وإخراج سعيد أبوبكر، وبطولة (نجوى سالم، أبوبكر عزت، جمال إسماعيل، حسن مصطفى، وسعيد أبوبكر).
و(الزوجة آخر من يعلم) تأليف هشام جمعه، وإخراج حافظ أمين، وبطولة (جمال شبل، والسيد منير، وعبدالنبي الكبش)، ومسرحية (علي جناح التبريزي وتابعه قفه) تأليف ألفريد فرج، وإخراج محمد أبوالفتوح، وبطولة (عبدالمنعم إبراهيم،أبوبكر عزت، عباس فارس، محمود التوني).

دوبلير عبدالمنعم إبراهيم
ظل (نبيل الدسوقي) يمارس عمله الإدراي، بجوار بعض الأدوار البسيطة في المسرح، والإذاعة، والتليفزيون، حتى جاء عام 1973، وتراجع دوره الإداري، ووقع اختيار المخرج الكبير (نبيل الألفي) مدير المسرح القومي،عليه ليقوم ببطولة مسرحية (المغفلين الثلاثة) التى كان يخرجها للمسرح الكوميدي.
ونجح (نبيل الدسوقي) بقوة في بطولة هذا العمل، مما جعل المخرج (نبيل الألفي) يقوم بنقله إلى المسرح القومي، فأتاح له فرصة عظيمة للالتقاء برواد وممثلين (فطاحل) مثل (أمينة رزق، عبدالرحيم الزرقاني، حمدي غيث، حسن البارودي) وغيرهم من (العتاولة).
في هذه الفترة اشتغل (نبيل الدسوقي) كدوبلير للفنان الكبير (عبدالمنعم إبراهيم)، بحيث إذا غاب عن (بروفه) إحدى المسرحيات يحل بديلا عنه، وإذا سافر لدولة ما وهو مرتبط بعرض مسرحي يؤدي الدور مكانه، فكانت فرصة ذهبية (للدسوقي) لتقديم شخصيات وأنماط عديدة.

التونسي سبب شهرته
استمر (نبيل الدسوقي) على هذا الوضع حتى بدأت علاقته مع الشاعر (بيرم التونسي)، وهى العلاقة التى إستمرت طويلا، وكانت سببا في شهرته، حيث قدم قصة حياته في أكثر من عمل فني، في مجالات الفن المختلفة (السينما، والمسرح، والتليفزيون).
وكانت البداية عندما تحول التليفزيون المصري إلى الألوان، حيث كتب المخرج (شوقي جمعة) مخرج الفن الشعبي بالتليفزيون مسلسلا ضخما عن (بيرم التونسي)، وسأل أصدقائه عمن يؤدي الشخصية، فأشار عليه أحدهم بأن هناك واحدا يشبه (بيرم التونسي) في المسرح القومي، فطلب منه (شوقي جمعه) أن يراه.
فذهب (نبيل الدسوقي) إليه، وانتهت المقابلة بحصوله على الدور، ليس من قبيل الإقتناع بموهبة (الدسوقي)، وإنما للشبه الكبير بينهما.
وحتى يثبت (الدسوقي) جدارته واستحقاقه للدور، بدأ يقرأ كل ما يتعلق بـ (بيرم التونسي)، كما قابل كل أصدقائه ومريديه ومحبيه، وأصبح لديه ذخيرة كاملة أعانته على تجسيد شخصية هذا الشاعر الكبير، والأقتراب من حياته الثرية.
ولكن شاءت الظروف أن يعرض المسلسل وسط تعتيم إعلامي، فلم يحقق النقلة الفنية التى توقعها (نبيل الدسوقي)، وتشاء الأقدار أن يشاهد المسلسل المخرج الكبير (عبدالغفار عودة) ويعرض عليه بطولة مسرحية (مجلس العنطزة) عن سيرة حياة (بيرم التونسي).
ولم يتردد (الدسوقي) لحظة واحدة لثقته في (عوده)، وحبه لـ (بيرم التونسي)، ونجحت المسرحية نجاحا كبيرا، جعلت اسم (الدسوقي) يتردد بقوة في الوسط الفني.
ولم تتوقف علاقة (نبيل الدسوقي) بالشاعر (بيرم التونسي) على المسرح والتليفزيون فقط، ولكنه قدم شخصيته مرة ثالثة من خلال السينما في فيلم (قلب الليل) إخراج عاطف الطيب، وبطولة نور الشريف.

نبيل الدسوقي والسينما
مع منتصف السبعينات بدأت أعمال (نبيل الدسوقي) تتوالى فقدم مجموعة كبيرة من الأعمال في كل مجالات الفن، فقدم في السينما مجموعة كبيرة من الأدوار الصغيرة لكنها متميزة للغاية في أفلام (على من نطلق الرصاص، ليلة بكى فيها القمر، البؤساء، سأعود بلا دموع، اللعنة..
وأشياء ضد القانون، الصعود إلى الهاوية، تحدي الأقوياء، ليلة شتاء دافئة، خيوط العنكبوت، الرغبة، وثالثهم الشيطان، نهر الخوف، المتهمة، عصفور له أنياب) وغيرها.

