
كتب: محمد حبوشة
لاشك أن مسلسل (الفرنساوي) بدأ قويا يحمل قدرا من الإثارة والتشويق، فالسيناريو في طياته حبكة درامية مكثفة، وحوارا يتسم بالقوة والواقعية إلى حدما، ربما لأن قصتة تبدو واقعية من سجلات الحياة المصرية، في عمل بعض المحامين الذين يجيدون اللعب بتغيير الأدلة بفعل شياطني، فضلا عن إخراج حاول جاهدا أن يجتهد في تصميم كادراته.
فقد عمد (آدم عبد الغفار) إلى أن تنطلق أحداث مسلسل (الفرنساوي) من فكرة مركزية تقوم على تفكيك العلاقة بين القانون والعدالة؛ إذ لا تبدو النصوص القانونية ضمانا مطلقا للحقيقة، بل أداة قابلة لإعادة التوظيف وفقا لمن يمتلك القدرة على قراءتها بذكاء.. وفي هذا الإطار لا يقدم مسلسل (الفرنساوي)، الذي يقوم ببطولته عمرو يوسف، الجريمة بوصفها لغزا تقليديا، بل مدخلا لفهم أعمق لكيفية صناعة السرد داخل قاعات المحاكم.
تدور أحداث مسلسل (الفرنساوي) داخل عالم قانوني معقّد، تتشابك فيه القضايا مع المصالح الشخصية وشبكات النفوذ، بحيث تتحول كل قضية إلى ساحة صراع بين روايات متعددة، لا مجرد بحث عن وقائع ثابتة، وهنا يبرز السؤال الأهم: ليس ما الذي حدث فحسب، بل كيف يمكن إثباته؟، ومن يملك القدرة على فرض روايته؟
ولعلنا نلاحظ أنه من خلال شخصية (خالد مشير) المعروف بـ (الفرنساوي)، التي يجسدها (عمرو يوسف)، يتجلى هذا التوجه بوضوح؛ فالمحامي الشاب لا يتعامل مع القانون بوصفه حدودا نهائية، بل بوصفه مساحة مرنة قابلة لإعادة التشكيل.. يعتمد في منهجه على بناء الحقيقة أكثر من مجرد اكتشافها، عبر تحليل الأدلة وتفكيكها، ثم إعادة ترتيبها داخل إطار قانوني محكم يخدم روايته.
تتشكل ملامح هذه الشخصية من صدمة قديمة مرتبطة بمقتل والدته وحرمانه من اعتلاء منصة القضاء، مما دفعه إلى تبني أسلوب قائم على التحليل الدقيق والتخطيط المحكم بدلا من المواجهة المباشرة.. وتتصاعد الحبكة حين يتحول (صانع الحلول) إلى متهم رئيسي في جريمة قتل حبيبته السابقة، الطبيبة (ليلى والي) التي تؤدي دورها عائشة بن أحمد.
هذا التحول يضع بطل (الفرنساوي) أمام اختبار حقيقي لمنظومته القانونية، لا سيما مع تصاعد محاولات تشويه سمعته من وراء الستار.. وتصبح (ليلى)، التي عاشت زواجا مضطربا تغلفه السيطرة والعنف مع رجل الأعمال (يوسف عدلي ثابت) الذي يجسده (سامي الشيخ)، محورا لكشف شبكة معقدة من علاقات النفوذ، حيث تتحول وفاتها إلى مفتاح لفهم خفايا هذا العالم.
وأرى أن مخرج ومؤلف مسلسل (الفرنساوي) أراد في سعيه منذ البداية إلى تقديم مشروع متكامل قائم على رؤية واضحة، من خلال نص مكتمل لجميع الحلقات (العشرة) فقط، يعتمد على حبكة دقيقة في الرؤية بين النص والصورة، ويمنحه قدرة أكبر على التحكم في التفاصيل وبناء عالم درامي متماسك.
وهنا أستعير ما قاله (آدم عبد الغفار) حول بناء شخصية (الفرنساوي)، حيث أشار إلى أنها لا تستند إلى نموذج واقعي محدد، بل جاءت بوصفها تركيبة درامية مركبة تمزج بين أكثر من مصدر وتجربة، وهو ما منحها عمقا نفسيا ودراميا لافتا، وأضاف أن مرحلة التحضير للشخصية كانت حاسمة، إذ جرى العمل على تشكيلها بعيدا عن القوالب النمطية، لتتحرك داخل مساحات رمادية تعكس طبيعة العالم الذي تنتمي إليه.


