رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(ماسبيرو): أسئلة موجعة.. وروايتان تتصارعان داخله!

(ماسبيرو): أسئلة موجعة.. وروايتان تتصارعان داخله!
تطورت الحياة من حوله بينما هو يظل على حاله
(ماسبيرو): أسئلة موجعة.. وروايتان تتصارعان داخله!
علا السنجري

بقلم الناقدة: علا السنجري

في كل يوم وأنا على عتبات ذلك الصرح الكبير يتمدد الحزن بداخلي،  وتمتد معه أسئلة موجعة، أكثر قسوة من الذكريات، وأشد إلحاحًا من الحنين.. (ماسبيرو) تتصارع داخله روايتان: رواية المجد، ورواية التراجع.

أولا أنت أمام  حكاية وطنٍ كامل على مر سنوات منذ بدايته في عام 1960، فقد كان يومًا ما أكثر من مجرد مؤسسة إعلامية؛ كان صوت دولة، وذاكرة شعب، ومصنع وعي ، فمن هذا الصرح  خرجت الأغنية التي وحدت، والخطاب الذي عبأ، والدراما التي شكّلت الوجدان.

لم يكن مجرد (تليفزيون حكومي)، كان واجهة مصر وجامعة تعلم فيها الكل الإعلام الجاد و الدراما الهادفة، والبرامج الترفيهية والعلمية.

منذ ثورة يناير عانى مبنى (ماسبيرو) من الاضطهاد، بسبب سوء إدارة البعض للأزمة، توقف الشاشة عن الإنتاج لتتحول إلى ساحة إخبارية بلا إعلانات تأتي بعائد بسيط ليصرف على المبنى، تخبط القرارات واختيار بعض القيادات غير الموفقة.

 أهم الأسباب في ضعف (ماسبيرو) اكتفاء وزارة المالية بتوفير المرتبات فقط و القليل من المصروفات الضرورية.. ظروف العمل محبطة به لعدم توافر تمويل لانتاج برامج مبهرة تواكب القنوات الخاصة، لم يعد لديه نسبة إعلانات بل تكاد تكون معدومة، اعتماد نظام اللائحة دون ثواب أو عقاب سوى الحضور والانصراف، توقف قطاع الإنتاج عن إنتاج مسلسلات تدر ربحا للمبنى

خروج العديد من أبنائه للعمل في القنوات الخاصة، واحد من أهم الأسباب في ضعف (ماسبيرو)، لترتفع نسب المشاهدة بتلك القنوات، أما أبنائه الذين استمروا في العمل به ينطبق عليهم المثل القائل: رقصوا على السلالم لا اللي فوق ولا اللي تحت  شافوهم، يعملون في ظل المتاح من أجهزة وإنتاج مالي ضعيف، تكون النتيجة برامج هزيلة جدا.

لكن الحقيقة التي لا يجب أن نهرب منها: الزمن تغيّر، و(ماسبيرو) لم يتغيّر بالقدر الكافي.

(ماسبيرو): أسئلة موجعة.. وروايتان تتصارعان داخله!

(ماسبيرو): أسئلة موجعة.. وروايتان تتصارعان داخله!
كرامة من صنعوا هذا التاريخ ليست رفاهية، بل دين يجب سداده

جيوب خاوية وكرامة مثقلة

نعم، هناك إهمال واضح طال البنية التحتية، وطال البشر قبل الحجر.. موظفون أفنوا أعمارهم ثم وجدوا أنفسهم على هامش المشهد، يواجهون أسئلة الحياة بجيوب خاوية وكرامة مثقلة.. هذه ليست مجرد أزمة إدارية، بل جرح إنساني لا يجوز تبريره أو الصمت عنه.

لكن، في المقابل: هل كانت المؤسسة نفسها بريئة تمامًا من هذا المصير؟

لعقود طويلة، عاش هذا الكيان على أمجاد الماضي، بينما العالم من حوله ينقلب رأسًا على عقب.. الفضائيات الخاصة صعدت، المنصات الرقمية اقتحمت كل بيت، المشاهد تغيّر، والإيقاع تسارع.. بينما بقيت أدوات كثيرة داخل المبنى أسيرة زمن آخر. لم تكن المشكلة فقط في قلة الإمكانيات.

بل أحيانًا في غياب الرؤية، وثقل البيروقراطية، وخوف مزمن من التجديد، وقيادات مرتعشة تخاف من اتخاذ خطوة للتطوير .

 ما حدث هو مزيج ثقيل من قرارات متأخرة، وإصلاحات مبتورة، وإدارة لم تدرك في الوقت المناسب أن الإعلام لم يعد جهازًا، بل معركة وجود.

في ملف الحقوق والمعاشات، وهو ملف لا يحتمل التأجيل ولا التبرير، فكرامة من صنعوا هذا التاريخ ليست رفاهية، بل دين يجب سداده.

(ماسبيرو) اليوم ليس (قتيلًا) بقدر ما هو (مريض مزمن) أهمل علاجه طويلًا.. حتى استفحل الداء.. ومع ذلك، لا يزال في الجسد نبض.

لا تزال هناك خبرات نادرة، وأرشيف لا يُقدّر بثمن، واسم يحمل ثقل تاريخ لا يمكن استنساخه بسهولة.

السؤال الحقيقي ليس: من قتل (ماسبيرو)؟

بل: هل نملك الشجاعة لننقذه دون أن نكذب على أنفسنا؟

إنقاذه لا يكون بالبكاء عليه، ولا بالاكتفاء بلعن الواقع، بل بإعادة تعريف دوره في زمن جديد: إعلام أخف، أذكى، أقرب للناس، وأكثر استقلالًا في الروح إن لم يكن في الملكية.. إصلاح يبدأ من الإنسان قبل الكاميرا، ومن الفكرة قبل المبنى.. وربما، فقط ربما!.. بدل أن نقف أمامه كمن يقرأ الفاتحة على روحٍ راحلة.

نقف كمن يوقّع على شهادة ميلاد جديدة تليق بما كان، وتفهم ما يجب أن يكون، ليعود لدوره الريادي في تكوين وتشكيل وجدان الشعب في التحديات القادمة، ويستعيد دوره في تشكيل الإعلام العربي، وقبل كل ذلك استعادة كرامة من حققوا مجده، ومن مازالوا يعيشون في أروقته لاستعادة هذا المجد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.