رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد شمروخ يكتب: السؤال المحرم في الواقع والدراما والإعلام: ماذا بقي من (عيد العمال)؟!

محمد شمروخ يكتب: السؤال المحرم في الواقع والدراما والإعلام: ماذا بقي من (عيد العمال)؟!
حتى قرب نهاية التسعينات كان الناس ينتظرون خطاب الرئيس المشهور بالطلب الجماعى (المنحة يا ريس)

بقلم الكاتب الصحفي: محمد شمروخ

أي معنى في الإصرار على الاحتفال بهذه المناسبة كل سنة حتى الآن.. (عيد العمال)؟!

فماذا بقي من (عيد العمال) سوى عطلة (فاترة عند الجميع) حكومة وقطاع خاص، وكذلك العمال أنفسهم، لم يعودوا يشعرون بأن لهم عيد كان يحتفى به العالم كله، وتراودنى ذكرى أيام الدراسة بالسبعينات وحتى منتصف الثمانينات، كيف كان عبد العمال هو موضوع التعبير الأساسي مع اقتراب العام الدراسي من نهايته.

كما كان يمكن أن يكون (عيد العمال) موضوع تعبير أيضاً في امتحان اللغه العربية في امتحانات آخر السنة.

وحتى قرب نهاية التسعينات كان الناس ينتظرون خطاب الرئيس المشهور بالطلب الجماعى (المنحة يا ريس).

ولكن راحت أيام (المنحة) ومع ذلك لم يجرؤ أحد على أن يقدم على إلغاء إجازة أول مايو، كما سبق أن ألغيت نسبة الـ 50% عمال وفلاحين!

فأول مايو الآن لم يعد إجازة بعد القرار العجيب الذي أضاع قيمة كل المناسبات القومية، بترحيل الإجازات حتى الخميس، ولم يبق من (أول مايو) غير عمارات سكنية معدودة بجوار الجامعة العمالية بمدينة نصر!

ولكن أليس من الغريب أن صارت كل أفلامنا، مسلسلاتنا، مسرحياتنا، برامجنا، الحوارات التوكشاوية، الأفلام الوثائقية، كل موادنا الإعلامية عبر كل المنصات، تتجاهل العمال وحياتهم فضلاً عن عيدهم؟!

محمد شمروخ يكتب: السؤال المحرم في الواقع والدراما والإعلام: ماذا بقي من (عيد العمال)؟!
الثقافة السائدة الآن والمسيطرة على الأجواء (تحتقر) العمال وواقعهم في المصانع والورش والمؤسسات

لم يعد نموذج العامل مناسباً

ولنكن أكثر صراحة؛ ونقول إن الثقافة السائدة الآن والمسيطرة على الأجواء (تحتقر) العمال وواقعهم في المصانع والورش والمؤسسات والشركات والمتاجر.. وكل الجهات العامة والخاصة.

بل لم يعد نموذج العامل مناسباً، لاستثارة قرائح السادة صانعى الدراما لإبداع شخصية درامية، بعد أن سَخَرَ المبدعون كامل قدراتهم التخييلية، لخدمة كبار مصالح رجال الأعمال، حتى أن بعض المشاهير من المبدعين، ارتضوا أن يظهروا كموديلات إعلانات في مشروعات السادة (أعضاء اتحاد ملاك مصر).

فلا يصلح الآن، أن يكون العامل المكافح أو المظلوم، محوراً للأحداث في أى سيناريو في عوالم الدراما، حتى لا يغضب السادة أعضاء الاتحاد، اللهم إلا إذا اختلطت شخصية العامل بشخصية البلطجي أو الانتهازى أو الهازل أو اللص أو زعيم المافيا!

 لكن يُسمح فقط، بأن علامة نجاحه، لابد أن تتمثل في أن يتوج مشوار كفاحه ليملك الملايين ولتنزل كلمة (النهاية) مع مشهد العامل البطل وهو يركب أحدث موديلات السيارات وسط البودى جاردات وهو يدير شركاته حول العالم عبر هاتفه المحمول!

إذن فلم يعد عاملاً بل تحول إلى عضو اتحاد ملاك، فلو بقى على حاله كعامل فقط، فهو إنسان فاشل وهو ما يرفضه واقع افتراضي محكوم بأحلام الرفاهية المزيفة لانفتأ نمنى أنفسنا بتحقيقها!.

إذن النهاية المرضي عنها بأن العامل لابد أن ينتهى مليونيرًا أو مليارديرًا، ليصبح هو النموذج الأمثل للمستقبل!

أما الذي يبدأ وينتهى مجرد عامل، فليس له أن يرفع رأسه ولا يدعى أنه له حق في لعب أى دور في هذا العالم.. على أى مستوى من مستويات الأدوار.. درامياً كان أم واقعياً.

ولأن الدراما تعكس الواقع، فإن الدراما المصرية بالفعل هنا تعبر عن الواقع الاجتماعي وتجسد مدى بشاعته وكيف انحدر إلى دركة من دركات الزيف جعلته لا يدرك ما يعانيه من انتشار (عفن اجتماعى في ورق هدايا) غير أن الأنوف اعتادته، فلم تعد تشم رائحته النتنة!.

لقد بلغ بنا الإمعان في ممارسة النفاق الاجتماعي والدرامي والإعلامي، درجة أننا نحتفل بعطلة سنوية ونحن في واقعنا المعاش نحقر من شأن من كانت هذه العطلة من أجلهم!

محمد شمروخ يكتب: السؤال المحرم في الواقع والدراما والإعلام: ماذا بقي من (عيد العمال)؟!
عند أصحاب النفوس الطيبة، يصبح العامل فرصة لغسل الذنوب بالإنعام عليه بالصدقات!

أصحاب النفوس الطيبة

إن كلمة عامل أصبحت عارًا نبذل قصارى جهدنا في مداراته، بينما عند أصحاب النفوس الطيبة، يصبح العامل فرصة لغسل الذنوب بالإنعام عليه بالصدقات!

أنت نفسك.. ألا تجد أنك تسعد وأنت تفاخر بأن جدودك كانوا من كبار الموظفين أو الأثرياء أو قريبين من دوائرهم؟!

أما لو كان أحدهم من العمال أو الفلاحين، فسوف تتوارى من القوم من سوء ما أصاب تاريخ عائلتك، بل لن يكون لك الحق في الادعاء بأنك من عائلة عريقة لها سجل أرستقراطي أو (جرد) تتباهى بنشر تفاصيله على حساباتك الخاصة بمواقع التواصل الاجتماعي!.

هؤلاء هم الذين لا يجدون لأنفسهم قيمة إلا بمثل هذه الزيف الكريه!.

ماذا بقي من (عيد العمال)؟!

سؤال لم يعد له معنى!

لكن لابد من الإشارة إليه لنعرف أننا تحولنا إلى مجتمعات استهلاكية شرهة مدعومة بدراما غارقة في المظاهر الطبقية القشرية وتقدم دعاية دائمة تعزز ثقافة التطلع الرأسمالي حتى أنك تتمنى أن تحقق ثروة لكي يكون لك (وزن) و(شيء) في المجتمع، هذا الاعتقاد في حد ذاته يؤكد أنك في حقيقتك شيء بلا وزن!

أنت حقيقة مهما بلغت ثروتك إنسان مزيف بلا قيمة إلا بالحلم بأن تعيش في منتجع سكنى من الذي تراه الآن على شاشة تليفزيونك أو موبايلك في إعلان أو فيلم أو مسلسل!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.