رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب: في إمارة المسرح (1).. عندما يُترجم الحب الى أفعال بـ (الشارقة)

عصام السيد يكتب: في إمارة المسرح (1).. عندما يُترجم الحب الى أفعال بـ (الشارقة)
مسرح الجاز .. أيقونة المسارح العربيية بالشارقة

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

قبيل اندلاع الحرب وصلتنى دعوة لحضور مهرجان أيام (الشارقة) المسرحية في دورته الخامسة والثلاثين، ولقد بادرت بقبولها لتقديرى ومحبتى لهذا المهرجان فهو نافذة هامة على المسرح الإماراتى الذى يتميز بالاهتمام بالصورة المشهدية، إلى جانب ثراء ندواته ومسامراته التي تجمع أساطين المسرح في الوطن العربى، فيصبح المهرجان مجالا لتجدد المعلومات وإثراء المناقشات وتعميق الصداقات.

كما أنه فرصة للقاء كثير من أحبائى وأصدقائى من شباب المسرحيين المصريين العاملين بالمسرح المدرسى بالامارات، أو ممن هم طلاب بأكاديمية الفنون بـ (الشارقة)، وعندما اندلعت الحرب توقعت تأجيل المهرجان كما تم تأجيل بعض الفاعليات بالإمارات مثل معرض الكتاب بأبو ظبى.

ولكننى فوجئت باستمرار التحضيرات الخاصة بالمهرجان فتأكدت أن مقولة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمى حاكم الشارقة (سيبقى المسرح ما بقيت الحياة) يجرى تنفيذها بكل دقة.

فبرغم كل الظروف الدولية المحيطة وبرغم اضطراب الملاحة فمعظم مطارات الدول الخليجية، وتعرض بعضها للهجمات إلا أن إمارة المسرح (الشارقة) أبت أن تنطفئ أنواره لتثبت أن الحياة دائما ستنتصر.

هذا ما كنا دائما ننادى به: أن يستمر المسرح في تأدية دوره حتى في أوقات الازمات والحروب، ولنا تجارب كثيرة سابقة في هذا المجال، ها هى مصر في أثناء العدوان الثلاثى تفتح مسارحها ظهرا لتقدم أعمالها للجمهور، وها هى الفرق المسرحية تقدم عروضها في المواقع العسكرية بعد حرب أكتوبر و حتى إتمام استكمال استعادة سيناء في عام 1982.

و ها هم المسرحيون يسعون لعرض مسرحياتهم في مناطق الحوادث الإرهابية في صعيد مصر في بداية التسعينات، إنها إرادة الحياة في مواجهة الموت.

عصام السيد يكتب: في إمارة المسرح (1).. عندما يُترجم الحب الى أفعال بـ (الشارقة)
الدكتور سلطان بن محمد القاسمي

حب حاكم (الشارقة) لمصر

وفي الحقيقة ان هذا ليس السبب الوحيد لتحمسى للذهاب، بل هناك سبب آخر يعلمه كل فنان ومثقف مصري وهو مدى حب حاكم (الشارقة) لمصر، و أننا نبادله حبه بحب أكبر، فحين يُذكر اسم الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في سياق الثقافة العربية، لا يُستدعى فقط بوصفه حاكمًا مثقفًا أو كاتبًا مسرحيًا، بل بوصفه حالة إنسانية خاصة في علاقته بمصر.

علاقة لا تشبه علاقات السياسة العابرة، بل تنتمي إلى ذلك النسيج العميق الممتد عبر سنوات طوال بدأت عندما وفد شاب الى جامعة القاهرة ليتم تعليمه الجامعى، لكن هذا الشاب لم يكن مجرد طالب وافد، بل كان شابًا عربيًا يتفتح وعيه على معنى الثقافة الحقيقية.

هناك، بين قاعات الدرس ومكتباتها، وبين صخب الحياة في القاهرة، تشكّلت ملامح المشروع الفكري للشيخ سلطان  بن محمد القاسمى، فلقد قال أن ما حصّله من علم لم يكن معرفة جامدة، بل تجربة حياة كاملة ، فمصر لم تكن بالنسبة له محطة تعليمية، بل كانت – كما يصفها – بيتًا ثانيًا..

بل وطنًا موازيًا يسكن وجدانه، وعندما يتحدث عن القاهرة، لا يذكرها كمدينة، بل كمعلمٍ روحي؛ فتح له أبواب الفكر والفن والتاريخ.. ولذا نجد صوته يحمل نبرة الوفاء كلما تحدث.

غير أن ما يميز علاقة الدكتور القاسمي بمصر هو أنه لم يتركها حبيسة الكلمات، فلقد حول العاطفة الى فعل وتحول الحب الى مبادرات، فقد أدرك أن الامتنان الحقيقي لا يُقاس بما يُقال، بل بما يُفعل. ومن هنا بدأت سلسلة مبادراته التي يمكن قراءتها كترجمة عملية لهذا الحب.

ففي خطوة لافتة، قدّم القاسمى قبل ثورة يناير وديعة مالية ضخمة لصالح اتحاد كتاب مصر- في زمن رئاسة الأستاذ محمد سلماوى – ليحقق للاتحاد دخلًا مستدامًا يُنفق على رعاية الأدباء وتمويل الأنشطة الثقافية، وهكذا لم يكن الأمر مجرد تبرع، بل رؤية بعيدة المدى، تضمن استمرار عطاء الاتحاد من اجل جموع الكتاب المصريين.