ماستر سين بالمعنى الحرفي
أقوى ما طرحه المسلسل – من وجهة نظري الشخصية – أن هناك توازيا حادا بين السلطة الرسمية وعالم الجريمة المنظم؛ إذ يبرز (الديب) الذي يجسده الفنان الكبير (جمال سليمان) كأحد أبرز رموز العالم السفلي، مستفيدا من ثغرات الماضي ليصنع لنفسه هوية جديدة.. ومن موقعه في الظل، يراقب ابنه (خالد) عن بعد، مجسدا سلطة خفية تحمي دون أن تظهر، وهو ما بدا لي في المشهد الأخير في الحقلة السادسة التي تعتبر (ماستر سين)، حيث جاءت على النحو التالي:
خالد: انت عاوز ايه وجاي هنا ليه؟
الديب: باشم هوا.. على فكرة أنا باجي كل فترة أفطر هنا.. ايه مش قد المقام يعني؟.. لا انته واخد عني فكرة غلط خالص!

خالد: انته جاي تغيرلي الفكرة دي دلوقتي؟
الديب: عارف الشيف اللي في المطعم ده: أنا اللي ماشغله هنا.. مش باقولك انك فاهم الدنيا غلط.. اسمع مني.. أنا زي أبوك!
خالد: الشيف ده شغلته بالتهديد، ولا قتلت اللي قابليه؟
الديب: انته ليه شايفني كده؟

خالد: علشان انته كده.. متعيش دور مش دورك.. أنا شايفك صح.. انته بلطجي.. بلطجي أوٌجري.. لما باعوزه في خدمة بارميله فلوسه في وشه.. وساعات باديك الدبل.
الديب: انته فاكر الناس اللي عاشرتهم حيبقوا أنضف من أبوك؟.. جرى أيه يامتر.. ما تفوق.. الديب ده مش اسم.. دي شغلانة.. عالم بداري بلاوي الناس الوسخة وحايش عنهم البلا الأزرق.. اللي عايشين فوق دول حيفضلو عايشين طول ما اللي تحت ليهم كبير.
وتبدو ملامح قوة وخبرة الأداء الاحترافي لدى (جمال سليمان) في رده بوجه عابث وتلمح في عينيه إنكسارة حادة: إياك تفتكر انني مجرم ولا حرامي.. لا.. أنا همزة الوصل بين اللي فوق واللي تحت.. لما خدامة الوزير تسرقه.. أنا اللي بأرد اللي اتسرق.. لما ابن السفير يتورط أنا اللي بانجده.. وانته كام مرة خدمتك سواء عارف ولا مش عارف.. مستكتر عليا إني بني آدم.. نفسه يتلم على ضناه؟

خالد باستنكار مصحوب بالدهشة الغضب: ضناه.. ياجحودك وجبروتك يا أخي.. صنا مين اللي باتكلم عنه؟.. هه.. ضناك ده انته سيبته عيل 11 سنة.. سبته في بيت مع جدة أمه اللي سايحة في دمها.. وخرجت وقولته انك راجع ومرجعتش.. وهو صدقك وفضل مستنيك على فكرة.. انته كنت بتفكر إزاي؟
وتبدو جدية أداء (عمرو يوسف) في قوله: يعني فكرت الواد ده حيحصله إيه؟.. حايكل إزاي.. حيشرب إزاي؟.. ولو مرض مين حياخد باله منه؟.. يراعيه.. عيل بقى من غير أب ولا أم.. بص لي: حسبتها إزاي؟.. بس كبر وبقى راجل وما احتجش لحد.
وفي حسم واضح من (خالد): لا حتجتلك ولا احتاجت لغيرك، ولا عمري حاحتجلك.. انته اللي محتاجلي.. حسبتها قلت: خلاص ما فضلش في العمر كتير.. لما أجرب دور الأب.. انته سبتني عشان انته جبان.. يا ريتك يا أخي كنت اتسجنت.. كان يبقى أكرملك.. أنا مليش أب.. وأوعي تحلم!
الديب في استداك أب مكلوم: هدي.. يا ابني.. ربنا بيعوض، والأيام فضلانا.. خلينا نعيشها أنا مش عاوز منك حاجة غير الكلمة الحلوة.. يا بني روق.. الأيام تغسل بعضيها.. ومسيرك حتتغير، وان معرفتش تحبيني متكرهنيش.. ورحمة أمي في تربتها أنا أقلب الأرض فوق وتحت لو حد مس شعرة منك.

عندئذ ينتهي المشهدالذي تتضح فيه خبرة ممثل كبير وقدير مثل (جمال سليمان)، الذي منح (عمرو يوسف) طاقة كبيرة في الصد والرد بقوة، فبدا لي ممثلا لأول مرة في حياته، وكأنه كان يحتاج لطاقة ممثل عملاق يستفز طاقته التمثيلية على نحو أمكنه تحمل بطولة (الفرنساوي) على هذا النحو، يخرجه من برودة الأداء المعهودة لديه وانحناءة جسده الضخم في أعماله السابقة واللحوظ أن أداءه جاء بمخارج ألفاظ متقنة إلى حد كبير.
تحية تقدير واحترام للفنان العملاق (جمال سليمان) على هذه السيفونية في الأداء العذب، والتي أداها بكل جوارحه، محلقا كطائر رخ أسطوري ينقض على فريسته بمخالب قاتلة بمنتهى القوة في بساطة لايدركها سوى فنان يغدو في تماهيه كـ (عملاق كبير).