أعماله في التليفزيون
أما التليفزيون فكان (نبيل الدسوقي) أحد فرسانه من خلال مجموعة من الأدوار الكثيرة المتميزة نذكر منها (الطريق إلى القدس، جمال الدين الأفغاني، سر الغريبة، داليا المصرية، أمير الشعراء أحمد شوقي، الدعوة خاصة جدا، الوعد، لن نبكي من أجلهم.
والرجل والحصان، ليل الغربة، هي والمستحيل، الآنسة، بين القصرين، وقصر الشوق، بنات الثانوية، الموج والصخر، حساب السنين، إسطبل عنتر، مملوك في الحارة، تغريبة بني هلال، ألف ليلة وليلة..
وساعة ولد الهدى، الخروج من الدائرة، وداعا قرطبة، بوابة الحلواني، عمر بن عبدالعزيز، سر الأرض، الزيني بركات، الفرسان، عظمة يا ست، السقوط في بئر سبع) وكانت أخر أعماله في التليفزيون (جماد من لحم) عام 2002، تأليف ممدوح فهمي، إخراج تيسير عبود، وبطولة خالد زكي، وسوسن بدر، ميمي جمال، محمد وفيق.

الإذاعة ودنيا بنت دنيا
كانت بداية (نبيل الدسوقي) الأولى في الإذاعة وهو طالب في معهد الفنون المسرحية، حيث شارك عام 1960 في مسرحية في البرنامج الثقافي بعنوان (تلميذ الشيطان) تأليف جورج بارنارد شو، إخراج هلال أبوعامر، وبطولة (أمينة رزق، سميحة أيوب، محمد الطوخي، محمد السبع، عبدالعزيز مكيوي).
بعدها توالت أعماله الإذاعية فقدم (دنيا بنت دنيا، بلد المحبوب، ليلة حظ، هارب من الذكريات، النور، أحلام الأستاذ محجوب، بشندي المقلبنجي، الغريب والجبل) وغيرها الكثير.

القراءة كادت أن تفقد بصره
كان الفنان (نبيل الدسوقي) مولعا بالقراءة، وشراء الكتب، وكان لديه مكتبة عامرة بأمهات الكتب، ونتركه يتحدث عن ما حدث له من خلال، وسر حرقه لمكتبته!، من خلال حوار نشر له في مجلة (فن) في بداية التسعينات فيقول: (بسبب القراءة أصبت بضعف في شبكية العين، وغشتني (مية بيضاء) استحال معها العلاج، وأكد الأطباء بأنني سأحرم نعمة النظر، كانت الصدمة كبيرة.
وعلى الرغم من ذلك حاولت التماسك، فاتجهت إلى تزويج أبنائي، وسويت أموري في القاهرة، وعندما أقترب موعد سفري لقريتي كي أنهى فيها بقية حياتي بعيدا عن الفن، تذكرت مكتبتي الكبيرة، وخشيت أن يفرط فيها أبنائي فيبيعونها بغير اكتراث لبائع الروبابيكيا، فعمدت إلى إحراقها بالكامل!
وامتثلت لنصيحة الأطباء، وأيقنت أن الحالة ميؤوس منها، ويشاء العلي القدير أن يقول الكلمة الأخيرة، ففي إحدى زيارات صديق لي لألمانيا اتفق مع طبيب مصري يقيم هناك منذ 36 سنة على أن يجري لي عملية جراحية.
وأبلغه الطبيب بأنه سيزور القاهرة قريبا، وبإمكانه إجراء العملية فيها، فانتهز الصديق الفرصة وحجز لي معه، ولم يكن لدي بصيص من الأمل في هذه الزيارة، ولكن كانت المفاجأة حين ألقى الطبيب المصري المغترب نصيحة الأطباء السابقين خلف ظهره، وأجرى لي العملية الجراحية في إحدى عيني.

انتهت هذه اللحظات العصيبة
وطلب مني أن أنزع الضمادة، بعد ساعتين من الانتهاء من الجراحة، فلم أصدق أذني، وترددت طويلا قبل أن أمتثل لتعليماته، ثم حسمت التردد، وبدأت أنزع الضماد، فعشت الموقف الذي لم يعكسه أي عمل فني، وأن نسيت فلن أنسى اللحظة التى رفعت الضمادة من على عيني فجأة.
وإذ بصاروخ ناري يلهب عيني كالسياط، فتراجعت قليلا، ثم عدت أرفعها شيئا فشيئا، وبدأت أتبين ملامح الحجرة التى أرقد فيها، فهذه هى (اللمبة الكهربائية)، وهذا (دولاب ملابسي).
وهكذا انتهت هذه اللحظات العصيبة، التى انتابني خلالها رعب لم أقابله في حياتي، فأنا شديد الإيمان بالله، وأؤمن بما كتبه علىّ، وبهذا اللقاء العابر الذي رتبه القدر وحده، مع الطبيب النابغة (إسماعيل حسونة)، تراجعت عن قراري الذي اتخذته بالعودة إلى قريتي، واعتزال الفن.
وعاودت نشاطي بحماس فتي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، وأيقنت بصحة القول الشهير (وتقدرون فتضحك الأقدار)، وكان الشيئ الوحيد الذي ندمت عليه هو حرقي مكتبتي الأدبية التى لا تقدر بثمن!