وفي نفس التوقيت تقريبا أنشأ (مسابقة إبداع الشارقة) لطلاب الجامعات لتكون مساحة كبرى لاكتشاف المواهب داخل الجامعات المصرية؛ حيث كانت هناك مسابقات تشارك فيها جميع الجامعات المصرية في مجالات المسرح والشعر والموسيقى والغناء والفنون التشكيلية.

ولقد منحت المسابقة فرصة الظهور لآلاف الطلاب ، مؤكدة أن الثقافة تبدأ من الشباب، ولم يتوقف الأمر عند الشباب من طلاب الجامعات، بل امتد دعمه الى أهم ميدان للثقافة والفنون في مصر وهو جهاز الثقافة الجماهيرية الذى حصل في إحدى السنوات على منحة منه لتدعيم النشاط الفني في قرى و نجوع مصر الى جانب إحياء قصر ثقافة طنطا .

عصام السيد يكتب: في إمارة المسرح (1).. عندما يُترجم الحب الى أفعال بـ (الشارقة)
المجمع العلمي المصري

دعم (المجمع العلمى المصرى)

وفيما بعد بادر الى دعم (المجمع العلمى المصرى) بعد إحتراقه أثناء أحداث ثورة يناير بإعادة ترميمه، وإهدائه بعضا من المراجع الهامة من مكتبته الخاصة، والتي تعتبر من الكنوز التي لا تقدر بثمن – بدلا مما فقدت – و منها نسخة أصلية من كتاب (وصف مصر) الذى وضعه علماء الحملة الفرنسية.

ووصلت إهداءاته في مجال الكتاب إلى 4 آلاف كتاب لأبرز المؤسسات التعليمية والثقافية المصرية ومنها مكتبة كلية الزراعة بجامعة القاهرة التي تخرج فيها، وفي العام الماضى قام بتجديد مسرحها ومدرجها الرئيسى و زوده بأحدث الوسائل التعليمية والتقنية.

كما ساهم في ترميم متحف الفن الاسلامى الذى يعتبر أكبر متحف متخصص في الفن الإسلامى في العالم بعد تفجيرات مديرية أمن القاهرة عام 2014، والتي اصابت جزءا من مبنى المتحف المواجه للمديرية و تلف بعض المعروضات به.

فتم إعادة تأهيل البنية المعمارية التاريخية للمتحف و إصلاح الأسقف والأرضيات المزخرفة، وترميم 160 قطعة أثرية من 176 قطعة أصابها التلف، إلى جانب تحسين صورة المتحف عن طريق تزويده بوسائل حديثة للعرض.. إلى جانب إهدائه لمصر 425 قطعة أثرية مصرية نادرة من عصور مختلفة.

كما ساهم في بناء دار الوثائق الجديدة بمدينة الفسطاط بالقاهرة، حماية للذاكرة والتراث الثقافي المصري.. فضلًا عن تبرعه بإقامة مقر مبنى اتحاد المجامع اللغوية العلمية العربية بمدينة السادس من أكتوبر لتعزيز التعاون العلمى بين المجامع العربية، ضمن مشروع ضخم لإنجاز موسوعة عربية شاملة في العلوم والفنون و الآداب و تشمل المرحلة الأولى 44 مجلدا.

عصام السيد يكتب: في إمارة المسرح (1).. عندما يُترجم الحب الى أفعال بـ (الشارقة)
دار رعاية كبار الفنانين

دار رعاية كبار الفنانين

وبجهود من سيدة المسرح العربى السيدة سميحة أيوب والفنان الكبير أشرف عبد الغفور وقت أن كان نقيبا للفنانين، وافق الدكتور القاسمى على المساهمة في انشاء دار لرعاية كبار الفنانين، توفر لهم الإقامة والرعاية الصحية والإنسانية، في التفاتة نادرة تعترف بجميل من صنعوا الوجدان العربي.

وقد تم افتتاح الدار في عصر النقيب الحالي الدكتور أشرف زكى ، ونجحت في عملها الانسانى و الاجتماعى في رعاية من أعطوا العمر للفن.

تلك أمثلة لما قدمه الدكتور القاسمى لمصر حاكم (الشارقة)، وليس حصرا لما قدمه، فالحصر صعب لأننا لا نعرف جميع تفاصيل ما قدم، فله تاريخ طويل في المساعدة في المجالات الإنسانية بعضها معروف مثل إنشاء سكن للطالبات المغتربات بجامعة الازهر ودعم المعهد القومى للاورام و تطوير مناطق عشوائية بالجيزة ، وبعضها تم في سرية تامة من أجل إنقاذ بعض الأرواح.

كما أن للشيخ تاريخ طويل في استضافة كثير من المثقفين المصريين – و العرب أيضا – عندما ضاقت بهم بلدانهم .

لكن ما نعرفه حقا أنه في كل المبادرات و المجهودات التي قام بها الدكتور القاسمى تبدو علاقته بمصر  نموذجًا نادرًا من نماذج الحب الذى تمت ترجمته  إلى عمل؛ فلم يكتفِ بالكلمات، بل أقام لمصر مؤسسات تعيش بعده، وكل ذلك تم في هدوء وبلا صخب إعلامى أو دعاية فجة، ولم يصاحبه في أى وقت أو تحت أي ظروف إحساس (بالمن) الذى ربما يتبعه الأذى، وهذا أمر نادر في زمن تتبدل فيه العلاقات  .

غير أن صورة الدكتور القاسمي حاكم (الشارقة) لا تكتمل دون التوقف أمام مشروعه الأوسع: خدمة المسرح العربي، الذي آمن به بوصفه أداة لبناء الإنسان.

ولهذا حديث آخر…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.