
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
لا غرابة في كون (الجمهور)، يشكل جزءا من العملية التمثيلية ، داخل مسرح (السيرة الهلالية)، وهذا ما أشار إليه (فرانثيسكو جارثون ثيسبدس) في كتابه (من مسرح أمريكا اللاتينية مسرح السرد التمثيلي) حيث أن (السرد الشفهي التمثيلي يعتبر الجمهور طرفا آخر في الحوار؛ وهذا لأن (الجمهور) عليه استخدام خياله؛ لكي يحيي في عقله الشخصيات والمواقف التي تعرض عليه).
فـ (الجمهور) في هذه الحالة يتأثر ويؤثر أيضا، (وهنا نلاحظ أن للجمهور دورا داخل العملية التمثيلية، يعتمد عليها شاعر السيرة الشعبية، ذلك الدور نابع من الثقافة الشعبية التي تربي فيها جمهور السيرة الشعبية)، فـ (الجمهور) توارث وتناقل قصص السيرة، وهى جزء من ثقافته الشعبية.
وهذه القصص ترتبط بالبيئة الثقافية الشعبية أشد ارتباط، بمعني أنها تمثل مجموعة القيم والمعتقدات والعادات والتقاليد والمنتجات المادية.. إلخ، ونسوق مثال: من العادات العربية في السيرة:
وضعت هي زوجة سرحان
فرحت جميع العرايب
جال الملك هاته في الديوان
اسميه وحاضرة الحبايب
فاجبوا الغلام بعد الاسبوع
علشان يسمي وتعرف رجاله
يا سامع اصغي ا لموضوع
سرحان جاعد حلي ما جاله
جابوا ولد الملك في الديوان
والكل جاعد وحاضر
موجودين كبار العربان
ارجال حلوة المناظر
لفوا بيه علي الجمع كلة
كل من هو يعطي نقودة
جالوا موزون زين في محله
ومثال آخر من المنتجات المادية:
يا سعيده هنا دلي بينا
سيرنا باليل ده غير معقول
رب العرش ينظر علينا
وفي جبال دلوا رحيلهم
خضرة دي عاقلة وفهيمة
مع دول شرد ورحيلهم
بين الجبل نصبولي خيمة
نصبت خيمة بعمدان
من الخيش او صوف حاضر
سوق الجول والمعني يا خوان
خضرة باكية بدمع ساير
في الخيمة وجعدوا لاتنين
وسابوا المال في وسع الجبالي

مكانة اجتماعية معينة
وهكذا (الجمهور) عارف بالعادة الخاصة بتسمية المولود والنقوط، وعارف بالمنتج المادي الخيام، وبالتالي يثير شاعر السيرة بتلك الأبيات خيال المستمع، لكي يحيى في خيال (الجمهور) على مستوى الشخصيات والمواقف، وشخصيات السيرة يعرفها الجمهور ومحددة داخل الترتيب الاجتماعي، من أبطال أو أمراء أو عبيد، أو نساء لهن درجات من الإمارة أو مكانة اجتماعية معينة.
كما أن البيئة الجغرافية التي تدور فيها أحداث السير يعرفها الجمهور من أماكن صحراوية أو زراعية، وأيضا الزمن الذي تدور فيه الأحداث من سنين أو أيام وضوء النهار المتدرج من الفجر إلي الغروب وكذلك الليل؛ كما أنه علي علم بجميع ما يدور في القصص من أحداث وعلاقات وصراع وشخصيات.. إلخ.
ومعرفة (الجمهور) لنصوص قصص السيرة، يمثل كما جاء في معجم علم النفس والتربية الصادر عن مجمع اللغة العربية (حوافظ الثقافة cultural conserves : كل ما يسجل مظاهر للثقافة مثل الآثار والكتب والأفلام وما إلي ذلك (فالجمهور هو الحافظ لقَصصه الثقافي بالفعل، وهو الذي يعرف أدق تفاصيله وهو حريص عليه.
كما أن تربية الجمهور داخل بيئته الثقافية الشعبية والجغرافية مكنته من الإدراك التام لطبيعة تلك الثقافة، فأهم ميزة لجمهور السير هو الإدراك لماهية ثقافته.. فجميع ما في قصص السيرة يدركه الجمهور عن طريق إدراكه الحسي وإدراكه الذهني ، فالإدراك الحسي (سيكلوجيا: معرفه مباشرة للأشياء عن طريق الحواس).
و قال الجرجاني: (الإدراك هو حصول الصورة عند النفس الناطقة)، فالجمهور تربي إدراكُه الحسي علي بيئته الجغرافية وعلى جميع مفردات ثقافته الشعبية أيضا، مما كوَّن له مخيلة رائعة يستطيع بها تخيلَ العمل التمثيلي المقدم من شاعر السيرة من خلال ذاكرته الحسية.
تلك الذاكرة كونت عند (الجمهور) ما يعرف بـ (المفهوم العام)، وهو (الفكرة التي تمثل عددا من العناصر تشترك كلها في أمر ما، فإذا سمع الإنسان كلمة (الأسد) فهم مفهوما عاما هو أنه حيوان.

تناقل أو توارث السيرة
وللجمهور مشاعرُه الجمعيةُ وقيمُه ورغباتُه الفنية وخبراتُه السابقةُ في تناقل أو توارث السيرة؛ ومن الحصيلة العامة للمفردات الحسية والذهنية المكونة عند (الجمهور)، فهذه الحصيلة.
يعتمد عليها شاعر السيرة في إثارة خياله وجعْل الصور التمثيلية تظهر في مخيلته كأنه يراها، ونسوق مثال عن تعرض خضرة الشريفة وسعيدة للسرقة:
بجي عطوان ينظر بعيناه
يلجي المال وسع الجبالي
مال كتير ولا حدش امعاه
وساير يمنه وشماله
جوم نده عطوا ن ده وجال يا رجال
أدي الكريم يا رجال عطاني
من البعد اني شايف المال
جريب وعاطوا معانا
هاتولي المال يا رجال جوام
هاتوه ما تخلوا حاجه
زعج يومها جال زعيم جوم
لا نجص ولا زياده
جابو المال زروت خزرات
هاتوه من يمين وشمالي
يا سلام لما العود رن
خد بالكم من المقالي
صاحوا الغنم ويه لاجمال
صاح الغنم شوف ويا لاجمال
في جبال واسعه وشريفه
خد بالك لمعني الاقوال
سمعتها يومها الصياح الشريفة
(سمعت صوت الغنم)
جالت يا سعيده شوفي ايه
ليكون وحش نازل علينا
بالعين وانظري للعاليه
والمثال السابق واضح في كيفية إثارة خيال المستمع، وهكذا يكون الجمهور جزء من العمل التمثيلي لشاعر السيرة الهلالية.